ملخص
بعد الانقلاب على مذكرة التفاهم التي وقّع عليها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان بوساطة باكستانية، تقاذف الطرفان المسؤولية عن خرقها، وبعد الخطوة التصعيدية التي اتخذتها واشنطن باللجوء إلى الحصار البحري المشدد ضد الموانئ الإيرانية، وبعدها في اعتماد إستراتيجية “المنبوذ الاقتصادي”، عادت إدارة البيت الأبيض لمربع التصعيد والتشدد.
المسافة بين معادلة “الضغط من أجل التوصل إلى التسوية”، ومعادلة “الضغط حتى حافة الحرب”، بين واشنطن وطهران، بدأت تضيق، ويبدو أن كلا الطرفين لا يزال متمسكاً بأولوياته، ولا يبدي استعداداً للقيام بأية خطوة قد تساعد في تدوير الزوايا، أو إعادة النظر في ترتيب هذه الأولويات، للخروج من عنق الزجاجة، وما وصلت إليه الأمور بين الطرفين، فبعد الانقلاب على مذكرة التفاهم التي وقّعها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان بوساطة باكستانية، تقاذف الطرفان المسؤولية عن خرقها، وبعد الخطوة التصعيدية التي اتخذتها واشنطن باللجوء إلى الحصار البحري المشدد ضد الموانئ الإيرانية، وبعدها في اعتماد إستراتيجية “المنبوذ الاقتصادي”، عادت إدارة البيت الأبيض لمربع التصعيد والتشدد، كجزء من تداعيات الصحوة على السلبيات التي جاءت في مذكرة التفاهم، فأسقطت كل الشروط الإيرانية التي ربطت بين فتح مضيق هرمز بتسوية عامة، تشمل إنهاء الحرب في المنطقة، ورفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة، وبيع النفط، وسعت إلى فرض معادلة جديدة تقايض بين الملف النووي وفك الحصار، في مقابل فتح المضيق وبعض التسهيلات في العقوبات والأموال المجمدة، بحسب ما سرّبه موقع “أكسيوس” عن الرئيس الأميركي، وسارع الأخير إلى نفيه، وطلب من إدارة الموقع المقرب منه سحب الخبر “الخدعة”، بحسب وصفه.
تصاعد وتيرة الحشود العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، بعد قرار إرسال حاملة الطائرات الثالثة، روزفلت، قد تكون بديلة عن الحاملة “جورج واشنطن”، ومعها آلاف من القوات القتالية، إضافة إلى استمرار التصاعد في سياسة العقوبات والحصار البحري والجوي، قد تشكل علامات ومؤشرات جدية إلى إمكان جولة جديدة من القتال والمواجهة بين الطرفين، وأن هذه الجولة قد لا تكون خاضعة للتوقيت الذي أعلنه الرئيس ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بل لتوقيت المسارين الدبلوماسي والميداني الذي تقدره واشنطن، أو نتيجة ذهاب طهران إلى خيار استباقي، إذا ما وصلت الضغوط الاقتصادية إلى الخطوط الحمر التي تهدد الاستقرار الداخلي.
لكن مؤشرات أخرى، نتيجة تصريح الطرفين بعدم إعلان وفاة المسار التفاوضي، أو إنهاء الجهود التي تبذلها الأطراف الوسيطة، بخاصة ما تقوم به الدبلوماسية القطرية، تدفع نحو الاعتقاد بأن واشنطن لم تتخذ قراراً حاسماً ونهائياً بالعودة لخيار الحرب الشاملة، ولا سيما أن مواقف الرئيس ترمب تعزز هذا الاعتقاد، من دون أن تسقطه من حساباتها، وأن الرئيس الأميركي يذهب في المسافة الزمنية الفاصلة حتى موعد الانتخابات النصفية، إلى اعتماد الحصار الاقتصادي كخيار إستراتيجي مرحلي، لتغيير معادلة المراوحة المسيطرة مع طهران.
الجولات المكوكية التي يقوم بها الوسيط القطري لم تستطع تحقيق خرق في مواقف طرفي الأزمة، والاستمرار في البحث عن مخرج يلبي شروط الطرفين، ويفتح الطريق نحو عودة جدية لطاولة التفاوض، يبدو أنهما لا يزالان بعيدان من متناول اليد، بخاصة في ظل حال انعدام الثقة المتبادلة بينهما، وهيمنة الشك في نيات كل طرف وأهدافه، من أي مفاوضات محتملة.
وإذا ما كانت الأبعاد التي تحرك الوسيط بين واشنطن وطهران، تتلخص في محاولة إبعاد المنطقة من العودة لجولة جديدة من الحرب، قد تكون أشد وأقسى من الجولات السابقة، وأخطر في تداعياتها على الجميع، فإن المقترحات والأوراق التي يقوم هذا الوسيط في نقلها بين الطرفين، لا تخرج عن مجرد إعادة صياغة وترتيب جديدة للشروط والمطالب التي تشكل أولوياته، في أي اتفاق أو تفاهم، وتمسّك كل طرف بأن يكون الخصم هو صاحب الخطوة الأولى، ومن هنا يمكن فهم الخلفية التي استعاد فيها الرئيس الأميركي أزمة الملف النووي، وتحويلها إلى أولوية مقدمة على أزمة مضيق هرمز، وحتى متقدمة على التداعيات التي قد تنتج من التطور الأمني والعسكري الذي تشهده جبهة اليمن، ومحاولة جماعة الحوثي السيطرة على مضيق هرمز والساحل الغربي لليمن، والرهان الإيراني على إحداث تغيير في معادلات الطاقة والسيطرة.
واشنطن التي تضغط لإجبار طهران على تقديم التفاوض النووي، كمدخل لأي تفاوض في المسائل الأخرى، تنظر إليه منظومة القرار في طهران بكثير من الحذر والرفض في آن، فأي تنازل أو قبول في تغيير الأولويات والمطالب، التي جاءت في مذكرة إسلام آباد، يعني اعترافاً إيرانياً بتفوق واشنطن وانتصارها في الحرب، وفرض شروطها، وأن ورقة مضيق هرمز الإستراتيجية قد سقطت وتحولت إلى عبء على طهران، وبالتالي التسليم بأن هذه الورقة قد فشلت في تحقيق الهدف منها، بخلق أزمة اقتصادية دولية تضغط على واشنطن والاقتصاد الدولي، وتجبر الإدارة الأميركية على العودة لمذكرة التفاهم.
هذه المخاوف تشكّل الخلفية الحقيقية لفهم أبعاد التمسك الإيراني بالبنود السبعة، التي قدمها وزير الخارجية عباس عراقجي للجانب الأميركي، على هامش مشاركته في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، والتي تعتبر خلاصة مكثفة للبنود الـ 14 لتفاهم إسلام آباد، مع تغيير في الجدول الزمني لتطبيق بنوده، إذ تسمح بالانتقال إلى فتح ملف التفاوض حول النووي في اليوم السابع من بدء واشنطن تطبيق الشروط الأساسية، وأن القبول في تغيير الأولويات، وتقديم الملف النووي وفتح مضيق هرمز، بحسب ما سرّب من نقاط جاءت في الرد الأميركي، قد لا تمنح إيران أية قدرة لاحقاً على إجبار واشنطن بالبقاء حول طاولة التفاوض، بل قد يسمح لها بالاحتفاظ بورقة الحصار البحري والجوي والضغط الاقتصادي.
صراع الأولويات بين واشنطن وطهران، ومحاولتهما استخدام ما يملكانه من أوراق للضغط، من أجل فرض التسوية التي تخدم مصالحهما، تجعلان المشهد أكثر تعقيداً، واستمرار الضغط قد يعيد وضع الطرفين على حافة الحرب والمواجهة، بغض النظر عن حجم التداعيات التي قد تنتج منها، وما يمكن أن تفرضه من معادلات إقليمية لا تزال مجهولة المعالم، بانتظار من ستكون له الكلمة الأخيرة في هذه المواجهة، بخاصة أن التمسك الأميركي بتقديم الملف النووي، مع الحصار والحشد العسكري، قد يعني أن واشنطن تسعى إلى بناء ورقة ضغط أخيرة قبل قرار حاسم، لا إلى إستراتيجية استنزاف مفتوحة، وبالتالي فإن غياب إعلان واضح بانتهاء المسار التفاوضي، لا يعني بالضرورة أن خيار الحرب مؤجل أو مستبعد، بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
ونتيجة لتشبث كل طرف بموقفه، يبقى سؤال “من يتحرك أولاً؟” معلقاً، فكل طرف يقرأ المبادرة إلى خطوة أولى تنازلاً، وإلى أن تتغير حسابات كل طرف، فإن ما نشهده من حراك دبلوماسي قد لا يتعدى مجرد نافذة أخيرة تسبق الانتخابات، وفرصة الاستعداد لما بعدها.
