الرئيس السوري أحمد الشرع يزور السعودية ويلتقي الأمير محمد بن سلمان. الرئيس اللبناني جوزاف عون يتلقى دعوة لزيارة الإمارات وسيلبيها. تتمتع سوريا بعلاقة استراتيجية مع السعودية وتركيا، وفيها يمر خط الحجاز ومشاريع كثيرة استثمارية وفي مجالات الطاقة والاتصالات، وتقترب أكثر من حلف مكة وسط مفاوضات جدية لانضمام دمشق إلى هذا الحلف. لبنان بعيد عن حلف مكة، لا تقارب مع تركيا على الرغم من اللقاءات التي عقدت، ولكن العلاقة تتعزز مع قبرص، اليونان وأرمينيا أيضاً، إلى جانب تعزيز العلاقة مع الإمارات والبحث في مشاريع واستثمارات متعددة. عملياً، يفترق البلدان في التوجهات الاستراتيجية، ولكن كليهما يحرصان على علاقة جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية.
اتجاهات لبنان
تحظى سوريا باهتمام أميركي كبير، هذا الاهتمام يمنح دعماً كبيراً لمسار العلاقة السورية التركية والسورية السعودية. أما لبنان فيبحث عن استمرار تحسين علاقته مع الولايات المتحدة وهو لم يعد يمتلك أي خيار غيرها خصوصاً بعد رعاية واشنطن لاتفاق الإطار والدفع باتجاه تطويره. عندما وقع خلاف داخل الإدارة الأميركية بشأن الملف اللبناني، فإن لبنان طالب بأن يبقى ملفه بيد وزير الخارجية ماركو روبيو وإبعاد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن التعاطي بهذا الملف، لا سيما أن فانس كان أبرز المتحمسين للاتفاق مع إيران. أشار روبيو إلى البحث في إيجاد بديل عن مضيق هرمز، وأطلق موقفه من اليونان التي كان قد زارها رئيس الجمهورية جوزاف عون قبل فترة قصيرة. واليونان هي إحدى الدول الأساسية في تحالف دول شرق المتوسط، ومشروع طريق الهند الذي انضم إليه لبنان قبل أيام.
أوراق سوريا
يأتي ذلك على وقع اندلاع حرب اليمن، وتفعيل حلف مكة، وفي ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان والمفاوضات أيضاً والبحث عن قوة دولية لتشكيلها ونشرها في الجنوب. لا يجد لبنان بين يديه الأوراق اللازمة للمناورة السياسية ولا لاستخدام علاقاته مع جهات دولية عديدة وخصوصاً الأوروبيين الذين أبدوا كل الاستعداد لنشر قوات لهم كبديل عن اليونيفيل، لكن واشنطن وتل أبيب ترفضان ذلك حتى الآن، وتريدان اعتماد اتفاق الإطار كقرار في مجلس الأمن، وبناء عليه تتشكل القوة الدولية. سوريا في المقابل، تترك لنفسها اللعب بأوراق عدة. فهي لا تقطع التفاوض مع إسرائيل وإن لم يكن مستمراً بشكل دائم ويجري بطريقة متقطعة، لكنها في المقابل تمسك بأوراق كثيرة: العلاقة مع الولايات المتحدة، التحالف مع تركيا والسعودية وقطر، والبحث بالانضمام إلى حلف مكة.
مفاوضات متقدمة
تمسك سوريا هذه الأوراق بيدها، لإقامة توازن معين بمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، من دون إغلاق الباب على المفاوضات ولا على المساعي الأميركية، ولكنها تُبقي لنفسها خيارات متعددة أهمها العلاقة مع تركيا والسعودية وقطر ودول أخرى إذ بعض المعلومات تتحدث عن مفاوضات متقدمة بين سوريا وباكستان أيضاً للحصول على المزيد من التقنيات العسكرية وتطوير القدرات الدفاعية. بذلك يمكن لدمشق أن تضغط على إسرائيل من خلال الذهاب أكثر باتجاه حلف مكة.
الانضمام إلى حلف مكة
جاءت زيارة الشرع للسعودية في توقيت حساس، من حرب اليمن، واحتمالات تجدد الحرب الأميركية على إيران، وبعد ساعات على الإعلان عن تفعيل حلف مكة الدفاعي. بعض المعلومات تشير إلى نقاش جدي جرى بين سوريا والسعودية حول انضمام دمشق لحلف مكة، وما كان لافتاً هو أن وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان هو الذي ودع الشرع في المطار لدى مغادرته، وهو ما يعطي طابعاً عسكرياً للزيارة وما تخللها من نقاشات، وسط معلومات تتحدث عن اجتماع مطول عقد بين الشرع ووزير الدفاع السعودي بعد الاجتماع الذي عقد بين الرئيس السوري وولي العهد السعودي. وإذا انضمت سوريا إلى حلف مكة، فهذا يعني أنها ستكون منخرطة في تفعيل بروتوكول الدفاع، وهذا ما يتيح لها بموجب الاتفاقيات إرسال قوات إلى السعودية، وقد يتم إرسال هذه القوات بشكل منظم أو بشكل غير منظم أي لا يتم إرسال فرق كاملة من الجيش السوري وبشكل رسمي، كما يمكن لسوريا أن تساهم من دون الانضمام لحلف مكة إذا أخرت الانضمام إليه بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات مع إسرائيل.
رسالة لإسرائيل
يأتي ذلك أيضاً بالتزامن مع تفعيل حلف مكة من خلال المعلومات التي تتحدث عن إرسال تركيا وباكستان لمستشارين عسكريين ولمعدات عسكرية وتقنية متطورة إلى المملكة إضافة إلى تفعيل بروتوكول التعاون الاستخباري وتبادل المعلومات، وعليه لا بد من انتظار النتائج التي ستتحقق بموجب هذا التفعيل وكيف ستنعكس ميدانياً وسياسياً أيضاً. أما إستراتيجياً، فإن خطوة الرياض بتفعيل حلف مكة وإدخال معدات ومستشارين أتراك وباكستانيين إلى السعودية يأتي بعد رفض أميركي للانخراط في الحرب على الحوثيين، ويشكل رسالة واضحة لإسرائيل التي كانت قد عرضت الاستعداد للتعاون والانخراط مقابل أثمان أخرى أهمها التنسيق الأمني والعسكري والوصول إلى مسار التطبيع.
الامتحان مع إيران
عملياً، أصبح حلف مكة أمام امتحان أكثر من جدي، مع إسرائيل من جهة ومع إيران من جهة أخرى. فإسرائيل التي كانت تريد التدخل في اليمن، والوصول إلى البحر الأحمر وباب المندب، قد تجد طريقاً أخرى لتطويق الخليج انطلاقاً من الصومال ومشروعها في صومالي لاند، كما ستتحرك في كل القرن الأفريقي. تركيا أيضاً التي تتمتع بنفوذ في القرن الأفريقي تريد من خلال تفعيل حلف مكة وإرسال مستشارين ومعدات عسكرية إلى السعودية تثبيت وجودها أكثر في الخليج وربما البحث عن بناء قواعد عسكرية أيضاً، وتحديداً في اليمن لاحقاً. أما إيران فهي التي تريد التصعيد من هرمز إلى باب المندب، وهي التي اعتدت على دول الخليج وتسعى إلى التأثير على أسعار النفط، كانت باكستان وتركيا وجهتا رسائل إليها بوجوب التوقف عن ممارسة الاعتداءات ضد الرياض، وهذا أيضاً سيضع الحلف أمام الامتحان في كيفية التعامل مع أي تصعيد إيراني في حال تجددت الحرب بين واشنطن وطهران.
مشروع إسرائيل
أمام كل هذا المشهد، تبدو إسرائيل ماضية في مشروعها، وستحاول الاستفادة من كل التناقضات في المنطقة. في سوريا ستواصل ضغطها العسكري والسياسي في إطار التنافس مع تركيا. وفي الخليج ستبقى تنتهز أي فرصة للتدخل على قاعدة أنها الوحيدة القادرة على الحماية من إيران وأن الخيار النهائي يجب أن يكون بإبرام اتفاق معها. أما في لبنان، فهي حتماً ستواصل عملياتها العسكرية في الجنوب، ويمكن أن تقاطع المفاوضات ما دامت الدولة اللبنانية لم تلتزم بشروطها، وهي تحمل الدولة مسؤولية العجز عن سحب سلاح حزب الله، وهو ما ستستغله لتوسيع عملياتها باتجاه مناطق ومواقع أخرى، للقول إنها الوحيدة القادرة على سحب سلاح حزب الله، وتستند إلى دعم أميركي مطلق في تثبيت رؤيتها ومشروعها، وفرض اتفاق لاحقاً بأبعاد سياسية واقتصادية، تستكمل فيه طموحها في تفعيل طريق الهند أو تحالف شرق المتوسط، وبعدها تستدرج دولاً أخرى في المنطقة إلى ملعبها.