سلام حربه.. جريدة المدى
الوطن كتعريف مجرد علاقة الانسان بالأرض والجماعة والهوية، قد يكون هذا الوطن امبراطورية كبيرة أو دولة أو منطقة كبيرة، هذا المفهوم جرى تأويله حسب النظم السياسية التي تحكم البلدان أو العقائد اليقينة المهيمنة على عقول الناس وأفكارهم وفي الغالب يعني الأرض الواحدة المحددة جغرافيا وإن كان يحوي فيدراليات أو كونفدراليات عرقية أو دينية.
البلقنة تعني تفتت هذه الامبراطورية أو الدولة أو المنطقة الكبيرة الى دول وكيانات صغيرة وقد ظهر هذا المصطلح بعد الحرب العالمية الأولى عام 1914 عند تفكك الامبراطورية النمساوية المجرية والامبراطورية العثمانية وصعود القوميات الصربية واليونانية والبلغارية والرومانية وغيرها بحيث أصبح هذا المفهوم يُتداول سياسيا لتقسيم البلدان على الأسس القومية والدينية والاثنية، هذا المفهوم الذي كان غائبا أو مضمرا في بطون الكتب ولا يخطر على العقل السياسي العراقي في السابق وقد يذكر همسا وفي الحوارات الثقافية لكنه أصبح اليوم يافطة سياسية يبصرها العقل الجمعي العراقي وخاصة حين لوحت السياسة الأمريكية الصهيونية بتطبيق هذا القرار على الجغرافية والتأريخ العراقيين وجعل العراق الموحد، منذ آلاف السنين، ثلاث دويلات على الأساس القومي والطائفي. البلقنة تحتاج الى أرض خصبة كي ينمو هذا القرار السياسي ويصبح حقيقة واقعة ولا يجد المجتمع الدولي والسياسات الصهيونية والعنصرية والرأسمالية مثل العراق نموذجا حيا لتطبيق هذه الخطة الاستعمارية، خاصة وأن هذا البلد عمّت فيه الفوضى وضرب الفساد كل مفاصل الدولة وتناحرت القوميات والأديان والطوائف للحصول على مكاسبها ومصالحها الشخصية والفئوية والحزبية لأنها تعاملت مع هذا البلد بمنطق البيت المحروق والزعيم منها من يستحوذ على أكبر قدر ممكن من ثرواته ومن المواقع السياسية والاقتصادية الستراتيجية وأن يكون أداة رخصية وعميلا تافها لهذه الدولة أو تلك أو هذا المحور السياسي أو ذاك، المهم تحقيق أطماعه وتنفيذ ما يجول في الخواطر والعقول المريضة من مناصب ومنافع مالية. ما شجع ويشجع المخطط الصهيوني الأمريكي على التهديد والتنفيذ سوء النظام السياسي القائم في البلد، منذ ثلاثة وعشرين عاما، على المحاصصة الطائفية والعرقية واعتماده الاقتصاد الريعي بعد أن تعطلت فيه المؤسسات الصناعية والزراعية والقانونية والثقافية والسياحية وتفشت البطالة وتدهورت البنى التحتية من خدمات وكهرباء، وتجاوز سياسيوه على مقدرات هذا البلد وتخليهم عن مفهوم السرقة البسيطة الى النهب العام بحيث أفرغت كل ممكنات البلد الاقتصادية والسياسية والقانونية وعطّل الدستور الذي وضعه الاحتلال الأمريكي من محتواه وخيطه كل كيان على مقاسه الخاص واشتدت العداوة والكراهية بين قومياته وأديانه وطوائفه الدينية وأسقطت الوطنية واستبدلت بالانتماء الى الطائفة والدين والقومية والعرق وهذا ما أدى الى هزال النظام السياسي وتراجع هيبة الدولة وتعدد القرار الحكومي والانتقائية في تطبيق القوانين وهذا ما دفع المواطن أن يلتجأ الى عشيرته وطائفته ودينه وقوميته حتى تمنحه القوة في مواجهة هذه الفوضى التي تعصف بالبلد من شماله الى جنوبه. إن غياب المشروع الوطني والديمقراطية الحقة والانتماء للأرض العراقية والهوية الواحدة هي من دفعت كيانات البلد أن تدخل في تناحر لتحصل على مزيد من المكاسب والامتيازات ولا سيما أن هناك أجندات خارجية تشجع كيانات البلد الطائفية من السنة والشيعة والقومية من الأكراد والأقليات الأخرى على الانفصال وبناء دولها الخاصة التي لم تخطر ببالها يوما في السابق لكنها وجدت نفسها وجها لوجه مع بلقنة هذا البلد بسبب السياسة الخاطئة التي انتهجتها الكتل السياسية طيلة هذه الأعوام من سقوط النظام السابق على يد الاحتلال الأمريكي عام 2003. لم تعط قوى المحاصصة الطائفية والعرقية المجال للقوى الوطنية والديمقراطية أن تأخذ دورها في المساهمة في بناء هذا البلد بل تعاملت جميعا مع هذه القوى بالحديد والنار وهذا ما حصل في انتفاضة تشرين عام 2019 وحتى ما قبل هذا التاريخ وما بعده وعملت على تكميم الأفواه واستخدمت أساليب النظام السابق البطش بالقوى المعارضة من قتل وتغييب في السجون والملاحقة الدائمة وحرمانها من كل الحقوق وخنق كل صوت يحاول أن يفضح قوى المحاصصة وما عملته من تخريب للبلد وسرقة خيراته والهيمنة على مؤسساته من أجل ايقاف أي نية لتقدم هذا البلد في الحاضر والمستقبل. البلقنة الذي أطلقته السياسة الأمريكية الصهيونية وهددت بها مؤخرا جاءت بلسما للأكراد ربما في تحقيق حلمهم في بناء الدولة الكردية التي كانت بعيدة المنال، رغم ما يتمتعون به حاليا من منافع وامتيازات ساهمت ببناء الاقليم بشكل حقيقي، لكن يبقى هذا حلم الأحزاب الشوفينية الكردية التي فشلت في تحقيقه في بلدها ايران وامكانية تحققه في العراق بمساعدة بعض الدولة الخارجية. أما بالنسبة الى السنة فيعتبرون قيادة هذا البلد حقهم الطبيعي منذ قيام الدولة الأموية في القرن الأول الهجري وحتى عام 2003، وشعورهم حاليا بالتهميش والاقصاء وهذا ما لفت نظر البعض من قادتهم السياسيين الى مشروع البلقنة الأمريكي كخلاص لهم والهيمنة على مناطقهم التي بدأت تتسرب، كحبات الرمل، من بين أصابعهم، ولا يتم هذا الأمر الا بكيان فيدرالي أو كونفدرالي أو دولة خاصة يرسمها لهم العقل الصهيوني الأمريكي. أما في المكون الشيعي الكبير فهناك آراء فقهية عند البعض من سياسي الشيعة أن لا وجود للوطن ولا للهوية العراقية وأن هذه البقعة من الأرض وخيراتها لا تخص العراقيين فقط بل بالامكان أن يسكنها كل البشر وهم يسترشدون بالآية القرآنية الكريمة ( والأرض وضعها للأنام ) أي إن الأرض العراقية مشاعة وهذا ما شجع شيعة الأقوام الأخرى، من ايرانيين وباكستانيين وأفغان وهنود وغيرهم، أن تستبيح هذه الأرض وتستولي على البعض من الأراضي الشيعية في وسط وجنوب العراق وربما في المستقبل يصبحون كيانات وقوميات يصعب التعامل معها عند مطالبتها بتطبيق القوانين العراقية السارية المفعول. البلقنة، كمشروع سياسي، قد تصبح امرا واقعا اليوم أو غدا إن بقيت هذه الكيانات العرقية والطائفية سادرة في غيها ويصبح العراق نسيا منسيا. لمواجهة هذه المؤامرة الأمريكية الصهيونية تجاه العراق يتوجب اعتماد القوى السياسية النهج الوطني وبناء النظام السياسي المدني الديمقراطي العادل نظام المؤسسات والقوانين الانسانية وتحقيق العدالة الاجتماعية وأن تشعر كل الطوائف والأديان والقوميات والأقليات بوجودها وحقها بادارة الحكم والتمتع بحقوقها وأن تكون العلاقة بين الكيانات العراقية قائمة على الاحترام والمحبة والمشروع الوطني الواحد والجميع متساوون أمام القوانين المنصوص عليها في الدستور. البلقنة التي كانت حلما يوما ما قد تصبح حقيقة واقعة إن بقي هناك من يعمل لأجلها..