علي حسين.. جريدة المدى
قبل ثلاث سنوات وفي مثل هذه الأيام خرج علينا رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني ليقدم نصيحة “ذهبية” للعراقيين بأن يستبدلوا الدولار اللعين بالدينار العراقي الذي سينافس اليورو ويتفوق على الجنيه البريطاني.. اعتقد السيد السوداني الذي اكتشف أن بإمكانه أن ينافس المرحوم آدم سميث، أن الشعب العراقي يعيش رفاهية اقتصادية لا يحلم بها أي ساكن على كوكب الأرض، ولأن المسؤول العراقي مثله مثل السياسي لا يرى أبعد من المنطقة الخضراء وما حولها من فِلال وقصور وجكسارات، فاعتقد السيد السوداني أن المواطن العراقي الذي يسكن في المعامل أو في نواحي السماوة محتار أين يخبئ الدولارات!.
آنذاك لم يكن قرار تخفيض الدولار قراراً اقتصادياً، بل حفلاً كبيراً لبعض النواب والمدونين الذين أخبرونا أن المواطن العراقي سيحتل المرتبة الأولى في الرفاهية الاجتماعية، وأن زمن البطالة انتهى، والمصانع ستعمل 24 ساعة باليوم، والفلاح يُصدّر منتوجه إلى أقاصي أوروبا، والبطالة تحت الصفر، في ذلك الوقت دخل عدد من النواب إلى الاستوديو يرتدون أفخر البدلات، ليعلنوا أن مرحلة صعود الدولار ستنتهي إلى غير رجعة، بعدها ظهرت النائبة الهمامة لتطلق أناشيد الفرح بأن الخير قادم، ولكي تكتمل فصول المسرحية أخبرنا أحد رؤساء الكتل بأن الدولار في طريقه إلى الانهيار وأننا من سيفرض سعره في السوق، كل هذه الخطابات والأناشيد، أطلقت في الليلة التي طالبنا فيها السيد محمد شياع السوداني بأن “نخزن” الدينار في قناني المياه وهي الفكرة التي سرقها عدنان الجميلي لكنه استبدل الدينار بالدولار. كانت صيحات الإعجاب وهتافات النصر تنطلق من داخل قبة البرلمان، في ذلك الوقت خرجت علينا النائبة حنان الفتلاوي لتشرح نظريتها في اقتصاد السوق.
بعد ثلاث سنوات بالتمام والكمال، استيقظ المواطن العراقي ليجد أن عرس الدينار قد انتهى، وأن الدولار يقفز “بالزانة”، ووجدنا الذين صالوا وجالوا على الهواء، يعيشون في صمت مطبق، بل إن البعض منهم أعلن أن الإمبريالية ومعها الصهيونية تتآمر على التجربة السياسية العراقية ولا تريد لها الاستقرار، وطالبنا محلل سياسي بأن نترك الدولار ونربط الدينار العراقي بالتومان، لكي نعيش عيشة سعيدة ونتناول وجبة كاملة الدسم من “الكرامة”.
على مدى سنوات عاش المواطن مع وصية “اقتنوا الدينار واطردوا الدولار”. لنكتشف أن المقصود، أن تزداد ثروات تجار الخردة في العراق، وتمتلئ خزائن أصحاب المصارف، وتُهرَّب العملة، دون أن يخرج علينا أحد ليوضح لنا: لماذا؟.
في تاريخ العراق المعاصر كان هناك شخص اسمه ساسون حسقيل، تولى مالية العراق في أول نشوء للدولة، تخبرنا كتب سيرته أنه كان يجادل نوري السعيد في معنى الديمقراطية، ويُحسقل الموازنة من أجل أن يجعل من الدينار العراقي حديث الولادة، أكثر عافية من الجنيه الإسترليني، ما الذي كان يغيظ هذا السياسي البارع؟، إنهم أصحاب الخطب الرنانة.