ايلي كلداني – ناشط في مجال التنمية المحلية
في دراسة نشرها مركز الدراسات الشرقية في وارسو بعنوان: “خطة الحرب الروسية: إخضاع أوكرانيا، ترهيب أوروبا، وشراء موقف الولايات المتحدة”، يشير الباحث ماريك مينكيزاك إلى أنه على رغم التحديات المتزايدة، لا يزال الكرملين متمسكاً برؤيته لتحقيق النصر عبر التحرك على جبهات متعددة: أولاً عبر مواصلة الحرب واستمرار الضغط العسكري المباشر على أوكرانيا لإخضاعها، وثانياً عبر ترهيب أوروبا وإضعافها بالحرب الهجينة والتدخلات السيبرانية للحد من دعمها لكييف، تمهيداً لتفكيك نظام الأمن الأوروبي، وثالثاً عبر محاولة تقديم إغراءات وصفقات تجارية للإدارة الأميركية بهدف تطبيع العلاقات، ورفع العقوبات، وقطع الدعم عن أوكرانيا.
منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية في شباط/ فبراير 2022، تعيش أوروبا مع حلول كل فصل شتاء قلقاً متزايداً من إمكانية امتداد رقعة الحرب إليها. وهذا العام، يأتي الشتاء بالتزامن مع تصعيد روسي كبير في العدوان على أوكرانيا ليضاعف مخاوف الأوروبيين، حكوماتٍ وشعوباً؛ ولا سيما مع توالي الأخبار والتسريبات التي تؤكد قيام روسيا بما يُسمى “الحرب الهجينة” ضد أوروبا، والتي تتضمن تصاعداً في الهجمات السيبرانية والعمليات التخريبية التي تستهدف حركة المطارات والبنى التحتية الحيوية.
يُترجم هذا القلق الأوروبي في حالة طوارئ غير معلنة؛ إذ بدأت حكومات عدة بوضع خطط استجابة عاجلة وشاملة. تشمل هذه الخطط توجيه الأفراد والبلديات لتخزين المياه والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن توفير مصادر الطاقة ومستلزمات التدفئة، مع التشديد على احتمالية حدوث انقطاعات في التيار الكهربائي أو نقص في إمدادات الغاز. وتتركز هذه الاستعدادات بشكل خاص في دول البلطيق: إستونيا، ليتوانيا، لاتفيا وبولندا، وهي الدول الأقرب جغرافياً الى روسيا والأكثر عرضة لاحتمالات الصراع.
على رغم مرور سنوات على بدء الحرب، تعثرت روسيا في تحقيق أهدافها المعلنة وتكبدت خسائر كبيرة أمام مقاومة أوكرانية صلبة. ولم تنجح القوات الروسية حتى الآن في اختراق الجبهات بشكل فعال، بل إنها لم تتمكن بعد من السيطرة الكاملة على إقليم دونيتسك، الذي أعلنت موسكو ضمّه في خريف 2022. وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي لحق بالبنى التحتية في كييف وغيرها من المدن الأوكرانية، لا يزال الأوكرانيون قادرين على الصمود في جبهات القتال. علاوة على ذلك، فشلت الحملة الروسية في تأمين أراضيها؛ إذ تكثفت الضربات الأوكرانية النوعية لتستهدف البنى التحتية في عمق الأراضي الروسية، كمصافي النفط، ومرافق التخزين، والموانئ، وسفن نقل الوقود. وأدى ذلك إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية داخل روسيا واندلاع أزمة محروقات حادة، ما أثار حالة من التذمر والاستياء الشعبي تجاه الحكومة والجيش لعدم قدرتهما على توفير الحماية الكافية، بخاصة مع وصول الضربات إلى العاصمة موسكو، فضلاً عن الآثار المتزايدة للعقوبات الاقتصادية والحصار الغربي.
في دراسة نشرها مركز الدراسات الشرقية في وارسو بعنوان: “خطة الحرب الروسية: إخضاع أوكرانيا، ترهيب أوروبا، وشراء موقف الولايات المتحدة”، يشير الباحث ماريك مينكيزاك إلى أنه على رغم التحديات المتزايدة، لا يزال الكرملين متمسكاً برؤيته لتحقيق النصر عبر التحرك على جبهات متعددة: أولاً عبر مواصلة الحرب واستمرار الضغط العسكري المباشر على أوكرانيا لإخضاعها، وثانياً عبر ترهيب أوروبا وإضعافها بالحرب الهجينة والتدخلات السيبرانية للحد من دعمها لكييف، تمهيداً لتفكيك نظام الأمن الأوروبي، وثالثاً عبر محاولة تقديم إغراءات وصفقات تجارية للإدارة الأميركية بهدف تطبيع العلاقات، ورفع العقوبات، وقطع الدعم عن أوكرانيا.
تؤكد الدراسة أن طبيعة النظام الروسي الشمولية والعقلية الحاكمة تمنعان موسكو من تغيير مسارها، بل تتجذر لدى قيادتها قناعة بأنها في صراع مباشر مع حلف الناتو و”الغرب”. وبناءً على ذلك، تلجأ روسيا إلى محاولات إحباط المعنويات، ونشر القضايا المتعلقة بالفساد في أوكرانيا لضرب صورتها لدى الغرب، إلى جانب دعم القوى الشعبوية والقومية في أوروبا عبر حملات تضليل إعلامية وجيوش إلكترونية لإحداث تغيير في السياسات الأوروبية. واستمراراً لهذه الاستراتيجية، تكثف روسيا ضرباتها على شبكات الكهرباء، والتدفئة، والمياه، والسكك الحديدية، والمعابر الرئيسية في أوكرانيا، بهدف التسبب في أزمة إنسانية طاحنة خلال الشتاء. وتسعى موسكو من خلال ذلك إلى دفع مئات الآلاف من الأوكرانيين للجوء إلى الدول الأوروبية المجاورة؛ إذ تراهن على أن موجات اللجوء الجديدة، مع ارتفاع أسعار الغاز والمحروقات في أوروبا، قد تؤدي إلى تقويض الاستقرار الداخلي للدول الأوروبية، وتوفر فرصة للأحزاب الشعبوية لإذكاء خطابات الكراهية وتحميل اللاجئين مسؤولية التردي الاقتصادي، ما يضغط على الحكومات الأوروبية ويدفعها الى إعادة التفكير في حجم دعمها لمواجهة العدوان الروسي.
وفي دراسة أخرى أعدها “معهد دراسة الحرب” (Institute for the Study of War)، جاء في مقدمتها أنه “يجب على دول الناتو والدول الأوروبية أن توجّه تخطيطها السياسي نحو فهم ترابط الحملات العسكرية والإعلامية التي يشنها الكرملين ضد أوروبا وأهداف هذه الحملات، بدلاً من النظر إليها كسلسلة منفصلة وغير مترابطة”. وتوضح الدراسة أن الكرملين ينظر إلى نفسه كطرف في صراع طويل مع الغرب، وتتلخص أهدافه الاستراتيجية في سعيه الى استعادة دوره كقوة عظمى، إذ ترى روسيا أنها “لا يمكن أن تكون قوة عظمى من دون السيطرة على أراضي “الأسلاف” في بيلاروسيا وأوكرانيا”. أما الهدف الآخر فهو “استعادة النفوذ على الدول السوفياتية السابقة، بما في ذلك دول البلطيق ومولدوفا”.
من هنا تحاول موسكو دائماً الإيحاء بأن هذه الدول “تتمتع بسيادة منقوصة” وينبغي أن تكون “حيادية”، بمعنى أنها لا تستطيع الانضمام إلى تحالفات مثل الناتو أو تكتلات اقتصادية مثل الاتحاد الأوروبي. وتعتبر روسيا نفسها وصية ولها الحق في حماية “الناطقين بالروسية”، وبحسب الدراسة أيضاً، تسعى إلى العودة إلى “نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون فيه واحدة من أقطاب رئيسية عدة”، وسيحدث ذلك “من خلال تقليص النفوذ الأميركي وضمان عدم قدرة الناتو والاتحاد الأوروبي على العمل ككتلتين موحدتين”. أما الهدف الأخير فهو سعي بوتين الى الحفاظ على نظامه، وذلك عبر تحويل الانتقادات الموجهة إليه وإشعال ادعاءات بأن الغرب يشن حملة متماسكة وعدوانية لإبقاء روسيا ضعيفة، وترويج أن بوتين نفسه هو الرجل الوحيد القادر على قيادة البلاد في هذا الصراع.
وتلفت الدراسة إلى أن الكرملين يشن حملة من أعمال التخريب، كالحرائق المتعمدة التي تستهدف مصانع ومستودعات الدفاع، في ظل احتمال ارتباط روسيا بحريق متعمد وقع في 14 آب/ أغسطس واستهدف شركة “Milrem Robotics” الإستونية للتكنولوجيا الدفاعية، وبحريق آخر وقع في 17 أيلول/ سبتمبر 2024 واستهدف منشأة تديرها شركة “TVC Solutions” الليتوانية للصناعات الدفاعية. وتُنفذ هذه العمليات من خلال تجنيد وكلاء عبر المنصات الإلكترونية وشبكات الجريمة المحلية، بدلاً من تنفيذها مباشرة بواسطة أفراد روس.
كما يشير التقرير إلى عدد من الحرائق المتعمدة في مراكز لوجستية في بولندا والمملكة المتحدة وألمانيا، بالإضافة إلى أعمال تخريب ضد السكك الحديدية البولندية لعرقلة نقل الإمدادات العسكرية الغربية إلى أوكرانيا، وكان أبرزها استهداف مسارات القطارات بالقرب من معبر “دوروهوسك” بين بولندا وأوكرانيا باستخدام متفجرات في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. يُضاف إلى ذلك تكثيف روسيا ضرباتها بالطائرات المسيرة على المعابر والأهداف الواقعة على طول الحدود الأوكرانية-البولندية في أيلول/ سبتمبر 2026، وتزايد الخروقات الجوية بمسيرات عسكرية لدول مثل بولندا ورومانيا ومولدوفا، بالإضافة إلى دول البلطيق وفنلندا. وتؤكد الدراسة أيضاً أن الكرملين يهدف من خلال هجماته إلى “تعطيل الحياة المدنية الأوروبية والتسبب في القلق وعدم الارتياح بين السكان”، وذلك عبر أنشطة سيبرانية تؤدي إلى تعطيل الطيران المدني ووسائل النقل العام والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في بولندا ودول البلطيق، فضلاً عن استهداف البنية التحتية المدنية والخدمات العامة الأوروبية، كالهجوم السيبراني على محطات التدفئة والطاقة البولندية في كانون الأول/ ديسمبر 2025، وهجوم آخر ضد مرفق مياه دنماركي في عام 2024.
يضاف إلى ذلك كله النشاط الكثيف للكرملين في “الحملات المعلوماتية التي تستهدف العمليات الانتخابية الأوروبية”، إذ يحاول التأثير في الانتخابات في عدد من الدول، وهي اتهامات أُثبتت خصوصاً في الانتخابات البرلمانية اللاتفية لعام 2026، وبدأت تظهر في الاستعداد للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، والانتخابات البرلمانية الإستونية لعام 2027.
وعلى الرغم من ذلك، يثق الأوروبيون بأن القوات الروسية لا تستطيع تنفيذ هجوم واسع على إحدى الدول الأعضاء، خصوصاً مع التخبط الواضح للجيش الروسي في الحرب الأوكرانية، كما يثقون بقدرتهم على هزيمة الروس أو ردعهم. لكنهم في الوقت نفسه يدركون حجم الضرر الذي يمكن أن تحدثه موسكو داخل دولهم؛ ولذلك كان واضحاً في الفترة الأخيرة تكثيف تحضير خطط الطوارئ والاستعداد، إلى جانب التدريبات والمناورات التي تجريها بعض الدول مع فرق الإغاثة والفرق الطبية للاستعداد لأي طارئ.
في الوقت نفسه، ترى تحليلات أن الوقت الراهن يمثل الفرصة السانحة، وربما الأخيرة، لبوتين لتنفيذ مخططات عسكرية تستهدف أوروبا، ولا سيما أن القارة سارعت إلى إعادة تسليح نفسها وإقرار ميزانيات دفاعية ضخمة، كما هو الحال في ألمانيا وبولندا ودول أخرى، إذ يسعى بوتين الى استغلال هذه النافذة الزمنية قبل أن تُعيد أوروبا بناء جيوش أكثر قوة وجاهزية.
يُضاف إلى ذلك ما تعانيه دول أوروبية عدة من تداعيات الحرب مع إيران والتضخم المتزايد، ما أدى إلى ارتفاع الأصوات الداعية إلى إعطاء الأولوية للتفاوض مع روسيا على حساب التصعيد. وانطلاقاً من هذه المعطيات، يراهن الكرملين على إنهاك الأوروبيين وعلى “زرع الخوف” وإقناع الشارع الأوروبي بأن كلفة دعم أوكرانيا واستمرار الحرب باهظة جداً؛ إذ يراكم بوتين هذا الخوف موجهاً رسالة غير مباشرة للأوروبيين مفادها: “انظروا إلى كييف وما حل بالأوكرانيين؛ قد تتحول مدنكم وعواصمكم الآمنة إلى المصير نفسه، وستدفعون الثمن نزوحاً ولجوءاً”.