بعد حلقة أولى أمس من كتاب “غازي كنعان صانع دولة الدمى” للزميل نقولا ناصيف، هنا حلقة ثانية تنفرد في نشرها “أساس” عن الشكوك التي راودت النظام السوريّ في وزير الداخليّة، ما تطلّب التخلّص منه ما إن تردّدت إشاعات عن ضلوعه في التآمر عليه.
بلغ إلى سمع غازي كنعان أنّه مرشّح للخروج من وزارة الداخليّة عند أوّل تعديل مرتقب لحكومة محمّد ناجي العطريّ، وأن يُلقى به في منزله بعدما أحاله الجيش إلى التقاعد فاقداً كلّ ما كان له. تلك بداية فصول كآبته، متأثّراً بقانون الجيش الذي كان قد أصدره الرئيس بشّار الأسد، قاضياً بإحالة الضابط على التقاعد ما إن يبلغ السنّ القانونيّة، ما لم يكن يحدث في أيّام الرئيس الأب. بينما استساغ حافظ الأسد إبقاء معاونيه من الضبّاط الكبار الموثوق بهم في الخدمة، وإن تجاوزوا سنّ التقاعد، فلزموا مناصبهم تلقائيّاً سنة بعد أخرى، قصَرَ الرئيس الابن الخدمة على 60 عاماً.
حين يساوي التّقاعد موتاً
عام 2003 كان غازي كنعان تجاوز السنّ هذه، فغادر الجيش وهو لمّا يزل رئيساً لشعبة الأمن السياسيّ، آخر مناصبه العسكريّة دونما أن يكون أمضى وقتاً طويلاً فيه. لم يعنِ توزيره سوى ترضية عابرة تختم حياة سياسيّة تخلّف بدورها انطواء سيرة عسكريّة وأمنيّة برّاقة. ما إن يخرج من النظام يمسي شخصيّة مهملة هامشيّة ليس إلّا.
لاحقاً، في ما بدا أن الحظّ يخذله هذه المرّة، وتتراكم الهموم التي لم يسبق في ذروة سطوته أن عبرت به، أسرَّ إلى ابنه نضال ما أخطره به الرئيس بقرب خروجه من وزارة الداخليّة، ما أفقده حماسة الانتظام في مكتبه. راح يتردّد على قريته “بحمرا” دوريّاً، يمكث هناك ثلاثة أيّام، من الخميس إلى السبت، كما لو أنّه يُحضّر نفسه للتقاعد. وصلت إليه من الأقاويل تلك أنّ مثوله أمام لجنة التحقيق الدوليّة أحرج الرئيس حيال مسؤول رفيع في منصبه، ما رشّح إخراجه من الوظيفة والدور في آن، في مدّة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.
لرجل مثله يساوي تقاعده موته لا أقلّ. ذاك ما سيُلمّح إليه عام 2004 وكان لا يزال وزيراً للداخليّة، بيد أنّه خارج الجيش. في منزل صديقه رجا صيداويّ في دمشق، طوال ثلاث ساعات، تحدّث بإحباط عمّا بات عليه، عن تجربته في لبنان، لا سيّما منها نهايتها المخيّبة غير المحسوبة، والإحساس بأخطاء ارتكبها. بلغة رفاق بعثيّين تكلّم معه عنها دونما أن يحدّدها مباشرة، كأن يأتي على ذكر المال والفساد، مُلقياً باللائمة على ما حَسِبه “تنازلات وتسويات أكثر من مرّة” أُرغم عليها، وكان يجهر في ما مضى بأنّه يكرهها. جاراها “فقبلتُ بما لم يكن من المفترض القبول به وكان في الإمكان أن لا يكون”. لم يكظم أنّه مطعون، بل مهزوم حقّاً.
أمام صديقه، بكثير من الكبرياء المزعزع والمهدوم، باح له بأنّه توقّع أن تصمد مناعته أكثر وأقوى، بيد أنّه فشل. لم يكن حزيناً بمقدار إحساسه بالانكسار والعزلة والشعور بالذنب وفقدان الأفق. أكثر ما بدا يعنيه، وهو بالكاد في مطلع عقده السادس، إيحاؤه بخسارتَيْه الفادحتَيْن: في النظام وحيال الذات.
وشاياتٌ تُعمّق الشّكوك
أحاديث شتّى وُصِفت بوشايات راحت تُنقل إلى الرئيس لتعزيز شكوكه فيه بعدما غادر لبنان. كان في شعبة الأمن السياسيّ عندما استقبل منتصف عام 2003 أحد الأوائل الذين تعرّف إليهم في حركة أمل في البقاع عام 1983، قائلاً له: “لن يبقى إلّا نبيه برّي ولا بديل منه رغم عتبي عليه. ابني يعرب أجرى جراحة في مستشفى أوتيل ديو في بيروت ولم يزُره، مع أنّ كثيرين عادوه. الحزب سيسلّم سلاحه إلى الأميركيّين بعد احتلالهم العراق، والنظام سيكون مجبراً على التعامل معهم”. وصلت العبارة إلى رئيس فرع الأمن الداخليّ بهجت سليمان فحملها إلى الرئيس السوريّ الذي عقّب: “غازي ونبيه برّي يتوقّعان أن أسلّم سلاحي إلى الأميركيّين؟ لنرَ؟”.
قصَّ غازي كنعان على أصدقاء لبنانيّين زاروه في مكتبه في وزارة الداخليّة أنّه اعتاد مرّة أو أكثر في الأسبوع تناول الغداء علناً مع (نائب الرئيس السوريّ) عبدالحليم خدّام الذي كان فقد نهائيّاً كلّ نفوذ له. بات نائب الرئيس على هامش النظام، لا يحظى برضى بشّار الأسد بعدما تفاقمت شكوكه فيه، وفي مآل علاقاته المشتبه بها بـ (رئيس حكومة لبنان) رفيق الحريري، في المرحلة السابقة لصدور القرار 1559 والتالية له، وتداعياته على سوريا. ممّا رواه أنّهما كانا يتغدّيان في مطعم شعبيّ يدعى الفاروق قريب من منزله في حيّ المالكيّ، عندما تلقّى مكالمة هاتفيّة فاجأه فيها الرئيس يسأله أين هو؟
أجاب: “في المطعم”. سأله: “مع مَن؟”. ردَّ: “مع أبي جمال”. قال الرئيس: “شكراً”.
وأقفل السمّاعة.
وفق ما ذكره عبدالحليم خدّام في وقت لاحق، بعد انتحار غازي كنعان، لأصدقاء لبنانيّين مشتركين بينهما في مقرّ إقامته في باريس: “لقاءاتنا أثّرت عليه من حيث لا أدري ولا يدري”.
في الأسبوعَيْن الأخيرَيْن السابقَيْن “لانتحاره”، مُعبِّراً عن إحباط غير مكتوم، قال أمام محدّثيه: “لم يعُد لي الآن في هذا البلد صاحب سوى أبي جمال. بيته بيتي، وبيتي بيته”.
صداقةٌ تحت أعين النّظام
ليست التجربة المشتركة في النظام ولا العلاقة الشخصيّة الطويلة بينهما عزّزتا وحدهما صداقتهما، بل كذلك عامل قربى نجم عن زواج ابن غازي كنعان من حفيدة عبدالحليم خدّام.
ناقضت الصورة هذه انطباعات غالباً ما لمسها النوّاب المتردّدون عليه، وهي اتّسام علاقته بعبدالحليم خدّام في عقد التسعينيّات، من غير أن يكون رئيسه الإداريّ ولا رئيسه المباشر ولا حفظ له كرئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابيّ تهيّباً، ببعض التردّد والحيطة والتحفّظ. رغماً عنه أحياناً يصحبه رفيق الحريري إلى تمضية أمسيات في بيت نائب الرئيس في بلودان برفقة إيلي الفرزلي وعبدالرحيم مراد وروبير غانم. كان على غازي كنعان في المرحلة تلك أن يكون منفّذاً فحسب لما يُقرَّر في دمشق.
ما كان يسمعه زوّاره اللبنانيّون منه أيضاً في وزارة الداخليّة، في معرض دفاعه عن نفسه، أنّه ربط مصيره، منذ أن بدأ صعوده، ببيت الأسد والرئيسَيْن الأب والابن، دونما أن يخفي شعوراً لديه راح يتأكّد يوماً بعد آخر أنّ أعداء له يحوكون ضدّه لدى الرئيس لإضعافه، وقد تمكّنوا منه.
بعدما غادر حكمت الشهابي دمشق إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة يستشفي هناك من مرض عضال، إلى جانب ابنه الطبيب، أضحى عبدالحليم خدّام صديقه الوحيد من ذاك الرعيل الذي رافق “ملفّ لبنان” قرابة ثلاثة عقود. وحده نائب الرئيس ظلّ في النظام وإن فاقداً كلّ مصادر قوّة منحه إيّاها الرئيس الأب إلى حدّ تعيينه نائباً لرئيس الجمهوريّة عام 1984، أشهراً قليلة بعد تعيين غازي كنعان في لبنان.
صار الصديقان القديمان يلتقيان مراراً من غير أن يتنبّها ربّما إلى أنّ أعين النظام تراقبهما وتدبّج تقارير عنهما، أو يلتقطا إشارات انزعاج الرئيس من تواصلهما الدائم. ليست الحرارة وحدها باتت تفتقر إليها علاقته بهما، بل أخذت الشكوك والريبة تشوبها وتعمّق التباين والشرخ.
حين سقط غطاء النّظام
مجمل الأقاويل التي بعثت على الاعتقاد بأنّها وراء مقتله، صبّت في خلاصة وحيدة: خسر غطاء النظام له. لمّح الرئيس السوريّ إلى الاستنتاج هذا من غير تحدّثه عن أسباب انتحار غازي كنعان.
سأله إيلي الفرزلي عندما استقبله بعد سنتين هل تآمر عليه؟ ردَّ بالنفي. ثمّ أضاف: “انتحر لأنّني قاطعته”.
ليس السبب الظاهريّ هذا، على أهمّيّته في نظام هرميّ الإمرة لا يتّسع ولا يحتمل ارتكاب الأخطاء الجسيمة، كافياً لإنهاء حياة غازي كنعان فجأة انتحاراً أو قتلاً. على أثر إصدار مجلس الأمن بغالبيّة تسعة أعضاء القرار 1559 في 2 أيلول 2004 بدعم أميركيّ ـ فرنسيّ، ودعوته القوّات النظاميّة السوريّة إلى مغادرة لبنان فوراً، راجت أخبار عن هدف ضمنيّ توخّاه القرار، هو التخلّص من نظام بشّار الأسد بإسقاطه. حفظ له الرئيس الأميركيّ جورج بوش الابن معارضته احتلاله العراق عام 2003 ومساعدته المقاومة العراقيّة البعثيّة والسنّيّة عبر الحدود المشتركة بين البلدين على شنّ هجمات على الجنود الأميركيّين. كذلك أخذ عليه الرئيس الفرنسيّ جاك شيراك عدم إيفائه بوعوده له بالإصلاح في سوريا وتعزيز الاستثمارات الفرنسيّة فيها، وخصوصاً في النفط.
عندما اجتمع رجا صيداوي بالرئيس السوريّ في وقت لاحق على استقباله كولن باول في 3 أيّار 2003، ثمّ إصغاء رجل الأعمال إلى ما سمعه بنفسه من صديقه الوزير الأميركيّ عن نتائج محادثاته في دمشق، لم يتردّد في القول لبشّار الأسد إنّ عليه “بعد اليوم ارتداء البزّة المرقّطة”.
كثُر الكلام عن اجتماعات راحت تعقد في باريس ولندن لمعارضين سوريّين يعملون على قلب النظام. عزّز وجهة النظر هذه مغادرة عبدالحليم خداّم دمشق إلى فرنسا بعد خروجه من القيادة القطريّة لحزب البعث في مؤتمرها العاشر في 10 حزيران 2005، وكانت انقضت أربعة أشهر على اغتيال رفيق الحريري.
من بين ما وصل إلى شعبة المخابرات العسكريّة السوريّة عن الاجتماعات تلك، البحث عن شخصيّة تخلف الرئيس الحاليّ بعد إطاحته، قادرة في الوقت نفسه على استقطاب الجيش والطائفة العلويّة، وهما قبضتا السلطة والأكثر تمدّداً ونفوذاً في شرايين البلاد. ما عنى الحاجة إلى شخصيّة علويّة في وسعها الاضطلاع بهذا الدور، في معرض توجيه شبهة التآمر إلى غازي كنعان على أنّه البديل في لحظة نضوج الظروف. نُظِر إليه على أنّه النموذج الأمثل للاستقطاب والجذب، ذو القدرات الصلبة والتجربة المخضرمة المهابة من جرّاء علاقته الوفيّة بآل الأسد، الأب والابن، وإخلاصه للنظام وانتمائه إلى طائفته، الأقلّيّة المذهبيّة في البلاد لكنّها الحاكمة. في حسبان أصدقائه كما خصومه، كان الرجل ابن النظام واضعاً حياته العسكريّة كلّها في خدمته وفي خدمة البيت الحاكم.
من غير المؤكّد والحاسم أن يكون جزءاً لا يتجزّأ من المحاولة تلك، نظراً إلى التصاقه بنظام عمل فيه قرابة أربعة عقود وائتمر به، ولم يكن ثمّة ما يحتمل إقدامه على الطعن به. على أنّ هذا التقدير لم يعْدُ سوى فرضيّة غير محقّقة، استعان بها القائلون لتبرير اعتقادهم بقتله عمداً.