ملخص
بدأ دفوراك العمل على أوبرا “روسالكا” في الـ21 من أبريل (نيسان) 1900، وأنهاه في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، أي في نحو سبعة أشهر فقط. وقد عُرضت للمرة الأولى في المسرح الوطني في براغ في الـ31 من مارس (آذار) 1901. ولكن لماذا تبدو “روسالكا” مختلفة موسيقياً؟ هنا تكمن إحدى نقاط قوتها، كما يرى المعلقون عليها.
عند بدايات العقد الأخير من القرن الـ19، عاد الموسيقي التشيكي أنطونين دفوراك من جولته في الولايات المتحدة وفي جعبته نجاحات كبيرة وسمعة عالمية قلما حظي بمثلها وبسرعتها مبدع موسيقي أوروبي من أبناء جيله. وهو رجع خاصة بأعمال موسيقية تجديدية عدة، لا شك أن سيمفونيته المرقمة خامسة “العالم الجديد” ستكون من أبرزها وأشهرها.
ولعل أهم ما ميّز هذه السيمفونية، إقدام ملحنها على استخدام موسيقى الجاز وموسيقى “الهنود الحمر” فيها بصورة أثارت ضده كثراً، لكنه في الوقت نفسه حقق إعجاباً كبيراً. وبفضل تلك الاستخدامات المفاجئة إذاً، بات يُنظر إلى دفوراك بكونه مجدِداً كبيراً في فن السيمفونيات الذي خاضه متوقفاً، كعادة سابقيه عند الرقم 9. لكن الأهم من ذلك هو أن هذا الفنان الغزير الإنتاج والتنوع في مصادر الإلهام، ما إن عاد إلى بلاده مكللاً بذلك النجاح الحداثوي، حتى وجد نفسه راغباً في العودة إلى نوع من أصالة سلافية كانت ميزت مرحلته السابقة على جولته الأميركية، لكنها كانت قد تجلت خاصةً في أعمال أوركسترالية، منها طبعاً الرقصات السلافية التي نتجت من تأثيرات متبادلة بينه وبين صديقه يوهان برامز. لكنه هذه المرة آثر أن تتجلى “سلافيته” -ولنقل خوضه الأصالة الإبداعية كرد ذاتي على المعاصرة التي اكتسبها في أميركا- من خلال عمل أوبرالي جديد حمل عنوان “روسالكا” (عروس البحر). ولم يكن صدفة أن يختار نصاً شعرياً للروسي بوشكين، (سيرى بعض المدققين على أي حال أنه لم ينهله في الحقيقة من بوشكين وإنما من نص كتبه صديق له تشيكي في اقتباس من حكاية لهانس كريستيان أندرسون. لكن السجال لم يتمحور حول هذه المسألة على أي حال).
سجال موسيقي
بالنسبة إلى أوبرا “روسالكا” التي كان عرضها الأول في براغ في عام 1901 بعد ستة أعوام من عودة دفوراك من الولايات المتحدة، تحلّق السجال من حول “تراجعه” فيها عن الحداثة الموسيقية التي كان قد تبناها، مقترباً من تلك الأصالة التي كان ينادي بها في تلك الأزمنة أولئك الموسيقيون السلاف الروس المنضوون تحت مسمى “جماعة الخمسة” والمتحلقون من حول غلينكا ورمسكي- كورساكوف وبورودين، متضادين مع تشايكوفسكي و”تغريبيته”.
ويقيناً أن دفوراك لم يكن يقصد ذلك حتى وإن بدت موسيقى أوبراه الجديدة استجابةً لثورة تلك الجماعة، فالمهم بالنسبة إليه أنه رأى في الحكاية، التي سواء اقتبسها كاتب النص “كفابيل” من أندرسون أو من بوشكين، حكايةً أخّاذة تتيح له أن يستعيد ارتباطه بما كان قد أبدعه قبل سفره.
وتدور الحكاية التي من المعروف أن بوشكين تركها غير مكتملة، لكن أوبرا دفوراك استكملتها أسوةً بحالها لدى أندرسون، من حول الحسناء الصبية التي أغواها أحد الأمراء ثم تخلى عنها، فما كان منها إلا أن ألقت بنفسها في مياه نهر الدنيبر حيث تحولت إلى عروس بحر. وهذه أرسلت ذات يوم إلى الأمير المتخلي عنها تلك الطفلة التي أنجبتها جراء إغوائه لها. والأمير الذي كان قد تزوج لتوه، ما إن رأى الطفلة حتى أحس بقوة تجتذبه إلى النهر.
صحيح أن قصيدة بوشكين تتوقف ها هنا، لكن الأوبرا تكمل طريقها لرواية كيف أن عروس البحر بقيت على انتظار حبها الوحيد حتى وصل إليها في نهاية الأمر، في تصرف عاطفي مميت بدوره.
بين عالمين
والحقيقة أن ما يدور من أحداث في هذه الأوبرا كما صاغها دفوراك في النهاية، ليس هو ما يدفعنا إلى أن ننظر إلى “روسالكا” باعتبارها مجرد أوبرا خرافية، بل باعتبارها مأساة عن الرغبة في عبور الحدود بين عالمين. إن روسالكا، في نظر نقاد الأوبرا ومؤرخيها “كائن مائي تريد أن تصبح إنساناً لكي تستعيد حب أمير بشري. لكنها لكي تحقق ذلك تضطر إلى التخلي عن طبيعتها وعن صوتها، أي عن إحدى أهم وسائل وجودها وتعبيرها. وحين تدخل العالم البشري تكتشف أن الانتقال من عالم إلى آخر ليس تحرراً بالضرورة، بل قد يكون فقداناً للهوية”. وهنا تحديداً تصبح المقارنة مع أندرسن مهمة: فـ”كفابيل”، كاتب النص الشعري الأوبرالي، يحتفظ بالبنية الأساسية لحكاية “الحورية الصغيرة”، لكنه يمنحها طابعاً تشيكياً وسلافياً واضحاً، مستفيداً أيضاً من تقاليد الحكاية الشعبية ومن عالم الشاعر التشيكي كاريل يارومير إربن. وقد حرص كفابيل نفسه على تقديم حكايته بوصفها، على رغم مصادرها المتعددة، ذات جذور في التراث الشعبي التشيكي.
ظروف استثنائية
والحال أن الظروف التي أحاطت بتلحين “روسالكا” تكاد تكون جزءاً من أسطورتها. فكما ذكرنا، كان دفوراك قد عاد من الولايات المتحدة في عام 1895، واتجه في أعوامه الأخيرة بصورة متزايدة نحو الموسيقى الدرامية والحكايات والأساطير. وهو بعد نجاح أوبراه “الشيطان وكيت” التي عُرضت في براغ في عام 1899، كان يبحث عن نص جديد. أما كفابيل فكان قد كتب نص “روسالكا” قبل أن يعرف دفوراك. والمفارقة الجميلة أن النص لم يكن مكتوباً أصلاً من أجل دفوراك. ولكن “ما إن وصل النص إلى هذا الأخير حتى حدث التوافق النادر بين نص كان ينتظر موسيقاه ومؤلف كان ينتظر نصه”.
بدأ دفوراك العمل في الـ21 من أبريل (نيسان) 1900، وأنهاه في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، أي في نحو سبعة أشهر فقط. وقد عُرضت الأوبرا للمرة الأولى في المسرح الوطني في براغ في الـ31 من مارس (آذار) 1901. ولكن لماذا تبدو “روسالكا” مختلفة موسيقياً؟ هنا تكمن إحدى نقاط قوتها، كما يرى المعلقون عليها. فدفوراك، الذي كان قد حقق هويته القومية التشيكية في أعماله السابقة، لا يحاول في “روسالكا” أن يصنع أوبرا قومية بالمعنى الضيق، بل يأخذ حكاية شعبية محلية ويحولها إلى مأساة إنسانية عالمية.
عوالم متجاورة
تتجاور في موسيقى “روسالكا”، بحسب التناول النقدي التاريخي لهذا العمل الساحر، ثلاثة عوالم: عالم الطبيعة من خلال الحضور القوي للغابة والماء، عالم البشر، والعالم السحري. ولذلك تبدو الأوركسترا أحياناً وكأنها شخصية إضافية في الدراما، ترسم الماء والليل والغابة والحلم والرغبة. وفي الوقت نفسه يمكن سماع أثر فاغنر، خصوصاً في استخدام الدوافع الموسيقية المرتبطة من كثب بالشخصيات والحالات النفسية، لكن دفوراك لا يتخلى عن غنائيته الخاصة ولا عن اللون التشيكي. ولعل هذا هو سر شهرة الأوبرا: الحكاية تبدو خرافية، لكن التجربة التي تعبر عنها ليست خرافية إطلاقاً. “روسالكا” تريد أن تكون مثل الآخر، فتفقد ما كانت عليه، تحب إنساناً لا يستطيع أن يفهم طبيعتها، وعندما تفشل محاولة الاندماج بين العالمين، لا يعود ممكناً الرجوع ببساطة إلى نقطة البداية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة “روسالكا” كعمل عن ثمن الرغبة في تغيير الهوية من أجل الحب، وعن استحالة الجمع بين عالمين حين يكون أحدهما بشرياً والآخر أسطورياً. ولهذا فإن النهاية، حين يعود الأمير إلى روسالكا ويلتقيها في قبلة أخيرة تؤدي إلى موته، لا تبدو مجرد نهاية مأسوية لقصة حب، بل كأنها اعتراف متأخر بأن الاثنين لا يستطيعان العيش في العالم نفسه إلا للحظة واحدة عابرة.
