ثوانٍ قليلة أبعدت الشرارة عن برميل البارود.
في خضمّ الحرب على إيران، وبحسب شبكة “سي إن إن”، اشتبهت سفينة حربية أميركية بسفينة صينية تحمل مكوّنات أسلحة نووية إلى إيران، فتقدّمت لاعتراضها. وبينما استعدّ الجيش الأميركي لاقتحامها، صدر الأمر بإجهاض العملية. شاءت الصدف أن يكون المسؤولون في حالة مراجعة للتقرير العسكري وأن يخلصوا إلى أنه صيغ بمساعدة من الذكاء الاصطناعي. للمرة الأولى، يبدو العالم أمام أداة قد تتسبب بكارثة. أكانت واعية أم لا هو خروج عن الموضوع.
بالتوازي، نجم استهداف أميركا مدرسة إيناب الإيرانية، والذي تسبب بمقتل العدد الأكبر من المدنيين في غارة أميركية خلال القرن الحادي والعشرين، إلى الاعتماد المفرط على أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. استندت تلك الأنظمة بدورها إلى استخبارات بشرية معيوبة.
الذكاء الاصطناعي والبطل المقبل
مشكلة الذكاء الاصطناعي أنه قد يسحب معظم البشر إلى عالمه بطريقة تدريجية. طالما أن الإنسان قادر على تجيير المهام الصعبة إلى الآلة فسيفعل ذلك. والأسوأ أنه سيقبل بنتائجها. إنه ميل سلوك “المسار الأقل مقاومة” (The path of the least resistance) والذي يدفع الإنسان إلى ادّخار جهده للمشاكل الأكثر صعوبة. البطل المقبل هو من يحصّن نفسه أمام هذا الميل، أو على الأقل، هو من يعرف كيف يضبطه.
هنا، على قطاعات عدة، وفي مقدمتها المؤسسات العسكرية، التمتع بصفة البطولة. فالإخفاق في هذا المجال يؤدي إلى نتائج وخيمة، وبالحد الأدنى، إلى فرص ضائعة. نقطة بارزة ثانية: المهام الموكلة إلى الآلة ينبغي ألا تصل إلى التحليل واستخلاص النتائج. كما يقول الكاتب الأميركي في مجال الأعمال والعلوم دانيال بينك، يجب على الإنسان التركيز على تطوير مهارته العليا في مواجهة الذكاء الاصطناعي: التفوّق في إصدار الأحكام.
لو طبّقنا هذه النصيحة على السفينة الصينية، لكانت النتيجة المنطقية الأولى هي التقليل من فرضية نقل الصين مكونات نووية إلى إيران. من دون معلومات مادّيّة موثوقة، وفي ظل مواجهتها الولايات المتحدة، من المعقول جداً استنتاج أن تكون إيران بحاجة إلى أسلحة دفاعية لا إلى مكونات نووية لبرنامج ليست مؤكدة أساساً نجاته من الضربات. هذا إذا كانت الصين تريد مساعدة إيران في المقام الأول. على افتراض أن الذكاء الاصطناعي سيُطوَّر إلى درجة يتفادى فيها هذه الأخطاء، ثمة أسباب تدفع إلى التمهل في توقع خفضه لحالات الغموض في الحرب.
الذكاء الاصطناعي والحروب… مخاطر في الحالتين
إن الذكاء الاصطناعي، كأي تكنولوجيا حربية مساعدة، لا ينبغي أن يُستخدَم ضمن استراتيجية أوسع وحسب، بل أيضاً أن ينحصر استخدامه ضمن التصوّر الذي أطلقه. لإعطاء مثل سريع، يذهب التفكير إلى واحد من الصواريخ الأميركية الأكثر شهرة: “ثاد”. إعلامياً، تقاس فاعلية هذا الصاروخ بمدى قدرته على اعتراض الصواريخ الباليستية. نظرياً، لا جديدَ تحت الشمس؛ لكن مهلاً. حين تمّ تطويره، لم يُخصّص لهذا الغرض.
كان هدفه فقط حماية القطع العسكرية الأميركية من هجوم أولي، ريثما تنطلق المقاتلات الحربية لتدمير منصّات الإطلاق لدى العدو. بمعنى آخر، لم يكن يُفترض أن يشكّل مظلّة أمنية واسعة، ضد موجات لا تنتهي من الصواريخ المعادية. يفسّر ذلك جزئياً سبب انخفاض المخزونات الأميركية منه في الحرب الأخيرة. ببساطة، لم تكن هذه الصواريخ ملائمة لهذا النوع من الحروب، لأنّ هذا النوع كان قد أصبح من الماضي في التسعينات.
في الوقت نفسه، ومع كل منعطف تكنولوجي، كانت الدول المتأخرة في دمج التقنيات الحديثة تخسر سباق التسلّح، وأحياناً سباق الهيمنة. بعد الصدام البحري سنة 1588 الذي كسبته بريطانيا بسبب استخدامها المدافع، باتت خسارة إسبانيا عرشها كإمبراطورية بحرية مسألة وقت. ثمة خشية الآن من أن التباطؤ في استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن الحروب سيُلحق خسارة مشابهة بصاحبه.
مع افتراض أن البشرية لن توقف تطوير الذكاء الاصطناعي، وبالتالي مع افتراض أنه سيصبح جزءاً لا يتجزأ من أدوات في الحروب المستقبلية، لن يكون هناك مهرب من الإجابة على الأسئلة التالية: لماذا ومتى وكيف نلجأ إليه. فالاستخدام الاعتباطي لهذه الأداة قد يرتدّ على صاحبه، ربما تماماً كما عدم استخدامها. لا عجب في أن شركات الذكاء الاصطناعي باتت توظّف فلاسفة ضمن صفوفها.