
يراوح النقاش السائد حول مصير لبنان في محيط مأزق منطقي يتكرر عقداً بعد عقد. يكتب المحللون والسياسيون منطلقين من مسلمة تبدو بديهية: أن المطلوب هو “استعادة الدولة”، وأن هذه الدولة هي الكيان الجامع، والملاذ الأخير، وجدار الحماية الذي يحمي الأطراف من تغول بعضها على بعض.
غير أن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة عنيدة: الدولة في لبنان لم تتشكل يوماً بوصفها كياناً ناجزاً فوق الطوائف، بل ظلت، في معظم مراحلها، حصيلة تسويات دورية بين قوى لا تنحصر هوياتها، أو شرايين بقائها داخل حدود الخريطة. ولم يتجاوز دور المؤسسات، في كثير من الأحيان، تسجيل موازين القوى اللحظية بين الجماعات وإضفاء الصفة القانونية عليها. كلما استقوى فريق برافعة خارجية، شرقية أو غربية، عربية أو إيرانية، أعاد صياغة القانون والمؤسسات بحيث تعكس، بدرجات مختلفة، ميزان القوة الذي يستند إليه.
اليوم، في ظل المسارات المفجعة للحرب الراهنة، لا تبدو بعض التسويات المطروحة سوى إعادة إنتاج لهذا الوهم: دعوة إلى بناء دولة “قادرة” في الظاهر، بينما هي، في الجوهر، إدارة أنقاض ما أفرزته آلة الدمار.
وما تتغاضى عنه هذه المسالك السياسية عمداً، ربما، أن الدولة لا تصبح أكثر اكتمالاً كلما صار أحد مكوناتها أضعف. فالدولة التي تحتاج إلى ضلع ناقص كي تستقيم ليست دولة مكتملة، بل ترتيب مؤقت للغلبة.
إعادة التخندق
أفضت نتائج المواجهات العسكرية الأخيرة إلى حركة مزدوجة شديدة الخطورة في المزاج العام. فمن جهة، أعادت الصدمة قسماً وازناً من المشهد الشيعي إلى الحسابات الوطنية، بعد عقود من الارتهان لأوهام المحاور العابرة للحدود. ومن جهة أخرى، دفعت أطرافاً كانت ترفع لواء “الدولة” وتعترض على الاستقواء بالسلاح الخارجي إلى البحث عن روافع جديدة للاستقواء. وقد يكون أخطر ما في هذا التحول أنه يقود أصحابه إلى ظن قاتل: أن الطرف المكسور لم يعد وجوده ضرورياً، وأن عودته إلى خطاب التلاقي اليوم ليست سوى نتيجة لهزيمته، ولذا، فإن المطلوب هو استكمال سحقه حتى النهاية.
على هذه الأسس السالفة الذكر يتمظهر وهم “الضلع الناقص”. فيتوهم المنتصرون، أو من يظنون أنفسهم كذلك، أن الساحة قد خلت لهم لبناء “دولة على مقاسهم”، دولة يمكن أن يستقيم فيها الاجتماع الوطني بعدما أُضعف أحد مكوناته إلى الحد الذي يعجز فيه عن الاعتراض أو العرقلة.
لكن هذا ليس سبيلاً لبناء دولة، ولو ثانوية، ولا طريقاً لصنع سلم، ولو مؤقتاً. إنه وصفة لإعادة إنتاج الحرب في صورة أخرى: حرب أهلية باردة تنتظر أقرب اختلال إقليمي كي تنفجر من جديد. فالمكون الذي يُراد له أن يكون غائباً، لا يصبح غائباً لمجرد أن قوته العسكرية انكسرت. قد يخسر قدرته على الفعل، لكنه لا يخسر وجوده، ولا ذاكرته، ولا خوفه، ولا شعوره بالظلم. وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها النصر العسكري خطراً على صاحبه: حين يتحول من إنهاء قدرة الخصم على القتال إلى الاعتقاد بأن الخصم نفسه لم يعد ضرورياً.
خطيئة الجزاء المستحق
لا مجال هنا للمساواة بين المسؤوليات، ولا لغفران الخطايا القاتلة. على قيادة “حزب الله” أن تواجه مسؤوليتها السياسية والتاريخية، عن خيارات أفضت إلى رهن مصير مجتمع كامل لحسابات إقليمية، وأن تخُضع هذه الخيارات لمراجعة لا تنقصها الصراحة. كما لا يحق لهذه البيئة، ولا لأي بيئة أخرى، أن تجعل الاعتراف بأخطائها مشروطاً باعتراف الآخرين بأخطائهم.
النقد الذاتي الشجاع هو اللبنة الأولى لأي إعادة تأهيل للخطاب والسلوك، ولأي محاولة للعيش في اجتماع مركب ومتناقض كالاجتماع اللبناني. ومن حق رجال القانون والسياسة أن يطالبوا بمحاسبة من دفع البلد والطائفة إلى خيارات ثبتت كلفتها الكارثية.
لكن الفارق هائل بين محاسبة خيار سياسي انتحاري، وبين شيوع مزاج عام يفترض أن الدمار الذي أصاب جماعة بأكملها كان “جزاءً مستحقاً”، أو أن قتل أبنائها ومحو قراها وأحيائها يمكن أن يتحول إلى رصيد سياسي يُصرف على طاولة العهد الجديد.
هناك خطاب مكتوم، ويطفو أحياناً بوقاحة نافرة، يرى في أعداد القتلى والجرحى، وفي محو قرى الجنوب وأحياء الضاحية والبقاع، ثمناً كان لا بد من دفعه كي يستقيم ميزان البلد. وهذا المنطق لا يقول، في فحواه، سوى أن لبنان لا يستقيم إلا إذا أصبح أحد مكوناته عاجزاً إلى الحد الذي يمنعه من الصراخ أو الاعتراض أو العرقلة. وهذا قد يسهم في تحويل الدمار الناتج عن الحرب إلى أداة في الصراع السياسي.
ذلك أن تحويل الدمار العضوي الذي أصاب جماعة وطنية إلى فرصة لتركيعها لا ينسف إمكانية قيام الدولة فحسب. بل يترك في جسد البلد جرحاًَ سياسياً قابلاً لأن يصبح وقوداً لجولة دم أخرى.
شبح 1982: عندما يكمل الأقربون فعل الأبعدين
ليس هذا المسار جديداً في لبنان. الذاكرة اللبنانية تحمل مثالاً شديد القسوة على الخطر الذي ينشأ حين يتحول انكسار جماعة إلى فرصة لتصفية حسابات الداخل.
في أعقاب اجتياح عام 1982، وبعد إخراج منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من لبنان، بدا لبعض القوى اللبنانية أن انكسار الكتلة الفلسطينية يفتح مجالاً لتسوية حسابات داخلية مؤجلة. جاءت مجزرة صبرا وشاتيلا لتكشف إلى أي حد يمكن للهزيمة التي يُلحقها الخارج بجماعة أن تتحول، على يد الأقربين، إلى فرصة لإعادة ترتيب الداخل بالقوة.
ثم جاءت حرب المخيمات لتؤكد، بصورة أخرى، أن السعي لتسوية الحسابات الداخلية ليس رهناً وحكراً على جماعة بعينها، ولا على طرف خارجي واحد، بل أن كل من يحسب أنه امتلك الفرصة ليحسن شروط هيمنته لن يتورع عن ارتكاب المجازر بمن تعرض لمجازر الخصوم والأعداء من قبل.
لم يكن الفلسطينيون في هذه الوقائع كتلة سياسية واحدة، ولم تكن القوى التي قاتلتهم أو قاتلت المخيمات قوة واحدة أو ذات هدف واحد. لكن القاسم المشترك بين هذه المراحل كان أخطر من وحدة الأطراف: كل قوة كانت تميل إلى النظر إلى ضعف جماعة أخرى بوصفه فرصة لتحسين موقعها في الداخل. وكانت النتيجة أن الهزيمة التي كان يفترض أن تنهي حرباً فتحت أبواباً لحروب أخرى.
والأرجح أن هذا هو الخطر الذي ينبغي الانتباه إليه اليوم في التعامل مع المفصل الشيعي. فإقناع جماعة واسعة من المنكوبين، الذين هُدمت بيوتهم وقُتل أبناؤهم، بأن ما أصابهم كان شرطاً لعودتهم مكسورين إلى حظيرة الشراكة، ليس سياسة لبناء دولة. إنه تحويل الهزيمة إلى هوية. والجماعة التي تُحاصر في حزنها، وتُعامل بوصفها فئة فائضة ينبغي شل إرادتها كي يعيش الآخرون، لا تتوقف عن الوجود لأنها هُزمت. قد تصمت، وقد تنكفئ، وقد تعيد النظر في خياراتها، لكنها ستحمل معها ما حدث. ومن لا يجد مكاناً لمأساته داخل السياسة، قد يبحث عن مكان لها في التاريخ. وهنا يبدأ الخطر.
السير على حافة الهاوية
النجاة في هذا التوقيت الحرج تقف على حد سيف أخلاقي وسياسي صارم. فمن جهة الطائفة الشيعية وقياداتها، الأرجح أن المطلوب، ليس أقل، من التخلي النهائي عن أوهام “الانتصارات الإلهية” وفائض القوة العبثي، وخوض مراجعة تاريخية شجاعة تعترف بأن رهن الجسد اللبناني لأجندات الخارج كان جريمة بحق الذات قبل أن يكون خطيئة بحق الشركاء. أما من جهة المكونات اللبنانية الأخرى، فالمطلوب هو لجم شهوة التشفي، وإدراك أن الجرح العضوي الذي نزف في الضاحية والجنوب ليس غنيمة سياسية، بل شرخ في جسد البلد بأسره. والقناعة الحاسمة بالمعادلة التالية: ليس مطلوباً من اللبنانيين أن يتساووا في المسؤولية عن الحرب كي يتساووا في الحق بالحياة السياسية. وليس مطلوباً أن يُغفر لمن أخطأ كي يُمنع الآخرون من تحويل خطأه إلى ذريعة لإلغاء وجوده. فالدولة لا تُبنى حين يصبح أحد مكوناتها أقل قدرة على الكلام، ولا تستقر حين يتحول المهزوم إلى شاهد صامت على انتصار الآخرين.
إذا كان ثمة فرصة حقيقية للخروج من هذه الحرب، فهي لا تبدأ من سؤال: من ربح ومن خسر؟
تبدأ من سؤال أصعب: كيف نمنع الهزيمة من أن تتحول إلى قاعدة للحكم؟
فإذا أصر الرابحون المفترضون على عزل الشيعة في زاوية “المعوّق المهزوم”، وإذا استمرت المكابرة في قراءة أسباب الكارثة، فلن يكون مصير لبنان سوى إضاعة هذه اللحظة النادرة.
فالهدوء الحالي قد لا يكون أكثر من فاصلة بين مجزرة أنجزها العدو الخارجي، ومجازر أخرى يفتح لها التشفي الطريق من الداخل.
وفي هذه الحالة لن يكون “الضلع الناقص” ضلع المهزوم وحده.
سيكون النقص في الدولة نفسها.