في سعيه للإحاطة بشيء من ملامح ماضٍ بأحداث متقلبة شديدة الاتساع والفوضى، يُقدّم الروائي الأنغولي جوزيه أغوالوسا مقترحاً أدبياً في رواية نظرية عامة للنسيان، ينطلق فيه من مساحةٍ ذات أبعاد مغايرة: شقة مغلقة لامرأة برتغالية تبني جداراً من الطوب أمام بابها، وتعزل نفسها عن محيطها المضطرب في لواندا قبيل الاستقلال عن البرتغال، لمدة ستمتد إلى ثلاثين عاماً.

يتتبَّع الراوي قصة لودوفيكا أو «لودي» في عشرة دفاتر مذكرات وفي كتاباتٍ ورسوم تركتها على الجدران طيلة تلك العقود، ليرسم صورة جدار شيّدته امرأة يملؤها الرعب وقلة الحيلة أمام الحدث الذي لم تفهمه، فوضى الاستقلال واحتمالاتها، جدار عَزَلها عن عالمٍ خارجي لم تصلها منه إلا رسائل عنف، ومكالمات متقطّعة تردُ إلى المنزل من مجهولٍ يستنطقها عن مكان أحجار ماسية يُفترَض أن صهرها المختفي قد خبَّأها، ومرتزقة يظهرون أمام باب الشقة فتضطر لاستخدام سلاح ناري ينتهي بقتل أحدهم ودفنه في الشقة، التي ستُمضي فيها قرابة ثلاثة عقود قبل أن تُنقَل إلى المصح الذي ستموت فيه.

لكنّ الجدار يلعب دورَ حارسٍ من الذاكرة أيضاً؛ ذاكرةٌ قريبةٌ مُشوَّشةٌ يحكمها الخوف وذاكرةُ صدمةٍ بعيدة مرتبطة بحادثة اعتداء تعرّضت لها في البرتغال، لتعيش في تلك المساحة المحدودة التي تقع في بُعدٍ زمني خاص بها، تَنفُذ إليها بين الحينِ والآخر لمحاتٌ من العالم الذي تركته خارج الجدار، عبر جُملٍ متناثرة تلتقطها من الراديو، وحَمَامٍ يحمل رسائل ملهوفة بين غرباء، وقردٍ يتردد فترة إلى الشرفة تُطلِق عليه اسم «تشي غيفارا»، في زمن يُفترَض أنّه موازٍ لزيادة حضور القوات الكوبية في البلاد إلى جانب قوات أوغستينيو نيتو (MPLA). لكلٍّ من هذه الرسائل القادمة من خارج سجنها الاختياري مصيرٌ مختلف، فبينما ترأف بحال حمامة بدا أنها تنقلُ رسالة بين حبيبين، ينتهي «تشي» مطعوناً في رقبته على يد لودي، إذ يحتاج المرء مقداراً كافياً من الوحشية ليتمكن من النجاة منفرداً.

النسيان، الذي هو الثيمة الرئيسية للرواية، يبدو هنا أقرب إلى تناسٍ ذاهلٍ وتطهيريٍ لماضٍ عنيف لا يزال حائماً حول الشقة، بأشباحه وأبنائه: المرتزق وتاجر الماس والمُحقِّق والموسيقي واللص. لا يرقد التاريخ من دون حراك، وإن سُدَّت منافذه بجدار من الطوب، وفي لحظة يتكسر فيها الجدار، ستجد لودي نفسها وجهاً لوجه أمام صور الماضي هذه كلها، وقد أعادت الأحداثُ تجميعها لتتواجد أمام بابها في التوقيت نفسه.

بين سياستين مُتاحتين للتعامل مع ماضٍ دموي للبلاد، التذكُّرِ والنسيان، تنتصر الرواية لخيار نبش الماضي والتحديق فيه على طريق التعافي، الخيار الذي يتبنّاه كاتبها. ربما تصدُّ جدران النسيان المُشيَّدة أهوال الذاكرة، لكنّها تُبقي على سُجنائها بجسدٍ عليل يحمل نفسه بالكاد ليتنقَّلَ بين جدرانٍ مغطاة بكتابات الهذيان ورماد الكتب المحترقة.

هذه بالطبع هي المحاججة والممارسة الأكثر شيوعاً في فترات ما بعد الحرب، أمهاتٌ يحملنَ صور أولادهنَّ المفقودين في الساحات، ونُصُبٌ تذكارية للمأساة، تماثيل القتلة وتجار العبيد، وعبارات السخرية المخطوطة بالسيريلية التي تركها الجنود الروس على مبنى الرايخستاغ الألماني، فـ من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بإعادته. 1

بالمقابل، يستدعي التذكر مراجعات نقدية، بوصفه مفهوماً مجرّداً إيجابياً واعداً بالخلاص لجماعات تخوضُ المسارات الشائكة لوقائع ما بعد الحرب. عكفت الباحثة الأنثروبولوجية روزاليند شو (Rosalind Shaw) على دراسة آليات ومُخرَجات عمل لجان المصالحة وتقصي الحقائق، ومساءلة المَيل العام للاحتفاء بها كنموذج «ناجح» ووصفة ناجعة جاهزة لاستهلاك مجتمعات ما بعد الحروب الأهلية. يُوضِّح تقريرها الخاص بسيراليون ضمن هذا السياق، وجود جانب خفيٍّ يحمل الآثار الثقيلة التي تُخلّفها برامج هذه اللجان، التي تُركِّز على شكل عدالة ترميمية أو تصالحية وتحفَل برامجها بطقوس استذكارٍ ومُصارحة واعتراف علنية. أمضت شو سنواتٍ في إجراء لقاءات مباشرة مع من تعاونوا مع اللجان، بصيغةٍ لا يَتحوّل فيها صاحب الشهادة إلى نموذج يملأُ خاناتٍ في استبيان، وتغيّرت نظرة كثيرين ممَّن أدلوا بشهاداتهم في هذه اللقاءات لدورهم ولعمل لجان المصالحة بعد مضي فترة تمكنوا فيها من تقييم تجربتهم. نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مركز التراوما لضحايا العنف والتعذيب في كيب تاون تقديراً بأنّ 50 – 60 بالمئة ممّن أدلوا بشهاداتهم لصالح هذه اللجان اختبروا شكلاً من أشكال الانتكاس النفسي أو أعربوا عن ندمهم على المشاركة. « لجان المصالحة وتقصي الحقائق ليست علاجاً» بحسب التقرير.

تَظهَرُ الذاكرة في هذه البرامج كممارسةٍ قسريةٍ يقع عبؤها على الضحايا، وتُطرَح مقولاتٌ من شاكلة: البوح تعافٍ (revealing is healing) بصيغةٍ إطلاقية، غير مقتصرةٍ على جلسات اللجان المذكورة، المزينة ببوسترات ملونة تُظهِر رسوماً لأيادٍ متشابكة مع عباراتٍ من نوع الحقيقة تجرح ولكنّ الحرب تجرح أكثر، بل تحضُر على نطاقٍ عالمي في وسائط تعبير ونقاش مرتبطة بسياقات الحروب وآثارها. ولطالما لقيَ حاملو وحاملات هذه الآثار العنيفة تشجيعاً على الخروج «لروي قصتهم»، في تسجيلاتٍ وثائقية وأعمال فنية، على نحوٍ اعتباطي في كثيرٍ من الأحيان، دونَ متابعةٍ أو إحاطة وافية لأولئك الراويات والرواة عن النتائج المحتملة لهذه الدرجة من الانكشاف التي تجعل ذاكرتهم مادةَ عرضٍ في مساحاتٍ عامة، في فعلٍ يصعب الارتداد عنه بعد ذلك واستعادة ما تمت مشاركته.

يؤثر في هذه المعادلة أيضاً موقع الطرف الذي ينسى والطرف الذي يتذكر، وكيف تُساهم مواقع الأطراف من الأحداث في تشكيل هذه الذواكر. تُقّدم رواية يالو للروائي اللبناني إلياس خوري نموذجاً لذاكرةٍ تُعيد ترتيب الوقائع الماضية من منظور مقاتلٍ سابق في الحرب الأهلية، وتكشف تحت ضغط هزّة التحقيق العنيف الذي يتعرض له صورةً أكثر وضوحاً لما كانت تحتفظ به كيوميات تَفاعُل اعتيادية من زمنٍ ماضٍ، تَظهر فيها أفعال القتل والنهب والاعتداءات الجنسية التي قام بها خلال هذه التفاعلات.

تورد روزاليند شو في تقريرها ما لمسته من شعور سائدٍ بالغُبن لدى الضحايا، وبكونِهم الطرف الخاسر في معادلةٍ كهذه. ففي حين كان المقاتلون السابقون يهرعون لتبنّي مقاربات النسيان والصفح، بدا الأمر كعنفٍ مضاعف ضد الضحايا ممن يقع عليهم العبء الأكبر لتجاوز هذا الماضي.

من جهةٍ أخرى، يقع على الضحايا عبءٌ آخر، لأن في خيار الاستسلام للنسيان، نسيان ما حصل، ما يبدو خِذلاناً للمصلحة العامة، وقطعةً ناقصةً في مسار المحاسبة والتقاضي. إذا كان «البوح» وإعادة روْي ما حدث تعافياً، وإذا كانت سياسات التذكُّر والمصارحة العلنية تستلهمُ مما قدَّمه التحليل النفسي مثل الفكرة الفرويدية عن الذواكر المكبوتة، فإن النسيان والرغبة في أن يكون المرء منسياً هي آليةٌ أصيلةٌ للتعامل مع الرضّ أيضاً. الترديد الشفهي لما حدث من شأنه أن يُخفِّف الضغط عن حاملي وحاملات الذواكر العنيفة، ولكنّ الانتقادات لآليات الاستذكار العلني والبوح تُركِّزُ على ما يُقدَّم منها كعلاجٍ جماعي لجماعاتٍ في صيغٍ إنشائية ناطقة بلغة قادمة من القرن التاسع عشر، مستعيرةً لغة طبية مرتبطة بالأعضاء البشرية لوصف حالة الأمة والشعب بين المرض والتعافي، أو متعاملة مع هذه الجماعات كطفل تعرَّضَ للصدمة ويُطلَب منه أن يُعبِّر بالرسم عمّا عانى منه. مقابل الحق الفردي بالنسيان هناك الحق الجماعي بالتذكر، وبينهما مساحةٌ للمطالبة وللنسيان في آنٍ واحد.

في حكمٍ قضائي تاريخي لمحكمة العدل الأوروبية في القضية المعروفة باسم «غوغل إسبانيا وغوغل إنك ضد الوكالة الإسبانية لحماية البيانات وكوستيخا غونزالس»، أَلزمت المحكمةُ الشركةَ المالكة لمحرك البحث غوغل بإلغاء رابطٍ كانت تُظهِرهُ لدى البحث عن اسم الرجل، يقود إلى تفاصيل عن قضية حجز منزله في وقتٍ سابق لسداد ديون للضمان الاجتماعي. ومن المبادئ التي تضمَّنها الحكم كفالةُ حقِّ الأفراد في طلب إزالة الروابط المرتبطة بأسمائهم إن كانت «غير مناسبة، ليست ذات صلة وأصبحت قديمة مع مرور الوقت».

نتيجةً لتلك القضية، أُدرِجَ هذا الحق ضمن قانون حماية البيانات الأوروبي (GDPR)، حاملاً اسماً لا يخلو من لمسة شاعرية: الحق في النسيان.