اكرم حسين.. . المصدر صفحة الكاتب
تشهد مدينة الحسكة، منذ عدة أيام، حراكاً احتجاجياً متصاعداً يُطالب بتعزيز سلطة الدولة السورية، وإعادة تفعيل مؤسساتها، وتوحيد القرارالوطني تحت شعار «علم واحد، دولة واحدة، جيش واحد». وقد شهدت المدينة، الجمعة الماضية، مظاهرة رفع خلالها المشاركون العلم السوري، ورددوا شعارات تُؤكد ضرورة استعادة مؤسسات الدولة لدورها في مختلف مناطق المحافظة.
وشهدت ساحة السلام – التي أصبح اسمها ساحة الحرية – الخميس الماضي – مراسم رفع علم الجمهورية السورية، بحضور محافظ الحسكة ونائبيه وأعضاء من المكتب التنفيذي ومن مجلس الشعب، إلى جانب عدد من ممثلي العشائر والمكونات الاجتماعية المختلفة.
واليوم، الجمعة، تجددت المظاهرات في مدينة الحسكة، بمشاركة أشخاص قدموا من مناطق متعددة، من بينها دير الزور والشدادي وتل براك والتوينة ومناطق أخرى من المحافظة، وفق المعلومات المتداولة ، ورُفعت خلال هذه التظاهرات شعارات تستعيد بعض الهتافات التي عرفتها الثورة السورية، ومنها الشعارات المناهضة لحكم بشار الأسد، في تعبير عن رغبة المشاركين في تأكيد حضورهم السياسي والتعبير عن تطلعاتهم إلى مرحلة جديدة.
لكن، بعيداً عن الشعارات والمطالب المُعلنة، يبرز سؤال أساسي: إلى أين يتجه هذا الحراك؟ وهل يمكن أن يُشكل مدخلًا لتعزيز حضور الدولة وتوحيد مؤسساتها، أم أن بعض مظاهره قد تفتح الباب أمام توترات جديدة تهدد السلم الأهلي؟
المطالبة بتعزيز سلطة الدولة وإعادة فتح المؤسسات الرسمية مطالب تتصل بمبدأ وحدة الدولة وحق المواطنين في الحصول على الخدمات والحقوق الأساسية. غير أن هذه المطالب، على مشروعيتها، ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة لاستهداف مكوّن اجتماعي أو سياسي بعينه، أو إلى مدخل لفرض وقائع جديدة في الشارع خارج إطار القانون.
وتزداد حساسية المشهد عندما تتجه بعض الاحتجاجات، كما أُثير في تحركات سابقة، إلى محاولة إزالة أعلام أو رموز مرتبطة بحركة المجتمع الديمقراطي، أو زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان . فهذه المسألة تتجاوز حدود الرموز والشعارات، لتلامس التوازنات السياسية والاجتماعية في منطقة شديدة الحساسية والتنوع.
ولذلك، فإن أي محاولة لفرض تغيير بالقوة، أو استهداف رموز جهة سياسية بطريقة استفزازية، قد تُفضي إلى ردود فعل متبادلة، وتفتح الباب أمام احتكاكات أو مواجهات لا تُحمد عقباها، خصوصاً في ظل استمرار وجود قوى تمتلك نفوذاً وقدرات على الأرض.
ولا يعني ذلك أن تبقى مؤسسات الدولة معطلة، أو أن يستمر تعدد مراكز القرار الأمني والإداري إلى أجل غير معلوم. بل المطلوب هو معالجة هذه الملفات ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح، يضمن عودة مؤسسات الدولة إلى أداء وظائفها، وينُظم وجود الرموز والشعارات في المرافق الرسمية وفق القوانين المعمول بها، بعيداً عن الاستعراضات أو محاولات فرض الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اتفاق الدمج الجاري بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، بوصفه أحد المسارات الأساسية لمعالجة الانقسام المؤسسي والأمني في المنطقة ، وقد شهد هذا المسار، وفق ما يُتداول من معطيات، خطوات وتقدماً في أكثر الملفات ، لكن نجاحه يظل مرتبطاً باستكمال الترتيبات المتعلقة بوحدة المؤسسات والقرار الوطني والمرجعية الأمنية والعسكرية.
إن وحدة السلاح تحت سلطة الدولة، وفق ترتيبات قانونية واضحة، تُمثل عنصراً أساسياً في بناء منظومة أمنية مستقرة، شريطة أن تقترن بسيادة القانون، وضمان الحقوق، وحماية المواطنين على اختلاف انتماءاتهم. فوجود مرجعية أمنية موحدة لا يحقق الاستقرار وحده ما لم تكن المؤسسات قادرة على تطبيق القانون بعدالة ومنع التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وهنا تقع المسؤولية الأساسية على الدولة السورية، باعتبارها الجهة المعنية بحماية الأمن العام، وضمان حق التظاهر السلمي، ومنع الاعتداءات، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، والعمل على إعادة فتح المؤسسات وتفعيلها، بالتوازي مع تنفيذ اتفاق الدمج.
كما أن الدولة مطالبة بمنع الاستفزازات الصادرة عن مختلف الأطراف، والتعامل مع أي تجاوز وفق القانون، من دون انحياز أو تمييز. فامتلاك الدولة أدوات إنفاذ القانون لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تفويضاً باستخدام القوة بلا ضوابط، بل مسؤولية عن حماية الأرواح ومنع العنف والتدخل بالقدر الضروري والمشروع.
إن ما يجري في الحسكة يستدعي التعامل معه بحكمة سياسية وأمنية، بعيداً عن منطق الغلبة أو الاستفزاز المتبادل. فلا يمكن بناء دولة موحدة من خلال خلق انقسامات جديدة، ولا يمكن حماية السلم الأهلي عبر إبقاء المؤسسات العامة خارج إطار الدولة.
الحسكة اليوم أمام اختبار حقيقي: فهل تنجح السلطات في تحويل هذا الحراك إلى فرصة لتوحيد المؤسسات وتعزيز سيادة القانون، أم تسمح الثغرات السياسية والأمنية بتحوله إلى مصدر جديد للتوتر؟
المطلوب : دولة فاعلة، ومؤسسات مفتوحة، وقرار أمني وعسكري موحد وفق القانون، واتفاق دمج يُنفذ بصورة عملية، وخطاب سياسي مسؤول يحفظ حقوق جميع المكونات ويمنع تحويل الاختلاف إلى صراع.
ان قوة الدولة لا تُقاس في رفع علمها أو ترديد الشعارات باسمها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها، وفرض القانون بعدالة، وضمان الأمن والاستقرار، وترسيخ شعور جميع أبناء الحسكة بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن مستقبلهم يُبنى داخل مؤسسات الدولة لا على حساب بعضهم بعضاً.