جغرافيا أكثر اتساعًا
| لقطة من فيلم الافتتاح “واخضرت الأرض” |
البرنامج المعلن لعام 2026، الذي تقام أغلب فعالياته وعروضه في “قصر الثقافة والفنون” العريق والمهيب، وأيقونة وارسو التاريخية، يعكس هذا الاتجاه بوضوح. فإلى جانب السينما الأوروبية، تحضر الإنتاجات الجديدة والمتنوعة القادمة من مناطق مختلفة، مثل آسيا، وأفريقيا، والأميركيتين، والشرق الأوسط. والأهم أن العروض الأولى تحتل موقعًا مركزيًا في بنية البرنامج، فاللوائح تمنح الأولوية للعروض العالمية والدولية والأوروبية في الأقسام التنافسية، وتفرض قيودًا على العروض السابقة، أو الأفلام الموزعة، أو المتاحة في الصالات، أو عبر الإنترنت في بولندا. ما يجعل المهرجان بحق مساحة لاكتشاف الجديد بالأساس، وليس مجرد محطة لعرض أفلام سبق أن استنفدت معظم رحلاتها المهرجانية.
خلال فعاليات الدورة الـ41، وبحسب البيانات الرسمية المنشورة على موقع المهرجان والاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، اتسع البرنامج إلى 112 فيلمًا طويلًا، و56 فيلمًا قصيرًا، أي 168 فيلمًا إجمالًا، بينها أكثر من 80 عرضًا عالميًا ودوليًا وأوروبيًا وإقليميًا. وفي الوقت نفسه سجل المهرجان بيع 48250 تذكرة دخول، و668 من العاملين في الصناعة، و250 صحافيًا، و47% من المهنيين القادمين من خارج بولندا، فيما شكلت الأفلام الأجنبية 95% من إجمالي الطلبات المقدمة للمهرجان.
تشهد الدورة الراهنة قفزة أخرى في حجم البرنامج بزيادة إجمالية تصل إلى 190 فيلمًا، منها 132 طويلًا، و58 قصيرًا، بإجمالي 330 عرضًا، بينها 102 عرض أول عالمي، أو دولي، أو إقليمي. وكانت إدارة المهرجان قد أعلنت في أغسطس/ آب أن عدد طلبات المشاركة تجاوز 4 آلاف فيلم، قبل الكشف النهائي عن البرنامج في سبتمبر/ أيلول الماضي. وبهذا يكون حجم البرنامج قد ارتفع بنحو 34% مقارنة بدورة 2024، وبنحو 13% مقارنة بدورة 2025، مع الحفاظ على المستوى الفني الرفيع للخيارات المعروضة، وليس مجرد زيادة في أرقام الأفلام. وهكذا أصبح “وارسو السينمائي” مؤسسة، ومحطة مهرجانية مهمة تعمل عند نقطة التقاء ثلاثة أطراف: الفيلم الجديد، والجمهور، وصناعة السينما.
الهوية البصرية... لا صورة واحدة للسينما
هذا العام، يخلو الملصق من أية صور، أو رسومات للمدينة، أو معالمها، بعكس العام الماضي. كذلك، من صور لنجوم، أو نجمات، أو لقطة من فيلم بعينه. ومع هذا، جاء التصميم وألوانه ضمن المسار التشكيلي واللوني ذاته الذي بدأ مع الدورة الماضية لعام 2025. يعتمد الملصق على خلفية زرقاء داكنة، تتقاطع معها كتل وأقواس برتقالية وصفراء وحمراء ووردية، بينما يحتل الخط البني اللون مساحة مركزية من التكوين، مع حضور لافت للون الأخضر. الملصق الجامد للفنانة ماجدا ليراتشيك، المُتشابه في فلسفته التصميمية، قليلًا، مع الملصقات الرقمية الجامدة لـ”مهرجان برلين”، يبدو اختيارًا مناسبًا لبرنامج حاشد يعرض 190 فيلمًا من ثقافات واتجاهات مختلفة، يصعب اختزالها في وجه واحد، أو لقطة واحدة، أو سينما بعينها. لذا، يبدو التجريد هنا أقرب إلى ترجمة بصرية لفكرة البرنامج: مئات القصص والنظرات والتجارب داخل إطار واحد، من دون أن تذوب في هوية بعينها.
وهذا ما تشير إليه ماجدا ليراتشيك: “رؤيتي تعبر عن تصميم يتجاوز حدود الإطار بما يعكس دلالة خاصة تخلق إحساسًا بأن ما نراه ليس الصورة كاملة، في إشارة بصرية محتملة إلى طبيعة السينما القائمة على الإطار وما يبقى خارجه. أما التناقض بين الأزرق الداكن والبرتقالي النابض فيمنح الهوية طاقة وحيوية، بينما يُحَوِّل توزيع الكلمات، على أسطر متتابعة، اسم المهرجان نفسه إلى عنصر معماري داخل الملصق. وهكذا تتجاور في التصميم فكرتان تبدوان متعارضتين: الانضباط الهندسي والتعدّد والانفتاح”.
المسابقات الرئيسية
| لقطة من الفيلم السوري “فيلم قصير عن الحرب” |
يتكون الهيكل التنافسي الأساسي للمهرجان من أربع مسابقات، ثلاث منها تضم 15 فيلمًا لكل مسابقة: “المسابقة الدولية”، و”مسابقة 1-2″، الخاصة بالأفلام الأولى والثانية، و”المسابقة الوثائقية”. أما “مسابقة الأفلام القصيرة” فتضم 26 فيلمًا موزعة على أربعة برامج. بنية البرمجة تمنح المهرجان توازنًا واضحًا بين الفيلم الروائي الدولي، وأفلام البدايات، والسينما الوثائقية، والقصيرة، فيما تظل العروض الأولى عنصرًا مركزيًا في المنافسة. اللافت أن هذا التقسيم الأساسي، شبه الثابت في برمجة المهرجان، يحافظ على العدد نفسه للمسابقتين الدوليتين الرئيسيتين في العامين الماضيين، واللتين ضمتا 15 فيلمًا أيضًا. وعادة ما يكون التفاوت، من دورة إلى أخرى، في الأفلام المتنافسة في أقسام “1-2″، و”الوثائقية”، و”القصيرة”. إلى جانب هذا، تضم برمجة المهرجان أقسامًا عدة فرعية مميزة وجديرة بالاهتمام والمتابعة، مثل “سينما الحب”، و”عروض خاصة”، و”لقاءات”، و”أرواح حرة”. ورغم تعدد الأقسام إجمالًا، ومنها 4 تنافسية ذات لجان تحكيم دولية، بإجمالي 8 لجان تمنح أربع جوائز رئيسية وأربع فرعية، أبرزها وأهمها “جائزة وارسو الكبرى” للفيلم الفائز في “المسابقة الدولية”، وتبلغ 100 ألف زوتي (25 ألف دولار، تقريبًا).
من بين العروض الأولى المنتظرة في “المسابقة الدولية”، يبرز فيلم “اعتراف” للتشيكي ڤاتسلاڤ مارهول، صاحب الفيلم البديع “الطائر المطلي”، المثير لجدل كبير وكثير بعد عرضه في مسابقة “مهرجان فينيسيا” عام 2019. تدور أحداث “اعتراف”، جديد المخرج بعد توقف دام سبع سنوات، داخل سجن “لوبيانكا” في موسكو عام 1938، ويصوّر مواجهة الفرد مع آلة القمع الستالينية. يضم الفيلم طاقمًا دوليًا لافتًا، من بينهم روب لو، وإيميل هيرش، وجيمس فرانكو، ونيك نولتي. كما تجمع المسابقة بضعة أعمال شاركت مؤخرًا في مهرجانات دولية، منها “ما يخص الآخرين” للبولندي جچيجوچ ديمبوڤسكي، و”فبراير، سبعة أيام” للأوكرانية تاتيانا موتشينيك، و”الوداع الأخير” للإسباني كولدو ألماندوز، و”حوار مع البحر” للفلسطيني مؤيد عليان، و”رجال دمويون” للسويدي ينس خوجرين.
في المقابل، تواصل “مسابقة 1-2” وظيفتها الأهم، مراقبة الجيل الجديد من المخرجين والمخرجات من مختلف البقاع، قبل أن تصيبهم الشهرة. إذ تختص المسابقة بالأعمال الروائية الأولى والثانية للمخرجين والمخرجات، وتنبع أهميتها من أنها لا تتعامل مع الفيلم الأول كمجرد بطاقة تعريف بمخرج جديد، بل نواة يمكن من خلالها قراءة اللغة السينمائية اللاحقة لمبدعها، وكيف أنها قد تتطور لاحقًا إلى مشروع سينمائي أكثر رسوخًا وبلورة. لهذا، تظل هذه المسابقة من أكثر ما يُعَبِّر عن هوية “مهرجان وارسو” التاريخية المتمثلة في اكتشاف المواهب الواعدة.
أما قسم “لقاءات” فيعرض أفلامًا برزت خلال الموسم الدولي للمهرجانات، وتركت انطباعات نقدية إيجابية، أو نالت جوائز في مهرجانات مثل “برلين، وكانّ، وكارلوفي فاري، وفينيسيا، وصندانس”. ويضم البرنامج الحالي أفلامًا حاصلة على “السعفة الذهبية”، و”الجائزة الكبرى”، و”التمثيل”، في “مهرجان كانّ”، إلى جانب “الدب الذهبي”، واثنين من “الدببة الفضية” في “مهرجان برلين”، وجوائز رئيسية في مهرجان “صندانس”. بهذا، يقيم المهرجان توازنًا دقيقًا بين الفيلم الذي يحتاج إلى الاكتشاف، والفيلم الذي اكتسب بالفعل شرعية دولية.
افتتاح ثنائي
يحمل المهرجان هذا العام مفارقة سينمائية جميلة وغريبة، إذ قرر المدير الفني، بارتيك بولسن، افتتاح الدورة بفيلمين دفعة واحدة، يقدمان رؤيتين مختلفتين تمامًا للسينما المعاصرة. الأول هو “أول ظهور” للأميركي جيسي آيزنبرغ، والثاني “واخضَرَّت الأرض”، للنرويجي هانس بيتر مولاند. اختيار “أول ظهور” ينسجم مع طبيعة المهرجانات الدولية التي عادة ما تعرض، في الافتتاح تحديدًا، ما يمكن أن يطلق عليه “الفيلم الجماهيري”، أو ما يوصف بـ”عمل خفيف”، عادة ما يكون بطولة نجوم ونجمات من الصف الأول، ولمخرج أو مخرجة من المعروفين. “أول ظهور” هو التجربة الإخراجية التأليفية الثالثة للممثل الأميركي جيسي آيزنبرغ. وعبارة عن دراما تجمع بين الكوميديا السوداء، وبعض الموسيقى والغناء، بطولة بول جياماتي، وجوليان مور، التي تؤدي دور ربة منزل تحيا حياة عادية، لكنها تتبدل بعدما تقوم بدور صغير في مسرحية “الجيران المتطفلين”. ما يكشف عن موهبة تمثيلية كبيرة لديها، ويحيي طموحاتها بشكل غير متوقع، ويدفعها لتقديم أداء لا ينسى، والفوز بتقدير الجمهور، بعدما كانت تسأل نفسها دائمًا عما إن كان أي شخص سيلاحظ غيابها، حتى أفراد أسرتها. يمكن قراءة الفيلم كعمل عن الأحلام، والشجاعة اللازمة لتحقيقها، حتى عندما يبدو أن الأوان قد فات لأننا فقدنا فرصتنا. وقد استطاعت جوليان مور ببراعتها المعهودة تجسيد شخصية تمر بمراحل مختلفة، من الإحباط، واليأس، والمرارة، وفقدان السيطرة، إلى الثقة، والأمل، والإيمان بالنفس، وتحقيق النجاح.
أما فيلم الافتتاح الثاني، فشرّع بابًا أكثر عمقًا وفلسفة، وأدبية، إن جاز التعبير، إذ يعيد إلى الشاشة رواية الأديب النرويجي كنوت هامسون، المتوج بجائزة “نوبل للآداب” عام 1920، والصادرة ترجمتها العربية لصوفي عبد الله عام 2004 بعنوان “واخضرت الأرض”. ونتعرف فيه على إيزاك (هربرت نوردروم)، الذي يذهب إلى أرض جبلية قاسية، خالية تمامًا، في شمال النرويج، ويبدأ في بناء حياته من الصفر مع زوجته إنجر (أستا كاما أوجست)، بعيدًا عن صخب المدينة، والمدنية الحديثة، ما يبرز العلاقة المركبة بين الإنسان والطبيعة والعمل الشاق والأسرة والتحوّل الاجتماعي. ويؤكد على التناقض الحاد بين حياة الإنسان المرتبطة بالأرض والطبيعة والحياة البكر والتحديث والتصنيع والتمدين.
تلك الأبعاد وغيرها، المستمدة من قلب الرواية، هي ما يجعلها قابلة لإعادة القراءة سينمائيًا في أزمنة مختلفة. فتلك هي المرة الثانية التي تقتبس فيها، بعد نسخة نرويجية صامتة عام 1921، متاحة مجانًا على الإنترنت للمشاهدة، أنجزها الدنماركي جونار سومرفيلدت، وكتب لها السيناريو ومَثَّلَ فيها، وكانت من أضخم المشاريع السينمائية النرويجية وقتذاك، إذ امتدت إلى 107 دقائق، لكن تلك النسخة تعرضت لعمليات اختصار وفقدان أجزاء. أما النسخة المستعادة حديثًا، اعتمادًا على مصادر أرشيفية متعددة، فتصحح مواضع بعض المشاهد. أما نسخة مولاند، الذي أعاد قراءة الرواية بعد أكثر من قرن، فيبلغ زمنها نحو ساعتين ونصف الساعة، ورصد فيها باحترافية تحوّلات علاقة الإنسان بالأرض، ومفهوم الزمن والحداثة.
الحضور العربي... من الهامش إلى المتن
| لقطة من الفيلم الفلسطيني “حوار مع البحر” |
من بين التحولات التي طرأت مؤخرًا على برمجة المهرجان، وكانت بارزة للغاية ضمن فعاليات الدورة الماضية، اتساع حضور السينما العربية إجمالًا، والسينما الفلسطينية بصفة خاصة. وإن كان من الضروري التأكيد على أن المشاركة العربية هذا العام أقل من العام الماضي، وذلك لأسباب لها علاقة بالإنتاج العربي، القليل والمتفاوت عامة هذا العام، وفقًا لما ذكره لي شخصيًا المدير الفني بارتيك بولسن، والذي أكَّدَ على رغبة المهرجان في الانفتاح على أكبر قدر من الأفلام العربية الجيدة.
ضمن “المسابقة الدولية” ينافس الفيلم الفلسطيني “حوار مع البحر” للمخرج مؤيد عليان، وهو إنتاج مشترك، فلسطيني/ هولندي/ سعودي/ قطري، بطولة كامل الباشا، وعامر حليحل، وربى بلال، وهيثم العمري، وغيرهم، عن أب يحاول أن يثبت وفاة ابنه الغارق، قبل أكثر من عقد، بينما تراه الوثائق الإسرائيلية حيًا. وقد عُرض الفيلم في قسم “تحت أضواء فينيسيا”، في الدورة الـ83 لـ”مهرجان فينيسيا” 2026.
كما يعرض المهرجان في قسم “عروض للكبار”، فيلم “شارع ملقا” للمغربية مريم التوزاني، وكان عرضه العالمي في ذات القسم بـ”مهرجان فينيسيا”، ضمن فعاليات الدورة الـ42 لعام 2025، حيث نال “جائزة الجمهور”. وتدور الأحداث حول “ماريا أنخيليس” (كارمن ماورا) الإسبانية السبعينية، التي وُلدت وعاشت طوال حياتها في مدينة طنجة. وتقاوم ماريا قرار ابنتها ببيع شقتها التي عاشت فيها عقودًا طويلة.
هنالك أيضًا فيلم “العربي” للجزائري مالك بن إسماعيل، إنتاج جزائري/ فرنسي/ سويسري/ سعودي/ بلجيكي، وبطولة الفلسطينية هيام عباس. وهو أول تجربة روائية طويلة لبن إسماعيل، بعد مسيرة في السينما الوثائقية، وينطلق من شخصية العربي المجهولة في رواية ألبير كامو الأشهر “الغريب”، وذلك عبر إعادة صياغة أدبية وسينمائية تستند إلى رواية “مورسو: تحقيق مضاد” للأديب الجزائري كمال داود، الصادرة عام 2013. وقد عُرض لأول مرة ضمن فعاليات “مهرجان روتردام” في دورته الأخيرة الـ55، مطلع هذا العام.
أما فيلم “باباجايو” (Papagayo)، ويمكن تصنيفه باعتباره عربيًا، رغم إنتاجه الإسباني البلجيكي، لكونه يحمل حضورًا عربيًا واضحًا من خلال مخرجه السوري الأصل عمر عبد الرزاق، ومن خلال لغته العربية، وموضوعه المتعلق بعلاقة شخصية بين مخرج من أصل سوري، وفنانة إسرائيلية، تتوتر وتتعقد العلاقة بينهما بعد اندلاع حرب إسرائيل على غزة.
يضاف إلى ما سبق الفيلم القصير “فيلم قصير عن الحرب” للسوري نديم سليمان، وهو إنتاج بولندي تدور حكايته حول شاب فلسطيني يدرس الإخراج في بولندا، ويجد نفسه ممثلًا لشخصية نازية في فيلم عن الحرب العالمية الثانية، لتتداخل الحدود بين التمثيل والذاكرة والتجربة الشخصية.
أخيرًا، يشارك الفنان الفلسطيني الشاب ورد كيال في لجنة تحكيم “المسابقة الدولية للأفلام القصيرة”، التي فاز بجائزتها الكبرى العام الماضي عن فيلمه القصير الصامت “نهاية”.