ملخص
فيما تتسع احتجاجات الطلاب وأعمال الشغب في فرنسا، يواجه إيمانويل ماكرون انتقادات بسبب غيابه وصمته حيال أزمة تمس جيلاً لم يعرف رئيساً سواه. وترى الكاتبة أن أفضل فرصة أمامه لاستعادة زمام المبادرة تكمن في النزول إلى الميدان، ومحاورة المحتجين مباشرة.
كان إيمانويل ماكرون “الغائب الأكبر” عن موجة احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا.
فعلى رغم أنه يعد الخصم الأول للمتظاهرين الذين يبدون كأنهم يكنون له كراهية عميقة وغريزية، مرددين هتافات من قبيل “ماكرون استقل”، فإن صمت الرئيس وقلة ظهوره العلني أصبحا يثيران الاستغراب والقلق على نحو متزايد.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد، واستمرار تعطل العملية التعليمية جزئياً، بما في ذلك في بعض الجامعات، لم يدل ماكرون إلا بعدد محدود من التصريحات. وقد شاهد العالم بأسره صوراً صادمة لمدارس أغلقت مداخلها بالحواجز، وأخرى تعرضت للحرق، وعشرات المراهقين الذين أصيبوا بجروح خطرة خلال أعمال الشغب، بينهم شاب بترت يده إثر انفجار قنبلة صوتية صاعقة ألقتها الشرطة، وهي قنابل تقرر حظر استخدامها لاحقاً. كما أصيب مئات عناصر الشرطة، وتعرض 88 من المعلمين والعاملين في المدارس، بينهم مديرون، لاعتداءات.
ومع ذلك، ترك ماكرون رئيس وزرائه سيباستيان لوكورنو يواجه وحده تداعيات الأزمة، ويتحمل معظم الضغوط السياسية والإعلامية.
وفي ذروة التعبئة الشعبية، كان الرئيس خارج البلاد في زيارة دولة إلى إسبانيا برفقة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا. ومن مدريد، أدلى أخيراً بتصريح قال فيه إنه “يسمع ويتفهم مشاعر القلق، وأحياناً الغضب، التي قد يشعر بها شبابنا”، مؤكداً في الوقت نفسه، وبحق، أن أياً من ذلك لا يبرر اللجوء إلى العنف.
لكن حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، المعروفة عادة بنشاطها المكثف، بدت على نحو لافت شبه صامتة.
ومنذ ذلك الحين، لم يصدر عن الرئيس الفرنسي، المعروف بكثرة تصريحاته، أي موقف جديد. لكن تقارير إعلامية نشرت صباح الأربعاء الماضي نقلت عن شخصيات على خلاف مع لوكورنو أن ماكرون كان غاضباً بشدة خلف الأبواب المغلقة، وذكرت صحيفة “لو باريزيان” أنه كان “يرفع صوته كثيراً”، معتبراً أن تعامل الشرطة مع المحتجين كان “قاسياً أكثر من اللازم ويفتقر إلى التعاطف”.
وطالب الرئيس لاحقاً أجهزة الأمن بإظهار قدر أكبر من “التعاطف” واعتماد نهج أكثر توضيحاً وتواصلاً مع الطلاب، وبعد سلسلة من الإصابات الخطرة، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تعليق استخدام القنابل الصاعقة خلال الاحتجاجات التي تشهدها المدارس الثانوية.
ويكاد يخيم على فرنسا شعور بأن البلاد تعيش “نهاية عهد”، فماكرون الذي تنتهي ولايته الثانية في الربيع المقبل، ما زال قادراً على الظهور كلاعب فاعل على الساحة الدولية عبر القمم والزيارات الرسمية، لكن شعوراً متنامياً بالتخلي يسود في الداخل.
ولا شك في أن أي تدخل مباشر من جانبه سيكون بالغ الحساسية، خصوصاً أن كثيراً من المحتجين يتعمدون تصويره بصورة شيطانية، إلا أن ذلك لا يشكل مبرراً كافياً لعدم مخاطبتهم أو التحاور معهم.
ففي نهاية المطاف، هؤلاء هم أبناء “جيل ماكرون”، بحسب توصيف سواز كيمينيه في صحيفة “لا تريبون ديمانش” La Tribune Dimanche. فالمراهق الفرنسي الذي يشارك اليوم في التظاهرات كان يبلغ نحو ثماني سنوات فقط عندما وصل ماكرون إلى قصر الإليزيه عام 2017، مما يعني أنه لم يعرف عملياً رئيساً آخر للجمهورية.
كما أن هؤلاء الشباب عانوا اضطرابات كبيرة في مسيرتهم التعليمية خلال جائحة “كوفيد-19″، وهم يحتجون اليوم على واقع يتمثل في الفصول الدراسية المكتظة، والنقص المزمن في المعلمين، وتهالك البنية التحتية المدرسية، فضلاً عن المنصة الإلكترونية المعقدة الخاصة بالقبول الجامعي، التي يصفها كثيرون بأنها “كافكاوية” الطابع.
بل إن الجدل امتد إلى مسألة أجهزة التكييف، ولا سيما بعد موجة الحر الأخيرة التي أجبرت بعض الطلاب على تقديم امتحانات البكالوريا في درجات حرارة بلغت 38 درجة مئوية. وباختصار، كما يردد بعضهم: ماكرون يجلس في أماكن مكيفة، أما الطلاب فلا.
وفي مقالة نشرت في مجلة “لو غران كونتينان”، Le Grand Continent، تساءل معلم فضل عدم الكشف عن هويته عما إذا كان الحظر الأخير للهواتف المحمولة في المدارس قد أسهم في إشعال شرارة الاحتجاجات. وكتب قائلاً إن طلابه، عندما رفعوا أنظارهم عن شاشات هواتفهم، “اكتشفوا العالم الذي لا يطاق والمعد لهم”.
وبحسب وزارة الداخلية، شارك 266 ألف شخص في تظاهرات شهدتها مختلف أنحاء فرنسا يوم الثلاثاء الماضي، فيما قدر المنظمون العدد بنحو 450 ألفاً.
وبدأت الحكومة أخيراً بالتحرك، إذ طلب من المدارس الثانوية فتح المجال أمام النقاش والحوار مع الطلاب. كما تعهد وزير التعليم إدوار جيفراي باتخاذ إجراءات لمعالجة مشكلة غياب المعلمين الذين لا يجري تعويضهم، فيما توجه لوكورنو بكلمة إلى الأمة الأربعاء الماضي.
وفي الوقت الذي كان فيه ماكرون يشرف على تجربة إطلاق صاروخ باليستي من غواصة تعمل بالطاقة النووية، وهي مهمة تدخل أيضاً ضمن صلاحياته الرئاسية، سارع آخرون إلى ملء الفراغ السياسي الذي خلفته الأزمة الطلابية.
فزعيم اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون يواصل تأجيج المواجهة مع الشرطة، بل تعهد، على طريقة دونالد ترمب، بملاحقة محافظ بنك فرنسا قضائياً بتهمة “الخيانة”.
أما “جريمته” المزعومة، فهي الإقرار بأن فرنسا تواجه تكاليف اقتراض مرتفعة وأخطاراً متزايدة مرتبطة بديونها العامة، وأنها تحتاج إلى موازنة تخفض الإنفاق الحكومي.
في المقابل، تعرضت مقترحات مارين لوبان الاقتصادية لسيل من الانتقادات، حتى من صحيفة “لو فيغارو” اليمينية، التي اعتبرت أن حساباتها في شأن حجم الوفر المتوقع مبالغ فيها وتستند إلى افتراضات غير واقعية.
وكان ماكرون قد اعتبر عام 2023 أن ملف التعليم يندرج ضمن “الشؤون الموكلة” لرئيس الجمهورية، استناداً إلى التقليد الديغولي الذي يمنح الرئاسة دوراً مركزياً في القضايا الكبرى.
وتكمن المفارقة هنا في أن سلطة شارل ديغول نفسه اهتزت بشدة أمام انتفاضة الطلاب في مايو (أيار) 1968، حتى إنه اختفى لفترة وجيزة متوجهاً إلى مدينة بادن – بادن الألمانية، قبل أن يستعيد زمام المبادرة ويفوز لاحقاً بانتخابات كاسحة، ثم يستقيل بعد خسارته استفتاء شعبياً في العام التالي.
وربما يجدر بماكرون أن يستعيد درساً من تجربته الشخصية، فقد تأخر كثيراً في التفاعل مع احتجاجات “السترات الصفراء” التي استمرت حتى عام 2020، لكنه تمكن في نهاية المطاف من احتواء جزء من الغضب عبر مبادرة “النقاش الكبير”، التي استثمرت إحدى أبرز نقاط قوته: النزول إلى الميدان، ومواجهة المواطنين الغاضبين، والاستماع إليهم، ثم مجادلتهم والدفاع عن سياساته.
واليوم، يواجه ما يشبه “السترات الشابة”، وفق التوصيف الذي أوردته مجلة “فرانك تيرور” Franc-Tireur، فلماذا لا يعيد الكرة؟
ففي نهاية المطاف، هذا جزء من مسؤوليته.
صحيح أن بين المحتجين مخربين يمارسون الحرق والتكسير، كما أن جماعات سياسية متطرفة تحاول استثمار هذه الانتفاضة، لكن هناك أيضاً عشرات الآلاف من المراهقين العاديين الذين يعبرون عن شعور متزايد بأن ثمة خللاً عميقاً في أوضاع البلاد.
حتى دونالد ترمب دخل على خط الأزمة، ناشراً تعليقات حول الاحتجاجات الفرنسية حمل فيها الإسلام والهجرة مسؤولية ما يجري.
ولذلك، يحتاج ماكرون إلى مغادرة برجه العاجي والتوجه إلى الطلاب لمحاورتهم ودحض الخطابات الشعبوية التي تتغذى على الأزمة، وربما يكون ذلك كفيلاً بإنقاذ الأشهر الأخيرة من رئاسته.
© The Independent
