ملخص
في كتاب “لبناني في باريس” الصادر حديثاً في باريس عن دار “إريك بونييه” يجمع الروائي الفرنكوفوني ألكسندر نجار بين المذكرات والسيرة الذاتية والسرد، ليستعيد سنواته الباريسية الأولى، وإقامته في مدينة النور بدءاً من عام 1980، كطالب جامعي في مادة الحقوق، في جامعة بانتيون –أساس، وكان له 17 سنة.
غير أن ما حمل ألكسندر نجار إلى استعادة سنوات دراسته الباريسية هو انفجار مرفأ بيروت المأسوي في الرابع من أغسطس (آب) الذي كانت لأصدقائه في الزمرة الباريسية، “حصة” رهيبة: صديقته جان دارك ماتت، جينو فقد أصابعه الـ10، الطبيبان ريشار ووجدي كانا شاهدين في غرف الطوارئ على المجزرة، أما توفيق وسيزار اللذان يقيمان في بيروت فنجوا، مثلما نجا هو.
كان انفجار مرفأ بيروت الحافز الذي دفع نجار إلى استعادة الذكريات الباريسية، واسترجاع حياة الشلة، والأيام الجميلة والفريدة والقاسية أحياناً، التي عاشها هو شخصياً وعاشوها جماعياً. هذا الانفجار حمل أيضاً نجار على كتابة سحابة من سيرته الشخصية، التي تنطلق من الحرب وتسلك طريقها عبر الباخرة التي كانت تقل اللبنانيين المسيحيين من مرفأ جونيه إلى مرفأ لارنكا، التي غصت في هذه الأعوام بجموع لبنانية كبيرة، تسعى إلى الهجرة.
أسأل ألكسندر نجار: “لبناني في باريس” هي أول سيرة ذاتية لك، بعدما كتبت سيرة الماضي في “مدرسة الحرب”، وسيرة والدك في “صمت التينور” ووالدتك في “ميموزا”، وهما قريبتان من السيرة الذاتية أيضاً. عندما نتحدث عن السيرة الذاتية يخطر في البال ما سماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون “ميثاق السيرة الذاتية”، والذي يفترض بحسبه أن السيرة يجب أن تراعي الصدق والحقيقة. إلى أي حد التزمت بهذا الميثاق؟ هل كتبت هذه السير الذاتية بوفاء للميثاق أم أنك تركت لمخيلتك الروائية أن تلعب دورك؟ علماً أن كتابك عن باريس يمكن أن يعد كتاباً فريداً في السرد والوقائع والحكايات التي يتضمنها. يقول نجار: “صحيح أن السرد الذاتي يفترض أن يروي فيه الكاتب حياته وتجربته الخاصة. لكنني، انطلاقاً من الحرية التي أطالب بها لكل كاتب ولكل فنان، أرى أن من حق الكاتب أيضاً أن يلجأ إلى الخيال في أي وقت. فأنا لا أؤمن بخطوط التماس وبالحدود الفاصلة الصارمة بين الواقع والخيال. أؤمن بأن الواقع والخيال يمكن أن يتداخلا في انسجام تام، وأن الكاتب يستطيع أن يناور بينهما كما يشاء، شرط أن يكون النص الذي يقدمه للقارئ جيداً ومشوقاً…
المسار السيري
هذا الكتاب يأتي في سياق “مدرسة الحرب” و”أمير البحار” و”ميموزا”، ويندرج في استمرارية هذا المسار السيري الذي أكشف فيه عن نفسي أكثر مما أفعل في الروايات التي تقوم على الخيال المحض، وإن كنت موجوداً فيها أحياناً بصورة “مقنعة”. لنتذكر عبارة فلوبير الشهيرة: “مدام بوفاري هي أنا. ولا تزال سارية”.
في سيرته الباريسية يحضر نجار شخصياً بوصفك طالباً جامعياً يدرس الحقوق، لكنه يلقي ضوءاً على نشوء صفة الكاتب الذي هو. أساله: “كنت تتوجه إلى تكون محامياً أو حقوقياً وإلى أن تكون كاتباً. كيف اجتمع هذان الطموحان في شخصك؟ وأي واحد منهما سابق الآخر وفاز على الآخر؟ ويجيب: “أنا محام ممارس، ومولع بالكتابة منذ سن التاسعة، وأعتقد أنني نجحت في التوفيق بين الاثنين: مهنة المحاماة وشغفي بالأدب. أقول دائماً إن القاسم المشترك بين الاثنين هو الدفاع عن الحريات، وكذلك حب الكلمات وحسن استخدامها. فالكلمات يجب أن تكون منتقاة بعناية، سواء استعملها المحامي في لوائحه ومرافعاته، أم استخدمها الكاتب في روايته. والمحامي رجل فعل، في حين أن الكاتب رجل تأمل، لكن الاثنين يتكاملان.
عندما كنت في باريس، كنت أتابع دراستي في الحقوق صباحاً وأكتب ليلاً، وقد رويت ذلك في كتابي. شاركت في مسابقتين أدبيتين شجعتاني على المثابرة، لكنني لم أفكر خلال أي لحظة في ترك الكتابة من أجل القانون، أو القانون من أجل الكتابة. بالنسبة إلي، كلاهما جزء من تكويني”.
أسأله: تتحدث عن الحلم الباريسي بينما يدرج الكلام لدى الروائيين عموماً، عن الحلم الأميركي. كيف تنظر إلى الحلم الباريسي وبعده الروائي؟ هل استطعت تحقيق هذا الحلم عبر تحولك إلى روائي وكاتب فرنكوفوني؟يجيب: “كانت باريس بالنسبة إلي، ولا تزال بالنسبة إلى كثير من الشباب، أشبه بالإلدورادو: عالماً مثالياً نقيضاً للبنان الحرب، عالماً من الثقافة والحرية. كنت أتوق إلى مدينة النور التي عاش فيها كبار الأدباء، وأن أمشي في شوارعها وأجول في حي مونبارناس المفعم بالتراث الأدبي، وأن أختبر بنفسي ذلك العالم الذي قرأت عنه طويلاً. فقد تربيت على الروايات الفرنسية، والموسيقى الفرنسية، والأفلام الفرنسية، ولذلك كان لدي، على غرار الحلم الأميركي، حلم فرنسي. لكن عندما نصل إلى باريس، نكتشف سريعاً بعض الحقائق والصعوبات التي كنا نجهلها، ونفقد بعض أوهامنا. وربما نفهم في المنفى، بصورة أفضل، قيمة لبنان وما يمثله هذا البلد الصغير الذي هو، في الحقيقة، أكبر بكثير من حجمه الجغرافي. أستطيع القول إن باريس أسهمت في تحقيق حلمي الأدبي، إذ منحتني أدوات ثقافية وفكرية، ووسعت آفاقي، وساعدتني على تكوين شخصيتي كاتباً فرنكوفونياً. لكنها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت إحدى محطاته التأسيسية… ماذا يعني أن أكون” كاتباً فرنكوفونياً”؟ أعشق اللغة العربية ولكنني اخترت اللغة الفرنسية كأداة للكتابة وكحصان طروادة، وفي الوقت نفسه أكتب عن لبنان، وعن حال اللبنانيين بلغة يفهمها الغرب وتخترق جدار الجهل والتجاهل. كتبت “قاموس عاشق لبنان”، وكتبت عن الحرب اللبنانية وجبران وعن حصار صور وقاديشا، ونشرت روايتين عن بيروت… رسالتي هي أن أحكي عن لبنان، وأن أروي للقارئ الغربي كما للقارئ الشرقي تجربتنا وواقعنا. وحتى عندما نتناول أحياناً موضوعات أو بلداناً أخرى، كما فعلت في “دروب الهجرة” أو “الفلكي” أو “برلين 1936″، فإنني أتناول موضوعات مثل الهجرة أو الحرية، تعني اللبنانيين بصورة خاصة”.
طالب جامعي وروائي قيد النشوء
يذهب نجار إلى باريس وفي ذهنه يحضر الأدب الفرنسي الذي قرأه في الصفوف المدرسية وتابع أعلامه الكبار. أسأله: ما الذي جمعك كروائي قيد النشوء، إلى جانب الحقوقي، بباريس، مما يجعلنا هنا نتذكر روائيين وشعراء كباراً مروا بباريس وتركت فيهم أثراً عميقاً، ثقافياً وأدبياً ومنهم مثلاً فارغاس يوسا وماركيز وهمنغواي وريلكه وسواهم… أي أثر تركت فيك باريس كروائي وكاتب؟ ماذا علمتك باريس مما لم تعلمك إياه أي مدينة أخرى؟ يجيب: “لو لم أذهب إلى باريس، لكنت رجلاً آخر. فالثقافة الموجودة في باريس تغذي الروح والعقل. ذهبت إلى باريس وأنا أحمل في ذاكرتي الأدبية أسماء كبيرة: فيكتور هوغو، وسارتر، وسيمون دو بوفوار، وبيكيت، وغيرهم. كنت قد عرفت المدينة من خلال مؤلفاتهم، ولذلك شعرت، عندما وصلت إليها، بأنني أدخل فضاءً قرأت عنه طويلاً. لكن باريس لم تكن بالنسبة إلي متحفاً للأدب فحسب، كانت مدينة حية، تتجاور فيها الثقافات والأفكار والتيارات الفنية، وتمنح الشاب فرصة الاحتكاك بعوالم لم يكن يعرفها من قبل. في الحي اللاتيني، وبين الجامعة ومكان إقامتي في “الفوييه الفرنسي اللبناني”، عشت تجربة إنسانية وثقافية تركت أثراً عميقاً في. تعرفت إلى طلاب لبنانيين ينتمون إلى بيئات مختلفة، وجمعتنا الصداقة وتجربة الاغتراب، وتعلمت منهم معنى “العيش المشترك”… وهناك أيضاً تعلمت أن أكون مستقلاً، وأن أواجه الحياة بعيداً من كنف الأسرة. وسمحت لي باريس بالمشاركة في مسابقتين مهمتين وضعتاني فعلاً على أول الطريق الأدبي. وعلمتني التسامح، وهو أمر لم يكن سهلاً بالنسبة إلى شاب آت من بلد يعاني الحرب والتطرف وشريعة الغاب، حتى وإن كان والداي متسامحين بطبيعتهما”.
كتب نجار أيضاً سيراً غيرية عدة مثل سيرة المدعي الفرنسي العام بينار الذي حاكم بودلير، وجبران وشارل ديغول ويوحنا المعمدان والأب يعقوب… ما الذي يختلف عندما تكتب سيرة ذاتية وسيرة غيرية؟ ما الفرق بين الشخص الآخر الذي تكتب سيرته والشخص الذي هو نت؟ يقول: “صحيح أن السيرة الغيرية فن مختلف تماماً عن السيرة الذاتية. ففي السيرة الذاتية، نروي أنفسنا ونغوص في ذكرياتنا ومشاعرنا، مع العلم أننا،عندما نتحدث عن أنفسنا ونتناول تفاصيل شخصية حميمية، نكون بمثابة مرآة للقارئ. فالكاتب عندما يروي تجربة شخصية يجعل القارئ يرى نفسه فيها ويجد فيها شيئاً من تجاربه ومشاعره وذكرياته. هنا تكمن عالمية الأدب. وهذا ما أراد فيكتور هوغو أن يقوله في مقدمة “التأملات” عندما خاطب القارئ قائلاً: “عندما أتحدث عن نفسي، فإنني أتحدث عنك!”
الذاكرة والذكريات
في الواقع، لا نحتاج في السيرة الذاتية إلى عمل توثيقي كبير، لأن كل شيء موجود في ذاكرتنا، إلا إذا احتجنا إلى بعض التوضيحات هنا وهناك لتدقيق تفصيل، أو توضيح ذكرى، أو تدعيم حدث. أما في السيرة الغيرية، كما في الرواية التاريخية، فهناك عمل هائل من التوثيق والبحث في المراجع والمحفوظات وعلى الأرض. أتذكر مثلاً روايتي التاريخية “برلين 36”: عندما كتبت عن جيسي أوينز، سافرت إلى ثلاث ولايات في الولايات المتحدة، ومنها شيكاغو، لأتتبع آثار ذاك العداء الأميركي الذي تحدى النازيين خلال الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936. وعند كتابة رواية “دروب الهجرة”، احتجت إلى قراءة عدد كبير من الكتب بالعربية والفرنسية والإنجليزية والتركية والروسية عن الشركس والقوقاز… وعندما نتناول سيرة شخص آخر، قد نتماهى معه أحياناً: فعندما كتبت عن جبران خليل جبران، وجدت نفسي في أكثر من موضع أتماهى معه، فدخلت إلى وجدانه محاولاً أن أفهم شخصيته المركبة… وأحياناً قد نكره هذه الشخصية، كما في حالة المدعي العام بينار، الذي أراد منع أعمال اثنين من كبار أدباء القرن الـ19، بودلير وفلوبير”.
كتب ألكسندر نجار الرواية التاريخية في توجهاتها المتعددة، رواية التاريخ اللبناني وبيروت كما في “رواية بيروت” أو “قاديشا” أو”فينيقيا”، أو رواية التاريخ الآخر كما في رواية “منفيو القوقاز” و”الفلكي” و”أثينا” و”برلين 36″ وسواها. أسأله: ما الذي يدفعك إلى كتابة رواية تاريخية لبنانية أولاً؟ هل هو البحث عن الجذور والهوية الجماعية؟ أم لمواجهة الواقع وأزماته وقراءته عبر مرآة التاريخ وفق ما تحدث عنه جورج لوكاش في نظريته عن الرواية التاريخية؟ يقول: “عندما أكتب روايات تاريخية عن لبنان، أذهب بطبيعة الحال إلى البحث عن أصولنا وجذورنا وعن ذاكرتنا الجماعية.
وأعتقد أن الكاتب يستطيع، من خلال الأدب، أن يسهم في صياغة الهوية اللبنانية وترسيخها. وعندما أكتب عن مناطق أخرى في رواياتي التاريخية، فلأن التاريخ مدرسة. يقول ألكسيس دو توكفيل إن “التاريخ معرض للوحات، فيه قليل من اللوحات الأصلية وكثير من النسخ”.
وأنا أبحث في هذه الغاليري التاريخية عن الأحداث الكبرى والشخصيات التي تذكرنا بأنفسنا، والتي تعكس لنا، كالمرآة، صورة عن حاضرنا.
والسؤال الآخر هنا: لماذا اخترت كتابة رواية تاريخية عن بلدان أو شخصيات أخرى؟ هل هو الدافع السردي التاريخي أم أن ثمة أمثولة تبحث عنها في التاريخ الآخر؟ يجيب: “كثيراً ما اعتقدت أن للكاتب ثلاث حريات أساس: حرية اختيار اللغة التي يريد الكتابة بها، وحرية اختيار الموضوع الذي يريد تناوله، وحرية اختيار القالب أو النوع الأدبي الذي يناسبه. وغالباً ما يكون الموضوع هو الذي يفرض القالب. من هنا، ليس لدي أي عقدة في الانتقال من نوع أدبي إلى آخر. وقد فعل ذلك عدد كبير من الكتاب عبر التاريخ أمثال فيكتور هوغو الذي كان دائماً نموذجاً لي، وألبير كامو وجان كوكتو وغيرهم. فعندما أردت مثلاً أن أتناول موضوع التبني، كتبت مسرحية عنوانها “L’inattendue”، لأنني وجدت أن المسرح هو القالب الأكثر ملاءمة لعرض هذا الموضوع. وعندما أريد أن أتحدث عن الحب ألجأ إلى الشعر، لأنني مؤمن بأن الشعر هو أفضل تعبير ممكن عن الحب، وبأن قصيدة حب واحدة يمكن أن تساوي رواية كاملة”.
الكتابة المتعددة
يتنقل نجار بين حقول أدبية عدة إضافة إلى الرواية، مثل الشعر والمسرح والقصة القصيرة والرواية السياسية، إضافة إلى النقد والتأريخ والحقوق والكتابة المعجمية. هل تعتقد أن الكاتب اليوم يستطيع أن يكتب في أنواع أدبية متعددة وأن يتوزع بينها؟ أي نوع أدبي هو الأقرب إليك؟ أين وجدت نفسك أكثر ما وجدتها؟ “لا يمكنني أن أقول في أي نوع أدبي أجد نفسي أكثر، يقول نجار، لكنني أستطيع أن أقول إن القارئ هو الذي يجد نفسي في كتبي، لا سيما في كتبي الأربعة ذات الطابع الذاتي… في الحقيقة، أمارس جميع الأنواع الأدبية بشغف، بما في ذلك الشعر الذي يخضع لطقوس خاصة: أؤمن كثيراً بالوحي، تلك الشرارة الإلهية التي تسكن الشاعر. لا يمكن أن نكتب الشعر غب الطلب. لا بد من الإلهام. قد يأتي الإلهام من حدث، أو إحساس، أو من تجربة حب، أو من ألم. لا بد من وقود ما ليشعل تلك الشرارة. الإلهام لا يأتي بقرار، وإلا جاء الشعر مصطنعاً. ولهذا السبب، عندما أرى الذكاء الاصطناعي ينتج قصائد غب الطلب، أشعر بشيء من الحسرة. كيف يمكن لآلة لم تحب يوماً أن تتحدث عن الحب؟ وكيف يمكن لآلة لم تبك يوماً أن تؤلف قصيدة حزينة لرثاء شخص عزيز رحل؟”.
في ختام كتابك “لبناني في باريس” تقف أمام سؤال مهم ووجودي: البقاء في باريس الذي يرسخ هويتك ككاتب وروائي يكتب بالفرنسية أم العودة إلى لبنان الوطن الأم؟ أنت اخترت العودة. ألم يغرك الحلم الفرنسي؟ يجيب: “أقول في خاتمة كتابي ’إذا غادرنا كلنا السفينة، فلمن سنتركها؟‘ أنا مقتنع بأننا لا نولد في بلد ما من طريق الصدفة. إذا ولدت في لبنان، فهذا يعني أن الله أراد لي أن انتمي إليه وأعيش فيه. لا أرى في العودة إلى وطني تضحية بالنجاح، ولا في البقاء في الخارج خيانة للوطن. لكل إنسان ظروفه وخياراته، ولا أحكم على الذين اضطروا إلى الهجرة أو اختاروا العمل أو الاستقرار في بلد آخر. فجبران خليل جبران، مثلاً، عاش معظم حياته بين بوسطن ونيويورك، لكنه كان أفضل سفير للبنان في العالم. كان خياري الشخصي أن أعود، لأنني شعرت بأن مكاني في لبنان. جذورنا مغروسة عميقاً في الأرض التي نحبها، وهي التي تمنحنا الثبات. لقد كتبت ’قاموس عاشق لبنان‘، وهذا بحد ذاته تعبير عن مدى تعلقي بهذا البلد. ولا أخفي أنه لو واصلت مسيرتي الأدبية في فرنسا، لكان بإمكاني أن أشارك بصورة أكبر بكثير في الحياة الأدبية الفرنسية: في الندوات والمؤتمرات ومعارض الكتب، وهي مناسبات كثيرة أفوتها لأنني بعيد جغرافياً. لكن الكتابة غير مرتبطة ببلد ويمكن أن تتم في أي مكان: هناك من كتب في المنفى، كفيكتور هوغو أو بابلو نيرودا، وهناك من يكتب في المقاهي، أمثال نجيب محفوظ أو همنغواي أو سارتر، وكم من معتقل كتب في السجن! أنا أفضل أن أكتب في غرفتي أو ’مرقد عنزتي‘ في وطني”.
