
هل أمست مغادرة لبنان، ولو لأيام قليلة، من ضرورات تحمُّل أعباء العيش في الخواء والاختناق الزاحفين مع الموت في أرجائه؟
وبعد حلقة أولى في عنوان “مشاهد سياحية في باريس.. يالتعاسة الفرنسيين!”، وثانية عن مشاهد من نافذة قطار في سهول النورماندي.. في أثر الشاعر بسام حجار، هنا ثالثة عن لقاءات قدامى (مناضلي) المسيرات الكبرى في مدينة آيغل الصغيرة.
منزل ومفتاح قديمان
على رصيف محطة القطار في مدينة آيغل الصغيرة في النورماندي، استقبلني صديق لبناني، يحمل الجنسية الفرنسية منذ نحو 20 سنة، وتعود بداية تعارفنا إلى صيف 1973 الصاخب بأوهام شبابنا “النضالية” أو بمسيرة شبابنا الكبرى في شوارع الشياح بضاحية بيروت الجنوبية. ومن محطة القطار اصطحبني في سيارته القديمة إلى منزله الذي يقيم فيه وحده منذ سنوات وسط حديقة فسيحة في ريف المدينة الصغيرة القريب.
وما دام العمران قديم في معظمه في فرنسا، لا لزوم لوصف منزل الصديق بالتراثي، على طريقة وزارة الثقافة اللبنانية التي لا عمل لها تقريبًا، منذ نشأتها، سوى وصفها أو “تصنيفها” بقايا بيوت بيروتية قديمة، وتسميتها “تراثية” فيما هي تتداعى وتنهار وتندثر. وفي الأثناء تصير تلك البيوت موقوفة، مثل الحياة في هذه البلاد. ولتحرير البيوت التراثية من لائحة الوقف، تدخل -شأن كل شيء في لبنان، حتى الحروب والمقابر- في بازار مناكفات ونكايات ورشاوى إدارية محمومة بين موظفي الوزارة وملّاك البيوت المهجورة المهملة، والراغبين في انهيارها وإزالتها، ليشيدوا مكانها عمارات أو “تورات” (أبراج) سكنية تجارية شاهقة الارتفاع والأسعار.
أما المفتاح الكبير الذي أدخله صديقي بيار في قفل باب منزله، الرئيسي الخشبي العتيق، فذكّرني بتلك المفاتيح التي يحتفظ بها فلسطينيون كذكرى ورمز لـ”تراث مادي”، وعلامة مأساوية -تحولت فولكلورية- تؤكد طردهم من بيوتهم وديارهم في نكبة 1948. والنكبة تلك تلتها هزيمة حزيران 1967، فأدتا مجتمعتين إلى نشأة منظمات المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان، غداة تلك الهزمة المدوّية. ثم سرعان ما ظهرت في العام 1969 مقولة “المقاومتان: اللبنانية والفلسطينية”. وذلك في عشايا الحرب الأهلية في الأردن وتصفية الجيش الأردني منظمات المقاومة الفلسطينية فيه في العام 1970.
وكانت المقولة تلك مقدمةً نظرية صاغتها مجموعات من شبان مثقفي اليسار اللبناني الجديد، الاشتراكي الماركسي آنذاك، كإطار لمسيرتها الكبرى، فدعت إلى التحام النضال اللبناني الطبقي والعمالي والقومي العربي بالنضال الفلسطيني المسلح. وسرعان ما أدى التحامهما إلى حروب أهلية ملبننة، لا تزال فصولها تتناسل حتى اليوم.
حين كنا سُذَّجًا ومجانين
العمى شو “كم” كنا مهابيل، سذّجًا ومجانين، قال بيار، ردًا منه على سؤالي إياه إن كان قرأ الكتاب الذي لمحتُه على طاولة مكتب في صالون منزله الريفي، وكنت قرأته قبل أيام في بيروت. عنوان الكتاب “الثورة والخيبة: اليسار الجديد وقيود التحرر”. وقد وضعه بالإنكليزية الباحث والأكاديمي المقيم في أميركا، فادي بردويل، وترجمه إلى العربية حسام عيتاني، وأصدرته قبل نحو شهرين “دار رياض الريّس” البيروتية.
ويروي الكتاب فصول التجربة النظرية والنضالية المريرة الخائبة لمثقفي اليسار اللبناني الجديد، أولئك الذين التأمت مجموعاتهم واندمجت في العام 1970 في “منظمة العمل الشيوعي في لبنان”.
منذ نشأتها لم تتوقف الانشقاقات الأيديولوجية أو النظرية والتنظيمية في صفوف تلك المنظمة. وحدث الانشقاق الأكبر والأخير صيف 1973، عقب الصدامات الدامية بين الجيش اللبناني ومنظمات المقاومة الفلسطينية المسلّحة وأنصارها اللبنانيين، في أيار من ذلك العام الذي في صيفه تعرّفت على بيار. وهو كان ناشطًا متحمسًا في واحدة من المجموعات الكثيرة المنشقّة عن المنظمة اليسارية، والتي باشرت عملها تحت شعار “حي، معمل، مدرسة” كمسرح لنضال شعبي مفتوح، يرفض دُعاتُه البيروقراطية والتراتبية التنظيمية المغلقة السائدة في المنظمة.
وفي جلستنا نتناول القهوة في حديقة منزله تحت شمس أيلول الفرنسية الباردة، تحدث بيار ساخرًا ونادمًا، لكن بلا حنين ولا أسف، عن الأيام التي أمضاها في نشاط محموم لإنشاء خلايا عمالية للمنظمة، تضم عمالًا في دائرة ميكانيك السيارات وفي دائرة حدائق بلدية بيروت، وآخرين من عمال مصانع غندور والعسيلي وكسرجيان في بيروت وضواحيها. وكان آنذاك طالبًا في الجامعة الأميركية وفي كلية التربية بالجامعة اللبنانية.
ولما قال بيار إنه سيدعو صديقه القديم الذي كان يعمل في دائرة حدائق بلدية بيروت، لزيارته هنا في قريته الفرنسية ومساعدته في إصلاح حديقته المنزلية وتحسين مزروعاتها، انتبهتُ إلى أن من سعيتُ إلى اللقاء بهم في رحلتي الفرنسية، غالبًا ما كانوا إما لبنانيون من قدامى أصدقاء حقبة (1970- 1976) “النضالية المحمومة”، وإما سوريون شاركوا في ثورة بلدهم بين 2011 و2013 وفروا من الرعب والقتل فيه إلى بيروت التي هاجروا منها إلى أوروبا.
هل المنخرطون في مسيرات كبرى وليدة أحلام شبابهم وأوهامه، تنشأ بينهم روابط وأواصر وذكريات لا تمّحي مهما باعدت بينهم السنوات والمسافات والظروف؟ تتفكك تلك الروابط، تتمزق وقد تتحول إلى عداوات، لكن ذكرياتها تظل عميقة الجذور والأثر ولا تموت. كأنها تقيم خارج الزمن مثل صور أحلام اليقظة، مثل علاقة أو قصة غرامية قديمة مبتورة، مثل غيمة متجمّدة في الذاكرة. وكلما التقى اثنان أو أكثر من قدامى “رفاق” المسيرات الكبرى، ينبعث تيار في تلك الغيمة المترمّدة التي يستحيل عليهم أن يعثروا في رمادها على كلام يردم تلك القطيعة أو الهوّة الزمنية الواسعة بينهم. كأنهم يسيرون صامتين في جنازة، أو لا يتبادلون سوى كلمات قليلة نافلة، مبتورة أو ميتة، لا تقول شيئًا مما ترمّد في نفوسهم.
لكن الروائية الفرنسية آني أرنو (ولدت في النورماندي سنة 1940) ونالت جائزة نوبل للآداب (2022)، خصّت جيلها -جيل أيار 1968 الفرنسي، ومسيرة شبابه الكبرى المزامنة لمسيرة شبان اليسار اللبناني الجديد الكبرى والمتفاعلة معها نظريًا على الأقل- بفصل أساسي في كتابها “السنوات”. وهي استعادت في هذا الكتاب ذاكرة ذاك الجيل الذي عاش تحولات سياسية واجتماعية وثقافية غيرت علاقته بالعائلة والسلطة والجنس والعمل والاستهلاك.
منزل أيار 1968 المهجور
أما أسلوب بيار، العملي في العيش والتفكير والكلام، وتمتعه بحيوية الشباب جسمًا وروحًا، على الرغم من تجاوزه منتصف العقد السابع من عمره، فقد حملانا على استعادة شذرات قليلة من ذكريات ذاك الجيل، فتجاوزنا بها تلك الهوّة الزمنية والكلمات الميتة في 24 ساعة أمضيتها في ضيافته.
أثناء مشينا متمهلين متنقلين في حديقة منزله الفسيحة، تحدث عن رغبته في تجديد مزروعاتها وأشجارها. وأمام غرفة خربة في زاوية من زوايا الحديقة، وهي لخزن الأدوات الزراعية وحطب المدفأة، قال إنه سيجد من يساعده في إصلاح الغرفة وترتيبها.
وعلى الرغم من تبادلنا أحاديث كثيرة عن حاضرنا وأحوالنا الراهنة، ظلت تتردد في ذاكرتي صور من نهار وليلة أمضيتُهما مطلع الثمانينات مع أصدقاء لبنانيين وفرنسيين في منزل ريفي قديم ومهجور في مقاطعة الأرديش الفرنسية القريبة من مدينة ليون. صديقنا الفرنسي الذي دعانا آنذاك لتمضية عطلة نهاية الأسبوع في الريف، روى أن ذاك المنزل هو من بقايا أحلام المسيرة الكبرى وأوهامها، لبعضٍ من شبان انتفاضة أيار 1968 الفرنسية. فبعد ذواء تلك الانتفاضة وانطفاء أحلامها الكبرى، وجدتْ شلّة من شبانها بمدينة ليون أن الحياة الريفية هي ملاذها أو خلاصها الثوري الرومنطيقي. لذلك اشتروا ذاك المنزل الريفي المهجور والمتداعي، واتفقوا على إصلاحه كي يقيموا فيه. لكن اتفاقهم سرعان ما ذهب أدراج الرياح، مثل مسيرة أحلامهم الشبابية الكبرى، فظل المنزل على حاله من التداعي والهجران.
فتى ممن استقطبهم بيار لمسيرة أحلام الشباب الكبرى في الشياح بضاحية بيروت الجنوبية صيف 1973، قرر ومجموعة من “رفاقه”، بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان سنة 1976، أن يهاجروا نضاليًا من المدينة (بيروت) التي سيطر عليها جيش حافظ الأسد، ليستأنفوا مسيرتهم الكبيرى من قرية ريفية جنوب لبنان، رافضين متابعة تحصيلهم التعليمي الثانوي الذي وجدوا أنه بلا جدوى ولا معنى ولا طائل منه. لكن بعد سنة واحدة كان أولئك المهاجرون للنضال من الريف قد تفرقوا أيدي سبأ، وهاجر معظمهم إلى أوروبا لمتابعة دراستهم العليا في جامعاتها.
عزلة مهندسٍ وموسيقيّ
قبل أيام من لقائي بيار في منزله الريفي في النورماندي، توقف دليل رحلتنا الفرنسي لساعات سيرًا على الأقدام في جبال البرينيه على الحدود الفرنسية الإسبانية، ثم سألنا: من تتوقعون يسكنُ في هذين المنزلين؟ كان المنزلان القديمان منعزلين في وادٍ غير بعيد من قرية برادز مويو التي يعود عمرانها إلى القرون الوسطى في أقصى جنوب فرنسا. وكان من البديهي أن أجيب إنهما من منازل الرعاة التي علمت ورأيت أن منازلهم وحظائر ماعزهم منتشرة بكثرة، في مراعٍ عزلاء متباعدة وسط غابات البيرنيه البرّية الكثيفة الخالية تمامًا من الحياة غير النباتية.
لا، ليس المنزلان لرعاة، بل يسكن في أحدهما مهندس معماري، والآخر يسكنه موسيقيّ، قال الدليل.
وقفتُ محدّقًا في المنزلين القديمين المنعزلين على مسافة نحو كيلومتر من طريق السيارات في الوادي. لكن لا بد أن يكون المهندس والموسيقي قد ورثا المنزلين عن جدّيهما أو والديهما الذين كانوا من الرعاة في المنطقة، قلتُ للدليل الذي نفى فكرتي عن الإرث والتوريث، وقال إنه يعلم أن المنزلين كانا متداعيين ومهجورين، فاشتراهما في وقتين متباعدين كلٌّ من المهندس والموسيقي اللذين لم يكن أي منهما يعرف الآخر، عندما هجر كلٌّ منهما بمفرده حياته وإقامته وعمله في باريس. لكنهما بعد شرائهما المنزلين، تعارفا هنا وتعاونا على ترميمهما وتجهيزهما كلٌّ على هواه، ليقيما منعزلين بعيدًا حتى من العمران في القرية. وهما لا يزالان يعملان وغير متقاعدين.
قتلى البيرنيه وقتيل الكحّالة
بعدما سرنا نحو ساعتين صُعودًا على دروب الرعاة في جبال البيرنيه، توقف الدليل وقال: ربما تجاوزنا الحدود الإسبانية.
ظننت أن قوله ينطوي على شيء من خوف وحذر ينذران بضرورة أن نتوقف ونعود. لكنّ ظني سرعان ما بدّده شروع الدليل في رواية قصة تعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939)، بين الجمهوريين والاشتراكيين والشيوعيين والفوضويين من جهة، والقوميين اليمينيين والفاشيين بقيادة الجنرال فرانسيسكو فرانكو (1892 – 1975) من الجهة الأخرى. لكن تلك الحرب سرعان ما تحوّلت إلى حرب أهلية أوروبية بل دولية، مهّدت للحرب العالمية الثانية. واستمر فرانكو يحكم أسبانيا حكمًا ديكتانوريًا حتى نهاية حياته.
على الجبهة المعادية للقوميين الفاشيين، جمعت تلك الحرب واحدة من أولى كبريات المسيرات الكبرى الحالمة في أوروبا والعالم بتغيير مجرى التاريخ والعالم، تغييرًا خلاصيًا، فكرتُ فيما كان الدليل يشير بيده إلى ناحية من الجبل قائلًا: إلى هناك، على الجهة الفرنسية من الحدود، فرّت مجموعة من اليساريين المعادين لمعسكر فرانكو القومي في إسبانيا، ظانين أن اجتيازهم الحدود إلى فرنسا يحميهم. وفي طفولتي سمعتُ مسنين في قرية براتز مويو التي منها انطلقنا في رحلتنا الجبلية هذه، يتحدثون عن عثورهم، هناك في الجبل، على هياكل عظمية بشرية قرب بنادق حربية صدئة.
وأثناء تجوالي مع بيار في شوارع مدينة آيغل النورماندية، بعد ظهر نهار الجمعة الذي أذنت شمسه اللطيفة ببداية عطلة نهاية أسبوع ممتعة لسكان المدينة الصغيرة الهادئة، رويتُ له ما سمعته من دليل رحلتنا الجبلية الحدودية في البيرنيه قبل أيام.
فجأة التفتَ بيار إليّ وذكّرني بقريب له أعرفُهُ، وكان نداءُ مسيرة شبابه الكبرى قد ساقه إلى حمل السلاح على جبهة الشياح في بدايات حرب لبنان الأهلية في العام 1975. وفي واحدة من هدنات بين جولات تلك الحرب، اجتاز قريب بيار الشاب خط التماس الحربي من الشياح، وذهب لزيارة أهله في بلدة الكحالة المسيحية. قبل وصوله إلى منزله في البلدة قتله مسلحون كتائبيون علموا أنه كان يقاتل في الشياح.
(يتبع)