د. حسين الهنداوي.. جريدة المدى
بصورة أكثر منهجية وحسماً من سابقيه، لا سيما عمانوئيل كانت وفريدريك ويلهلم شلنغ، وضع هيغل التاريخ في مركز فكره الفلسفي. وبالفعل، ان الاهتمام الذي اولاه للتاريخ كموضوع بذاته لم ينحصر في محاضراته الشهيرة التي ألقاها على طلابه في جامعة برلين خلال سنواته الاخيرة (1818-1831) وجمعت ونشرت بعد وفاته بعدة معدة مؤلفات، والتي ركزت على “فلسفة التاريخ” خاصة وعبرها على تاريخ الفلسفة وعلى فلسفة الدين وعلى فلسفة الفن كمجالات قائمة بذاتها. انما “ومنذ خطواته الاولى، كان الفكر الهيغلي فكراُ حول التاريخ البشري”، كما كتب جان هيبوليت Jean Hyppolite (1907-1968) المفكر الفلسفي الفرنسي الذي يعد اهم مرجع غربي للفلسفة الهيغلية في القرن الماضي كما يثبته عدد من مؤلفاته الرئيسية وابرزها “مدخل إلى فلسفة التاريخ عند هيغل”، و”نواة وبنية فينومينولوجيا الروح عند هيغل”، و”المنطق والوجود: محاولة حول المنطق عند هيغل” و”دراسات حول هيغل وماركس”، وغيرها…
بل نرى اكثر من ذلك، ان خطاب هيغل، يكاد يتمركز بشكل احادي على “التاريخ العام للبشرية” بمراحله الكبرى المعروفة وبالمعنى المعتاد او الاكثر شيوعاً لهذه التسمية، الى درجة انه يحترم التسلسل الزمني لمجرى الاحداث، منطلقا من الاقدم بينها للوصول الى ما هو اكثرها فاكثرها حداثة، لا بموجب مراحل منهجه الاستنتاجي الخاص، انما بموجب تتابعها الزمني الفعلي نفسه. لكن، وإذا كان ذلك التاريخ العام للبشرية، بجزئه المكتمل، محدوداً بشكل صارم على صعيدي المكان والزمان لديه، واذا كان العالم الارضي هو الميدان الوحيد الخاص بتقلباته وصيرورته، فان العالم الأرضي ينقسم بدوره الى عالمين اثنين متميزين ومنفصلين جوهريا وهما “القديم” و”الجديد”.
العالم الجديد يتركه هيغل جانباً ولا يدخل عمليا في اهتمام فلسفته. وهو يقتصر في الواقع على القارة الامريكية، بلاد المستقبل. وهذا الاخير لا يشكل بالتالي جزءا من التاريخ في مفهومه الخاص، نظراً الى ان التاريخ بطبيعته متعلق لديه بما هو ماضي، وفقط بما هو ماض، بينما القارة الامريكية كانت تبدو بلا مضمون حضاري في عصره، اي قبل قرنين من الزمن. وعلى العموم، لقد أظهر هيغل حذرا عميقاً من نزوة الانزلاق الى اطلاق اي تكهنات او نبوءات بشأن المستقبل وتاريخه المحتمل، كما لاحظ بدقة استاذنا الراحل البروفسور جاك دونت.
وهكذا فالعالم القديم وحده، ما اعتبره هذا الفيلسوف مسرحا لـ “موضوع” التاريخ الكوني. وذلك العالم القديم ينقسم بدوره الى ثلاثة اجزاء او قارات هي افريقيا وآسيا واوربا. بيد ان هذا الانقسام يظل ثانوياً لأن العالم القديم ينحصر في المحصلة الاخيرة بمنطقة واحدة تحتل منزلة المركز او القلب منه، وهي حوض الابيض المتوسط تحديدا. فهذه المنطقة في نظره: “تمثل عنصر الربط والجسر المركزي في تاريخ العالم… ولأن كل الدول الكبرى في التاريخ القديم وجدت حول هذه المنطقة المنخفضة من الارض.. لهذا فالابيض المتوسط هو قلب العالم القديم، يطبعه بطابعه ويحييه بحركته، ولن يكون ممكناً الحديث عن التاريخ الكوني بدونه”.
هذا على مستوى المكان. اما على مستوى الزمان، فالتاريخ الكوني لم يبدأ مع ولادة الانسان في الطبيعة، انما فقط منذ اللحظة التي “يبدو تطور الروح فيها متزامناً مع تطور تاريخي فعلي” في الحياة البشرية الفعلية. لأن التاريخ الكوني حسب هيغل، هو تاريخ تشكل الوعي الانساني عن الروح مأخوذة كواقع “فوق فردي”، اي كبشرية. وبعبارة اخرى، يتمثل التاريخ الكوني بجهود نحو 6000 سنة هي التاريخ الفعلي المعلوم للعالم وهي فترة ملموسة تبدأ من الطوفان لغاية العصر الحديث، ومن ظهور اول شكل للدولة “حتى الثورة الفرنسية” اي حتى فترة هيغل.
هذه التحديدات الدقيقة، المكانية والزمانية، مهمة جدا بالنسبة لدراستنا حول هيغل والاسلام، لانها تكشف لنا جلياً من جهة ما الموقع الذي يحتله عالم جنوبي الابيض المتوسط، باعتباره مهد ونطاق حركة الاسلام، من دور حاسم في صنع التاريخ البشري. وتكشف من جهة اخرى استحالة ان تستطيع فلسفة للتاريخ اغفال منح الاسلام مكانة جوهرية في تطور التاريخ الكوني، لا سيما اذا كانت تدعي كل تلك المنهجية الصارمة والرصانة كالفلسفة الهيغلية. وهذا الحال يوضح سلفا الاسباب التي اوجبت على هيغل، في رأينا، تخصيص مكانة متميزة وحيوية للعالم الاسلامي في فلسفته حول التاريخ خاصة، ومن هنا بالتحديد يتأتى منبع مفهومه الخاص عن الاسلام والذي سنحاول في هذه الدراسة التركيز المنهجي عليه للكشف عن ماهيته الجوهرية ومضامينه الاكثر اكتمالاً.
لكن، ولأجل جعل هذا المفهوم الهيغلي حول الاسلام واضحاً، ينبغي علينا قبل اي شيء ان نقدم عرضاً مختصراً للمنظور الهيغلي حول فلسفة التاريخ بشكل عام، يسمح لنا بتلمس المكانة التي يخصصها للعالم الشرقي تحديدا، والتي بدون فهمها جيدا سيكون عسيراً التغلغل في معرفة مختلف جوانب المنظور الهيغلي الخاص بمكانة الاسلام، بكل تعقيداتها وخصائصها والاساس العقلاني لهذا المنظور في الفلسفة الهيغلية. وبالفعل، فالاسلام من وجهة نظر الفلسفة الهيغلية ليس ديناً فحسب، انما هو ايضا، وخصوصا، حركة مستقلة ومتميزة وحاسمة في سيرورة تطور التاريخ الكوني تمتلك ديالكتيكها المستقل بذاته في ديالكتيكه العام، كما تمتلك دوراً وضرورة شديدي التعقيد خاصين بها.
بدون التوقف طويلاً امام ما يسميه هيغل بـ “فلسفة التاريخ”، نستطيع القول ان التاريخ، الذي هو موضوع افكاره الفلسفية، هو التاريخ العام للانسانية بمعناه المعتاد لدينا. فرغم تعقيدات منهجه التأملي المحض، كان هيغل ثابت اليقين بوحدة النوع الانساني وبوحدة تاريخه ايضا. ففي نص معروف جداً يتعلق بهذا التاريخ، يؤكد هذا الفيلسوف على “ان الفكرة التي تسود عموماً حول مفهوم التاريخ الانساني هي فكرة كافية، ونتفق معها الى هذا الحد او ذاك”. بيد ان المشروع الذي يقترحه هيغل لنفسه، هو الكشف عن المضمون ذاته الخاص بذلك التاريخ. والحال ان عرض هذا “المضمون ذاته” لا يمكن ان يتم الا عبر الفلسفة التي بدورها لا يمكن ان تقتصر على مجرد العرض انما عليها ايضا اكتشاف وتحليل شروط امكانية تكوين ادراك عقلاني للاحداث الانسانية التي حصلت في الماضي. وهذا الادراك هو “هدف فلسفة التاريخ” على وجه التحديد. التاريخ الانساني هو كامل الانتاج المادي والروحي للانسان التاريخي اي الفعلي. لكن، ومقابل هذا المجموع من الانتاج، “لدينا امام العين لوحة هائلة مصنوعة من فعاليات وانشطة لأنواع متباينة الى اللانهاية من الشعوب والدول والفرديات تتوالى الواحدة بعد الاخرى بلا كلل.. ومن عقول خاصة تتابع اهدافا خاصة بها عبر حركة ابدية.. وفي خضمّ لوحة هائلة تفجر فينا مشاعر متنوعة، تثير الانبهار غالباً، ليس فقط بالتفاصيل اللامنتهية التي تعرضها انما خصوصاً، عبر هذا التجدد الذي لا يعرف توقفاً، وعبر “مشهد صراع آخاذ حيث حالما ينتهي شيء فيه، ينهض شيء آخر ليأخذ مكانه” كما يقول هيغل في كتابه “العقل في التاريخ”.
امام كل هذا المشهد ثمة سؤال ينبثق: ماهي الغاية التي تشترك في السعي الى تحقيقها معا كل هذه العقول الفردية؟ لأن من غير العقلي انها تستهلك نفسها وبكل هذه الحيوية لمجرد متابعة اهداف خاصة بها، انما لا بد من ان اعمالها جميعاً تساهم في صنع عمل كوني ما خارج ارادتها الخاصة!. فالمسألة اذن، بالنسبة لهيغل، هي معرفة “فيما اذا وتحت الاشتباك الذي يهيمن على السطح، لا يتم انجاز عمل صامت وسري توضع فيه طاقات كل هذه الظواهر”.