
ما يجري التحضير له كبير جداً. مجدداً يعود الحديث عن “الحرب الأخيرة” والتي يفترض بها أن تغير توازنات المنطقة كلها. الأرضية تتحضر، من الإعلان البريطاني الرسمي الذي يتهم إيران بالوقوف وراء التخطيط لعملية عسكرية ضد قاعدة فيرفورد الأميركية، الى استكمال التحقيقات بقضية طائرة فلاي دبي والتي تتجه نحو اتهام مساعد الطيار بالتخطيط لتفجير الطائرة في مطار بن غوريون، إضافة إلى مقتل وإصابة إسرائيليين بانفجار قذيفة من مخلفات الحرب الماضية في مستوطنة يفتاح قرب الحدود مع لبنان وتحميل حزب الله المسؤولية عنها، وصولاً إلى التطورات الجارية في اليمن والضربات التي ينفذها الحوثيون ضد المملكة العربية السعودية واستهداف مطار الرياض وخصوصاً المعتمرين، وما يجري من تشاور دولي حول كيفية التعامل مع هذا التطور. كل ذلك يشير إلى أن ما يجري يندرج في سياق حرب كبرى يمكن أن تندلع، أو أن التصعيد القائم يمكنه أن يوصل إلى صفقة كبيرة لكنها لا تزال بعيدة جداً.
تحالف دولي
التحشيدات العسكرية الأميركية باتجاه المنطقة مستمرة. إسرائيل في حالة استنفار وتأهب تحسباً لتطورات عسكرية غير محسوبة، في إجراءاتها وتقديراتها وتسريباتها لا تزال تتحدث عن احتمال حصول العملية العسكرية ضد إيران، أما في السعودية فكل السفارات أصدرت إشارات التحذير لمواطنيها، في ظل التصعيد المستمر والذي سيعنف أكثر بين الرياض والحوثيين. في هذا السياق، يفترض أن يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة بناء على طلب السعودية للبحث بتطورات الملف اليمني والاعتداءات الحوثية على مرافق مدنية وحيوية على الأراضي السعودية بما فيها مطار الرياض ومطارات أخرى. الهدف من الجلسة الخروج بقرار تصنيف الحوثيين كتنظيم إرهابي، وبحال صدر القرار فذلك يمكن أن يمهد الطريق لتوسيع الضربات ضد الحوثيين، ولانضمام دول جديدة إلى هذه الحرب في إطار تشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، ولحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، خصوصاً أن دولاً كثيرة أعلنت سابقاً استعدادها لمساعدة السعودية على حماية الملاحة من بينها فرنسا وبريطانيا. يأتي ذلك بعد إصدار بيان من 60 دولة لحماية الملاحة ورفض فرض رسوم على عبور المضائق.
بن فرحان- عراقجي
في موازاة التصعيد المرتقب، تسعى دول كثيرة إلى التهدئة. في هذا السياق، جاء اتصال وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي بوزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان، عارضاً بذل جهود إيرانية بين السعودية والحوثيين للوصول إلى تهدئة. ولكن بحسب المعلومات فإن المكالمة الهاتفية كانت قصيرة جداً، وكان جواب الوزير السعودي بأنه على إيران أن تتواصل مع الحكومة اليمنية وليس مع السعودية. سياسياً، فإن إيران أرادت من خلال هذا الاتصال والمبادرة الدخول مجدداً إلى ساحة الخليج وأمنه، إنطلاقاً من طرحها للعب دور الوساطة وأن تصبح مشرفة وممسكة على أمن الخليج وتوازناته أيضاً. بالنسبة إلى السعودية لا يبدو أنها في وارد القبول بهذا النوع من الدور لإيران، علماً أن الرياض هي التي كانت سابقاً تقوم بدور الوسيط بين الحوثيين والحكومة اليمنية.
عروض إسرائيل
في مقابل محاولة التسلل الإيرانية. تستمر إسرائيل بمحاولات التسلل أيضاً، من خلال عرض التدخل عسكرياً ضد الحوثيين والتعاون الأمني والعسكري مع السعودية مع تقديم عروض إسرائيلية بمنظومة دفاع جوي ومساعدة استخبارية وعسكرية في توجيه الضربات، وهو الأمر الذي رفضته الرياض أيضاً. ولكن في السياق، برز موقف عالي السقف للأمير تركي الفيصل والذي غالباً ما يعبّر عن التوجهات السعودية بالإشارة إلى أن الكثير من الأسلحة والصواريخ التي يستخدمها الحوثيون لدى استهداف الأراضي السعودية تحمل الكثير من التقنيات الصينية، وهنا تطالب الرياض بكين بالكثير من التوضيحات حول كيفية وصول صواريخها وتقنياتها إلى الحوثيين علماً ان الموقف الصيني غالباً ما يتسم بالحياد، كما أن بكين هي التي استضافت الاتفاق الإيراني السعودي والذي لم يتم تطبيقه.
دور الصين
يندرج ذلك في سياق إعادة مراجعة كاملة لدى السعودية للعلاقة مع الصين، وهو ما سيكون امتحاناً جدياً في أي جلسة لمجلس الأمن ستعقد لاتخاذ قرار بشأن الحوثيين. بعد اتفاق بكين 2023، تفعلت الاتصالات السعودية الأميركية للوصول إلى اتفاق إستراتيجي، وكان الاتفاق مؤلفاً من ثلاث نقاط أساسية، اتفاق دفاعي مع حصول السعودية على أسلحة أميركية متطورة جداً، مشروع نووي سلمي، مقابل الوصول إلى اتفاق سلام مع إسرائيل ربطته السعودية بإيجاد حل للقضية الفلسطينية. حصل تقدم مع إدارة بايدن على خط الاتفاق الدفاعي، والمشروع النووي السلمي. بينما مسار الاتفاق مع إسرائيل تعثر أكثر بعد أحداث 7 أكتوبر. وفي حينها كانت السعودية تعتمد سياسة تنويع العلاقات الخارجية والموازنة في علاقتها بين الشرق والغرب، وكانت تحسب خطواتها بدقة لأنها في حال اتجهت إلى الاتفاق الدفاعي مع أميركا، فذلك سيكون مقابله الابتعاد عن الصين، وهم لم تكن تريد للصين أن تأخذ انطباعاً بأن تقاربها معها كان بهدف استدراج الأميركيين إلى اتفاق.
قطار ترامب
الآن أصبحت المعادلة مختلفة. فالجميع يعلم أن الجانب الأساسي من الحرب الأميركية على إيران وفي المنطقة أو في العالم، هدفها تطويق الصين نفطياً لتقويض مشروعها. تريد واشنطن تخيير كل حلفائها بين أن يكونوا معها أو مع الصين. هنا ستجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام لحظة اتخاذ خيار وقرار، لتأتي تطورات الملف اليمني وضرب السعودية بتقنيات صينية، دافعاً جديداً لإجراء المراجعات وحسم الخيارات. قبل أسابيع أيضاً جرى الإعلان عن الاتفاق حول المشروع النووي السلمي بين واشنطن والرياض، الأمر الذي جمده ترامب وربطه بمسار السلام والتطبيع مع إسرائيل. وهو القطار الذي يريد ترامب إطلاقه مجدداً بين السعودية وغيرها من الدول مع إسرائيل خصوصاً بعد الحرب مع إيران وإعادة رسم توازنات جديدة في المنطقة.
لبنان ليس بعيداً
إنها تحضيرات مسرح المنطقة لحرب كبرى، لن تنحصر بإيران أو الحوثيين، لبنان لن يكون بعيداً عنها. سواء على المستوى الميداني، إذا اندلعت الحرب وانخرط فيها حزب الله أو استغلتها إسرائيل لتجديد حربها وتوسيع احتلالها، أو على المستوى السياسي الداخلي خصوصاً بعد تفاعل قضية اكتشاف المتفجرات التي يتم نقلها لمصلحة الحزب، وهي تترافق مع تشديد الضغوط الدولية على لبنان لأجل اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد الحزب، أولاً من خلال استدعاء المسؤولين فيه، وثانياً من خلال تفعيل الإجراءات المتعلقة بتطبيق قرارات الحكومة حول حظر النشاط العسكري والأمني للحزب، أو حول سحب سلاحه، ما يعني أن الضغوط ستشتد وإجراءات جديدة ستكون مطلوبة على المستويات السياسية، القضائية والمالية أيضاً.