تعدّ نوفيلا فادي عزّام “سُدف” (الصادرة عن دار نوفل، 2026) من السرديات التي كُتبت بعد سقوط النظام الأسدي أو التحرّر منه! وهذا التعيين الزمني لا بدّ منه، لأنّ الحالة السورية ما زالت تتخبّط وتتشظّى في دروب سُدثفية، فما زال السؤال التالي مشروعًا: هل سقط الأسد حقًّا؟ ما نتغيّاه من هذه المقدمة هو أنّ هناك واقعًا من التضاد يحكم الواقع السوري، ككلمة “سُدف” التي تُعدّ من ألفاظ التضاد في اللغة العربية، وتعني الظلام أو النور، وأحيانًا كلاهما. هذا التضاد في الواقع والعنوان هو البنية السردية التي تقوم عليها نوفيلا عزّام، إذ لدينا خطّان سرديان، بقدر ما هما متقابلان كالذاكرة والنسيان، بقدر ما هما متمّمان أحدهما للآخر، كالحياة والموت، في بلد أنهكه القمع ومزّقته الحرب.
يبتدئ الخط الأول باستيقاظ صاحب الرقم “9313” من غيبوبة — هذا الرقم عادة ما يكون رقمًا لسجين أو جثّة — في المستشفى، يحمل آثار تعذيب شديد على جسده، وعلامات قيود على معصميه، وذاكرة ممحوة، فلا البطاقة الشخصية التي تخبره بأنّ اسمه راسم عبد الغني، ولا المرآة التي تعكس وجهه، قادرتان على تعريفه بنفسه وانتشاله من نكرة وجوده الذي وعى فيه ذاته المتفتّتة كالرمل. يخبره الطبيب النفسي بأنّ فقدان الذاكرة آلية دفاعية يلجأ إليها العقل البشري لحماية كينونته عندما يتعرّض إلى تعذيب شديد، لكنه يصمت عن مسبّب هذا العذاب! أمّا الخط الثاني، فيتّضح بعد أن يعطيه حفّار قبور يعمل في مقبرة الشهداء مخطوطًا كتبه شهيد سابق.
يخرج راسم من المستشفى إلى بيت في أطراف دمشق، غريبًا عن نفسه وتائهًا في مدينة متنكّرة لتاريخها، وقاتلة لحاضرها، ونافية لمستقبلها، تدور فيها رحى الحرب. يحاول راسم أن يجد ذاكرته، وكأنّها شيء خارج عنه، لعلّه يجد هويته فيها. وعندما يتلمّس طرف خيطٍ بأنّه أستاذ تاريخ، تتجلّى المفارقة، فما نفع التاريخ عندما تحرن الذاكرة وتصبح صخرة صلدة؟ تتبدّى حياة راسم أمامه وكأنّها حياة شخص آخر، فهو موصوم في الجامعة بخيانة النظام الأسدي، ومطلوب على الحواجز، وعندما يمرّر ناظريه على أهل دمشق، يجد أنّهم اختبروا كل النهايات المميتة، فلماذا تتمنّع عليه نهايته؟ ينكفئ على نفسه، ويجعل من بيته قوقعةً له، محاولًا قراءة حياته لا شعوريًا، وفقًا لرؤية غاستون باشلار، لكن لا المكتبة وكتبها، ولا السيديات وشرائط الموسيقى، ولا ألبومات الصور، ولا وسائط السوشيال ميديا، منحته ذاكرة المكان ليجد فيها ألف باء حياته. يسكن راسم بيتًا، جيرانه من اللاجئين بسبب الحرب، وكان أحدهم يعمل حفّار قبور في مقبرة الشهداء. وفي لحظة سكر، يصف حفّار القبور الحياة بأنّها الجحيم الحيّ، ثم يمنحه مخطوطًا مغبرًّا كتبه شهيد سابق، يعود تاريخه إلى القرن العشرين بدون تحديد عام بعينه. يجد راسم في المخطوط سلواه الوجودية، فينغمس فيه حتى الغرق، قارئًا كلماته غير المنقّطة، متعرّفًا على لغة “السُهاد” التي يتكلّمها أهل القبور؛ لغة من الأرق والقلق، ذات جذور سامية وعربية، تُحسّ معاني كلماتها من إيقاعها وطريقة لفظها، فهي غريبة عن لغة الأحياء وعن القاموس اللغوي السائد. لغة وُجدت لينسى الموتى كل ما يربطهم بالحياة، لأنّ الحنين إليها هو طاعون عالم الأموات. يسرد المخطوط حياة الشهيد السابق في المقبرة، وكيف يصبح الجسد وليمة للدود، وتغدو الروح انتظارًا أبديًا. تبدأ حياة راسم بالاندماج مع حياة الشهيد السابق، وكأنّه يجد في سيرة موته استعارة تصلح لأن يرتق بها نسيج ذاكرته المهترئ، فما دامت الحياة لم تمنحه ذاكرة يتماهى فيها، فلماذا لا يذوب في ذاكرة الموتى؟
تشكّل المقبرة في نوفيلا عزّام مرآة تعكس الحياة على سطح الأرض؛ فهناك الحكماء الذين يعاقبون الموتى المتمرّدين بالمرايا، ليروا كيف تتحلّل أجسادهم ويأكلها الدود، فيذهلوا عمّا مضى وينسوا حياتهم السابقة، كما حدث لراسم. وفي المقبرة يوجد جنرالات، تزداد النياشين على صدورهم كلّما ازداد عدد الشهداء. أمّا الأطفال الموتى، فلكي يهدأ بكاؤهم، تحتضنهم أشجار ذات أثداء كثيرة تنمو في المقبرة، لكن أسرّتهم تفوح منها رائحة البول، فمن يستطيع أن يسلب الأطفال حريتهم في كسر التابوهات؟ وفي احتفالات السادس من أيار/ مايو، عيد الشهداء، يُجلد الموتى بالخطابات الرنّانة، بينما تجول إحدى يدي الجنرال على رأس ابن الشهيد، فيما تتحسّس يده الأخرى ظهر الزوجة الثكلى. تزداد الفوضى في مقبرة الشهداء، فيختلط الحابل بالنابل، بعد دخول البلاد نفق الحرب بين النظام والمعارضة، التي تشعّبت إلى حروب عديدة بأسماء وصفات مختلفة، فأصبحت كلمة “شهيد” مشكوكًا بأمرها وغير متيقّن منها، ما دام الذين يموتون من أبناء الوطن في حربهم مع أبناء الوطن أصبحوا يصنّفون بين شهيد، وقتيل، وفطيسة، وضحية أضرار جانبية.
هكذا تدور رحى وقائع النوفيلا بين حياة راسم وحياة الشهيد السابق، التي أخذت تستحوذ على المشهد مع تقدّم السرد، حتى إنّهما يأتلفان، فلا يعود للخطّين السرديّين اللذين تضادّا في البداية سوى ألفة تهدم العكوس بينهما وتزيل الاختلاف والتباعد، حتى يكادان يصبحان شخصية واحدة؛ الحي يبحث عن ذاكرة الميت ليستعيرها، والميت يستجدي جسد الحي ليكمل موته، فكلاهما يحكمهما نقص أبدي. وهذا الواقع لم يكن يخصّ راسم والشهيد السابق، وإنّما كل شخصيات النوفيلا، حتى حكماء المقبرة الذين توحي سرديتهم بأنّهم من الشهداء الأوائل في تأسيس الوطن السوري، ولم يتلوّثوا بعد، ينسحبون من المشهد بعد أن تختلط الأوراق، فالموتى الجدد الوافدون إلى المقبرة، من قصف البراميل، ومن تشظّي انفجارات مدافع جرار الغاز، ومن غزوات تنظيم داعش، وبسبب استنساخ النظام والمعارضة أساليب بعضهما بعضًا في القمع والعنف، لم يبق لأهل المقبرة الأقدمين إلّا أن ينزحوا منها ليصبحوا أشباحًا لاجئين في دمشق. وفي هذا البرزخ الجحيمي بين الأحياء والموتى، تحدث لحظة التحرير كوعد سماوي، فيعانق الموتى الأحياء، والأحياء الموتى، وحتى البوابة السماوية التي انتظر أهل المقبرة طويلًا أن تفتح، بعد أن تأبّدوا بالمطهر حتى تسرمدوا، بدأت تصدر أزيزًا من أمل طال انتظاره. لكن، وكأنّ الشعوب والثورات على موعد مع الخيبات، فما إن خرج الأحياء من بيوتهم والموتى نسلوا من قبورهم، حتى وصلت “ميليشيات الإله” واحتلّت المشهد، والقصر في أعلى الجبل توهّج بالولائم، عندما ظُنّ أن الموت هرب خارج البلاد.
في هذا المنعطف السردي الحاد، تبلغ ألفة التضاد ذروتها؛ فالتحرير الذي بدا كلحظة فاصلة بين عالمين لم يستطع أن يمحو آثار النظام السابق، بل حتى إنّه أخذ باستنساخه يومًا بعد يوم. هكذا وجد الموتى الذين عانقوا الأحياء أنفسهم أمام موت جديد، بينما واجه الأحياء الذين استعاروا من الموتى ذاكرتهم خطر فقدانها مجددًا. ومن هذه الرؤية السردية تتجلّى المقبرة في هذا السياق كسجلٍ مضادٍ للتاريخ الرسمي؛ فهي تحفظ أسماء من حاولت السلطة — السابقة واللاحقة — محوهم، وتكشف كيف تتحول الشهادة إلى خطاب ارتزاقي، ثم إلى مادة للصراع على الشرعية والذاكرة. إنّ اختيار راسم أستاذًا للتاريخ يمنح تأويل النوفيلا مفتاحًا، فالرجل الذي يفترض أن يملك أدوات قراءة الماضي يفقد ذاكرته الشخصية. وما يفتحه المخطوط أمامه هو تاريخ مواز مكتوب من جهة ذاته الميتة، حيث تتعرّى الشعارات من كذبها، حتى إنّ كلمة “التحرير” التي كتبها عزّام أو راسم أو الشهيد السابق بهذه الهيئة: “التحر….ير”، كان يُقصد بها أنّ هذا التحرير وُلد مجتزأً، ككل الأشياء في هذه البلد التي تحيا في برزخية دائمة بين الوجود والعدم والأمل واليأس.
في “سُدف”، تتعانق الذاكرة والنسيان، والحياة والموت، والتحرير والخيبة، في مشهد سوري تتبدّل فيه الأسماء وتبقى الجثث، حيث يغدو عنوان النوفيلا مفتاحًا وقفلًا في آنٍ واحد، فالظلام قد يحمل في داخله خيطًا من نور، والنور نفسه قد يكشف عن خراب مستور. وبين هذين المعنيين تتحرّك شخصيات السرد، معلّقة بين رغبة استعادة الحياة والخوف من أن تعيد الحياة إنتاج الموت. تشي سردية النوفيلا بأنّ صاحب المخطوط هو راسم، وأنّ راسم هو الشهيد السابق الذي مات تحت التعذيب، وهذا السرد الذي حوته النوفيلا كان قد خُلق في اللحظة التي أضاء فيها فلاش الكاميرا ليلتقط الرقم “9313” على جبهة راسم الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة في زنزانة التعذيب، فانقسم على نفسه بين وعي راغب في الموت وجسد رافض له، وفيما بينهما مضت السُدف تقتفي آثار الذين دُفنوا في المقابر الجماعية التي استحدثها النظام، لكن كم من مقابر لأطراف الصراع الأخرى دُفن فيها شهداء سابقون من دون رقم تعريف؟
تنتهي الرواية إلى صورة بلد لم يعد يُتنازع على حاضره بقدر ما يُتصارع على ماضيه ومستقبله، فهناك ذاكرة تريد أن تستعيد أسماء الضحايا كلّهم والجلادين كلهم، وهناك ذاكرة تنتقي ما تريد أن تتذكره وفق مصالحها، وبينهما يقف راسم، الذي بدأ رحلته الوجودية رقمًا بلا اسم، ليجد نفسه في النهاية جزءًا من حكاية بلد لم تُكتب خاتمته بعد؛ لأنّ المقبرة ستظل، بما تحتويه من أجساد وأصوات ومخطوطات، شاهدة على أنّ مصير الموتى لا ينفصل عن مصير الأحياء، وأنّ باب الخلاص سيظل مغلقًا ما دامت البلاد عاجزة عن منح موتاها مكانًا يليق بهم، وأحياءها ذاكرة يستطيعون السكن إليها.
* كاتب من سورية.