ترجمة: سارة حبيب
[الأفلام التي تنبأت بالفاشية]
في 15 نيسان/ أبريل عام 1941، تسلّلت السفينة البخارية الصغيرة “نياسا” (Nyassa) خارجةً من لشبونة، وهي تحمل 816 لاجئًا، أي ما يعادل تقريبًا ضعفي سعتها القانونية التي تبلغ 457 شخصًا. وكان من بين هؤلاء زيغفريد كراكاور، المحرر السابق في مجال الأدب والسينما في صحيفة “فرانكفورتر تسايتونغ/ Frankfurter Zeitung”، وزوجته ليلي، اللذين قضيا سنوات في حالة فرار دائم. فقد هربا من ألمانيا إلى باريس بعد يوم من حريق الرايخستاغ (مبنى البرلمان الألماني)، وكابدا المنفى، واعتُقلا مرتين في فرنسا، قبل أن يجتازا في نهاية المطاف مراحل البيروقراطيةَ المستميتة للحصول على التأشيرات، والإقرارات القانونية، والعبورَ عبر إسبانيا والبرتغال لمغادرة أوروبا. كانت الظروف على متن سفينة نياسا “مزرية”. وبعد عشرة أيام، رست في مرفأ بروكلين.
كراكاور، لكونه شهد عن كثب انهيارَ ديمقراطية فايمار وتوطيد السلطة النازية، وصل إلى الولايات المتحدة حاملًا سؤالًا شخصيًا للغاية ومن شأنه أن يشكّل عمل حياته: كيف لمجتمع مثقف وحديث أن يصل إلى حد اعتناق البربرية؟
وجدت ليلي لهما شقة في المبنى رقم 56 في الشارع الخامس والسبعين غربًا، على بعد مسافة قصيرة سيرًا على الأقدام من مقر عمل كراكاور الجديد كـ”مساعد خاص” لآيريس باري؛ القيمة القديرة على المكتبة الأسطورية للأفلام في متحف الفن الحديث. وبتمويل من منحة مؤسسة روكفلر البالغة 2000 دولار، أمضى كراكاور سنة في البحث في أفلام البروباغندا الألمانية، وهو يعرض النسخ السينمائية، ويدوّن ملاحظاته سريعًا في الظلام. وامتدت السنة إلى ست، إذ بدأ يطور تاريخًا شاملًا للسينما الألمانية.
ومن ذلك الانضباط، أتت أطروحة كراكاور: لكي نفهم كيف انجرف مجتمع ما نحو السلطوية، كان لزامًا علينا أن ننظر في أرشيف علم النفس الجمعي الخاص به، حيث تُختزن هواجسه. ففي غرفة العرض السينمائي، ظهرت أنماط مكررة ــ شخصيات السلطة والخضوع، والبارانويا والسيطرة ــ بدا أنها تتنبأ بالواقع السياسي القادم. وكتاب “من كاليغاري إلى هتلر” كان محاولة كراكاور لتعليمنا أن نرى هذه الأنماط.
ولد كراكاور عام 1889 في فرانكفورت لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة، وتدرب كمهندس معماري حتى الحرب العالمية الأولى التي تحول بعدها إلى مجالي الصحافة والنقد. وفي صحيفة “فرانكفورتر تسايتونغ”، إحدى الصحف الليبرالية الرائدة في تلك الفترة، أصبح شخصية محورية في حلقة ارتبطت لاحقًا بمدرسة فرانكفورت. وكان من بين معارفه الأصغر سنًا تيودور أدورنو الذي تذكر لاحقًا أن كراكاور هو من علمه كيف يقرأ كانط.
تشكّل نقد كراكاور في فترة فايمار بفعل تيارات تمتد من الفينومينولوجيا (الظاهراتية) إلى الماركسية. لكن خطوته المميزة كانت في انتقاله من الفلسفة العالية إلى التافه ظاهريًا. ففي المقالات التي جمعها في كتابه “زخرفة الجماهير”، وفي دراسته الاجتماعية “الجماهير المأجورة”، ناقش أن الحياة الحديثة لا تكشف عن نفسها في السرديات الرسمية، بل في مظاهرها السطحية ولا وعيها: أوقات الفراغ، وروتين المكاتب، والاستعراضات الراقصة، وتصميم حركات الحشود. والثقافة الجماهيرية مهمة لأنها جماهيرية؛ صيغها، وتكرارها، وتفاهاتها لم تكن عيوبًا يجب التغاضي عنها، بل أدلة يجب قراءتها.
نشأت صداقة بين كراكاور وفالتر بنيامين وتشاركا المسعى إلى الإحاطة بالثقافة الجماهيرية وفهمها. وكلاهما رأى تشارلي تشابلن بوصفه ناقدًا عرَضيًا للسلطة، إذ فضح القسوة الحديثة من خلال الإيماءات والمحاكاة الساخرة. بنيامين، الذي كان يفر من أوروبا التي احتلها النازيون مثل كراكاور، توفي منتحرًا في أيلول/ سبتمبر عام 1940 بعد أن مُنِع من العبور عند الحدود الإسبانية. وهذه خسارة حطمت كراكاور، وحدثت قبل شهر واحد من صدور فيلم “الديكتاتور العظيم/ The Great Dictator”؛ هجاء تشارلي تشابلن العظيم المناهض لهتلر. وهكذا، فإن الرؤى التي تتبعها الاثنان في الثقافة الشعبية اتخذت أخيرًا شكلًا ملحًّا على الشاشة، لكن بعد فوات الأوان لكي يراها بنيامين.
عندما هرب كراكاور من أوروبا، لم يكن يحمل معه الرضة النفسية فحسب، بل كذلك قناعة بأن الثقافة قادرة على تقديم تحذيرات مبكرة من الكوارث السياسية. وفي منفاه في الولايات المتحدة، شرع في تتبع خيط يمتد من التعبيرية في حقبة فايمار إلى الظروف النفسية التي مكنت من ظهور الرايخ الثالث. فإذا كان ذلك قد حدث في ألمانيا، من يمكنه القول إنه لا يمكن أن يحدث في الولايات المتحدة؟ وبينما كان يعمل في نيويورك على كتاب “من كاليغاري إلى هتلر”، كان ما لا يمكن تصوّره يتفشى في أوروبا بمدى لا يسبر غوره. وفي عام 1942، علم كراكاور أن والدته وخالته قد رُحِّلتا إلى معسكر تيريزينشتات، ومن ثم “إلى بولندا”، حيث قُتلتا، غالبًا في معسكر أوشفيتز، أو تريبلينكا، لكنه لم يعرف قط أين بالتحديد.
بعد ذلك، جاءت مقالة حاسمة كتبها في أثناء دراسته لبكرات الأفلام الألمانية في متحف الفن الحديث (MoMA) لتوجه منهجه نحو الحاضر ونحو موطنه الجديد. ففي مقالته “أفلام الرعب في هوليوود: هل تعكس حالة ذهنية أميركية؟” (1946)، حذر كراكاور من أن “نوع الرعب الذي كان يُعزى سابقًا إلى الحياة في ظل حكم هتلر فحسب… أصبح الآن مألوفًا في المشهد الأميركي”، وأن هذا الأمر كان “أكثر من مجرد شيء عَرَضي”. ففي مناقشته لأفلام مثل “الزاوية المظلمة/ Dark Corner” عام (1946) لهنري هاثاواي؛ و”نهاية الأسبوع المفقودة/ Lost Weekend” عام (1945) لبيلي وايدلر؛ و”الغريب/ The Stranger” عام (1946) لأورسن ويلز، و”مصباح الغاز/ Gaslight” عام (1944) لجورج كيوكور؛ وأفلام هيتشكوك: “الارتياب/ Suspicion” عام (1941)، و”ظلال من الشك/ Shadow of a Doubt” عام (1943)، و”المسحورة/ Spellbound” عام (1945)؛ وحتى فيلم ديزني “الفرسان الثلاثة/ The Three Caballeros” عام (1944)، لاحظ كراكاور أنه يوجد بشكل أو بآخر “تقاربٌ حقيقي ودائم بين السادية والفاشية”، واقترح أن “الطاقات السادية” التي تسري في المجتمع الأميركي قد تكون “ملائمة على وجه الخصوص لتشكّل وقودًا للفاشية”. وفي غضون عام واحد، كانت الحقبة المكارثية قد بدأت.
| في كتابه “من كاليغاري إلى هتلر: تاريخ نفسي للسينما الألمانية” (1947)، أتم كراكاور أخيرًا قراءته لسينما فايمار بوصفها نوعًا من الأرشيف النفسي |
في كتابه “من كاليغاري إلى هتلر: تاريخ نفسي للسينما الألمانية” (1947)، أتم كراكاور أخيرًا قراءته لسينما فايمار بوصفها نوعًا من الأرشيف النفسي، متتبعًا خيطًا يمتد من شخصيات السلطة المعذبة فيها وعوالمها المشوهة، وصولًا إلى استعداد متزايد للحكم السلطوي. وقد طرح كراكاور منطقه في عبارته الشهيرة: “إن أفلام أي أمة تعكس عقليتها بطريقة أكثر مباشرة من الوسائط الفنية الأخرى لسببين. أولًا، الأفلام ليست أبدًا نتاج فرد واحد… ثانيًا، الأفلام توجه خطابها إلى حشود مجهولة، وتحتكم إليها. ولذلك، يمكن الافتراض أن الأفلام الرائجة ــ أو، لنكنْ أكثر دقة، موتيفات الشاشة الرائجة ــ تلبي رغبات جماهيرية قائمة”. والأفلام، كما يناقش، تسجل “نزعات نفسية”، مثل الخوف من الفوضى، والتوق إلى السيطرة، والانجراف نحو الخضوع.
الفترة المبكرة من السينما الألمانية، الممتدة تقريبًا من 1895 إلى 1918، أنتجت أفلامًا تعاملت مع الأساطير والخرافات على أنها كوابيس؛ نُذُر شؤم. وأحد الأمثلة الرئيسية هو فيلم “طالب براغ/ The Student of Prague” عام (1913)، الذي أنتجه بول فيغنر، وفيه يبيع رجل انعكاسه في المرآة ويدمره قرينه؛ وهي قصة أدخلت إلى السينما ما يدعوه كراكاور هوسًا دائمًا بالذات المنقسمة. وثمة مثال آخر هو فيلم “الغولم”/ The Golem (1915)، هذه المرة من إخراج ويغنر، وهو يروي قصة تمثال من الطين بُعثت فيه الحياة ليدافع عن الغيتو اليهودي (حي اليهود) في براغ العصور الوسطى، لينتهي به الأمر وهو يوشك على تدمير ذلك الغيتو. تتنبأ هذه الأفلام، مجتمعةً، بمخاوف نفسية حديثة؛ انقسام الهوية، الطموح، ومخاطر خلقِ قوى تفلت من السيطرة.
أما فترة ما بعد الحرب في السينما الألمانية، الممتدة تقريبًا من عام 1918 إلى 1924، فقد عكست مجتمعًا هزته الهزيمة، والاضطراب، وانعدام يقين عميق إزاء السلطة والنظام. ولجأ صناع الأفلام في هذه الفترة إلى السرد النفسي ذي الأسلوب ــ وهو ما بات يُعرف بالتعبيرية الألمانية ــ من أجل تسجيل ضروب القلق هذه، مسقطين الاضطراب الداخلي على الشاشة. والفيلم المحدِّد لهذه الفترة، “كابينة الدكتور كاليغاري/ The Cabinet of Dr. Caligari” (عام 1920) للمخرج روبرت فينه، بديكوراته المدببة، وحبكته الكابوسية، يروي حكاية منوم مغناطيسي يتحكم بشخص يسير في نومه ليحمله على ارتكاب جرائم قتل. ويصور الفيلم عالمًا من القوة الخفية والواقع المتزعزع، حيث يُختَزل الأفراد إلى أدوات، وتنهار الحدود بين العقل والجنون؛ وهو ما يدعوه كراكاور “الروح في أثناء عملها”، كاشفًا عن نفسية جمعية عالقة بين الفوضى والخضوع. “كاليغاري هو نذير شؤم محدَّد للغاية، بمعنى أنه يستخدم قوته التنويمية لفرض إرادته على أدواته؛ وهي تقنية تنذر، في مضمونها وغايتها، بذلك التلاعب بالروح الذي كان هتلر أول من مارسه على نطاق هائل”.
وفي جوهر هذا الفيلم، يكمن ما رآه كراكاور بوصفه هوسًا بالطغيان؛ الهوس الذي أطلق عليه اسم “موكب الطغاة” عند تطبيقه على أفلام أخرى من الفترة ذاتها: “الدكتور مابوزه المقامر/ Dr. Mabuse the Gambler” (عام 1922) للمخرج فريتز لانغ، وهو يدور أيضًا حول مجرم محترف ومنوم مغناطيسي؛ وسمفونية الرعب “نوسفيراتو/ Nosferatu” (عام 1922) للمخرج ف. ف. مورناو؛ وفيلم مورناو الآخر “الضحكة الأخيرة/ The Last Laugh” (عام 1924)، حيث يؤخذ من بواب فندق عجوز زيّه الرسمي الذي يستمد منه سلطته بالكامل، والذي هو رمز يربط البواب بالنظام الاجتماعي الذي يقدسه، فينهار العجوز إلى حالة من الإذلال والإشفاق على الذات، منبوذًا من الأشخاص ذاتهم الذين كانوا يومًا يبجلونه. “لن يتبقى للرجل العجوز البائس ما يتطلع إليه سوى الموت”، تقول بطاقة العنوان الوحيدة للفيلم، في جزء منها.
ثم، خلال فترة الاستقرار في سينما فايمار ــ الممتدة تقريبًا من عام 1924 إلى 1929 ــ ابتعدت السينما الألمانية عن التشوه التعبيري لتتجه نحو واقعية أكثر برودًا عُرفت لاحقًا باسم “الموضوعية الجديدة”. فالمزاج كان قد تغير: التضخم استقر، والمدن توسعت، واتجه صناع الأفلام إلى نُسُج الحياة المدنية الحديثة. لكن، تحت هذا الهدوء السطحي، كان يكمن تركيز على الانقسام الطبقي وتوترات الرأسمالية الصناعية، وهو ما تجسد في فيلم “متروبوليس/ Metropolis” (عام 1927)؛ رؤية لانغ لمدينة مستقبلية منقسمة بين نخبة متألقة في الأعلى وقوة عاملة مضطهدة في الأسفل. وهو يصور مجتمعًا مبنيًا على استغلال خفي، حيث يستند الازدهار على عمالة اختُزلت إلى عبودية آلية.
أما الأعوام بين 1930 إلى 1933 فتشكّل ما دعاه كراكاور “فترة ما قبل هتلر” التي لم يعد ممكنًا فيها تجاهل الأزمة السياسية للجمهورية. فقد تخلت أفلام هذه الفترة عن المجاز التعبيري وحياد “الموضوعية الجديدة”، لتصوّر بدلًا من ذلك مجتمعًا يستحوذ عليه الخوف، والشك، والتدهور الأخلاقي. وقد رأى كراكاور هذه الأفلام بوصفها بورتريهات لديمقراطية في حالة انهيار تام.
في فيلم “الملاك الأزرق/ The Blue Angel” (عام 1930) للمخرج جوزيف فون شتيرنبرغ، يقع أستاذ مدرسة ثانوية مستبد في حب نجمة الملهى الليلي لولا لولا، التي جسدت دورها مارلينه ديتريش، فيفقد وظيفته، وينتهي به الأمر بالعمل كمهرج في فرقة لولا لولا. “إن الجماهير تنجذب على نحو لا يقاوم إلى الفرجة على التعذيب والإذلال”، حذّر كراكاور. و”قسوتها السادية تنتج عن عدم النضج ذاته الذي يجبر ضحيتها على الخضوع. ويبدو الأمر كما لو أن الفيلم كان ينطوي على تحذير، لأن هذه الشخصيات على الشاشة تتوقع ما سيحدث في الحياة الواقعية بعد بضع سنوات. فالصبيان ولدوا ليكونوا من شبيبة هتلر، وجهاز صياح الديك هو مساهمة متواضعة في مجموعة من الوسائل المشابهة، وإن كانت أكثر ابتكارًا، التي استُخدمت بكثرة في معسكرات الاعتقال النازية”.
| أفلام من حقبة ما بعد النازية الهتلرية تحذر من تكرار نشوء نازية جديدة |
كذلك، من الأفلام المحدِّدة الأخرى لهذه الفترة فيلم “إم/ M” (عام 1931)، أيضًا من إخراج لانغ، وهو يروي قصة قاتل أطفال تطارده الشرطة، والمجرمون، والمواطنون العاديون على السواء. والمجتمع فيه ينتظم في شبكة رقابة غير رسمية، حيث السلطة في كل مكان وليست في أي مكان كذلك. ومع تآكل الثقة بالمؤسسات، يزداد استعداد الشعب لتجاوز القانون. وتأتي المحكمة الجنائية التي شكلتها العصابات في ذروة الأحداث لتفضح مجتمعًا يتمرن على العدالة السلطوية، مدفوعًا بالذعر لا بالمبادئ.
في النهاية، يصرّ كراكاور على أن “العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية لا تكفي لتفسير التأثير الهائل للهتلرية”. ويضيف: “كثير من الألمان المراقبين للأحداث رفضوا حتى اللحظة الأخيرة أخذ هتلر على محمل الجد، وحتى بعد صعوده إلى السلطة رأوا أن النظام الجديد مغامرة عابرة”. غير أن أفلامًا مثل “الملاك الأزرق”، و”إم”، تروي القصة: “في أعقاب التقهقر، تصبح الانفجارات السادية المروّعة أمرًا حتميًا. وكلا الفيلمين يمسان الحالة النفسية لتلك السنوات الحاسمة، وكلاهما يتوقع ما كان سيحدث على نطاق واسع، ما لم يتمكن الناس من تحرير أنفسهم من الأشباح التي تطاردهم”.
لقد كان كراكاور، قبل كل شيء، مُشخِّصًا. فماذا يحدث إذا وجهنا منهجه نحو السينما الأميركية اليوم؟ وبالنظر إلى الوراء، من صعود ترامب وحتى اليوم، أي أنماط ستظهر إذا تعاملنا مع الأفلام الأميركية كدلائل على التيارات الأعمق التي تشكّل الحياة السياسية؟
إن المقابل الحديث للفترة المبكرة عند كراكاور يمكن أن تتبدى ملامحه في أفلام مثل “طريق مولهولاند/ Mulholland Drive” (عام 2001)، و”ستسيل الدماء/ There Will Be Blood” (عام 2007)، و”فارس الظلام/ The Dark Knight” (عام 2008)، التي تستنطق المخاوف الدائمة حول الهوية، والطموح، والسلطة بطرق جريئة. وتجد شخصية الغولم ــ الحامي الذي يجازف بأن يصبح خارجًا عن السيطرة ــ صدى واضحًا في شخصية باتمان في فيلم “فارس الظلام”، الذي استُدعي لاستعادة النظام. لكن قواه تضعه خارج القانون، ما يطرح السؤال ذاته الذي طُرح قبل قرن: ما الذي يحدث عندما تتحول القوة التي من المفترض أن تنقذ المجتمع إلى قوة لا يعود في وسع المجتمع أن يحتويها؟
فيلم “اخرج/ Get Out” (عام 2017) هو النظير الحديث للحظة ما بعد الحرب، وهو مثل فيلم “كاليغاري” يتمحور حول التنويم المغناطيسي، والهيمنة، ونوع من النوم ــ اليقظة. ففي كلا الفيلمين، يمارس منوم مغناطيسي محترف سيطرةً تجرد الأفراد من الفاعلية: سيزار يمشي في نومه تحت إمرة كاليغاري، بينما في “اخرج”، يُخضع الأسياد البيض الضحايا السود ويقودونهم إلى “المكان الغائر”؛ إنهم يبقون واعين، لكن يصبحون عاجزين في ظل نظام اجتماعي مفروض. ويكمن الرعب في هذه السلبية القسرية ــ حالة يكون المرء فيها قادرًا على الرؤية لكن لا يملك القدرة على الفعل ــ كاشفًا عن أنظمةِ سيطرةٍ لا تعمل من خلال العنف العلني، بل من خلال هيمنة نفسية تجعل المقاومة مستحيلة.
أما فترة “الموضوعية الجديدة” فتظهر في أفلام تواجه الأزمات بوضوح صارم. ففيلم “الجوكر/ Joker” (عام 2019) يردد صدى فيلم “الضحكة الأخيرة”: يسعى آرثر فليك للحصول على الاعتراف، لكنه لا يجد سوى الإذلال، وهو ما يتفجر في صورة تدهور اجتماعي واسع. أما فيلم “الطفيلي/ Parasite” (عام 2019) فيعود أيضًا إلى البنية المعمارية لعدم المساواة. وهو مثل فيلم “متروبوليس”، يعرض الانقسام الطبقي في شكل انفصال مكاني ــ الثروة في الأعلى، الفقر في الأسفل ــ، ويُظهر كيف أن المجتمع الذي يبدو مستقرًا يخفي انقسامات عميقة وأسسًا متزعزعة.
أما مزاج فترة ما قبل هتلر الذي التقطه فيلم “إم” فيجد صدى في أفلام مثل “حرب أهلية/ Civil War” (عام 2024)، و”معركة تلو الأخرى/ One Battle After Another” (عام 2025)، فلم يعد الصراع يظهر هنا كأزمة موقتة، بل كحالة دائمة؛ وتصبح السياسة سلسلة لا نهائية من المواجهات بدلًا من كونها نظامًا قادرًا على تقديم الحلول. ومثل فيلم “إم”، تتخيّل هذه الأفلام عالمًا من المعايير المتآكلة والعنف المنتشر في المحيط. وتحذير كراكاور، العابر للعقود، لا يقول إن مثل تلك النتائج حتمية، بل إنه عندما يبدأ مجتمع ما بتطبيع هذه الأجواء، فإنه يصبح أكثر عرضة للتأثر بوعود الديماغوجيين، وبالصراعات التي تلي ذلك.
قد لا يبدو القول بإن الأفلام تحمل في طياتها “نزعات نفسية” أمرًا صادمًا اليوم، لكنْ لم يفكر أحد بهذه الطريقة في ذلك الوقت، ومقاربة كراكاور الجديدة في النقد قوبلت باستهزاء شديد في حينها. ففي نهاية المطاف، هو لم ينشر “من كاليغاري إلى هتلر” عام 1933، بل في عام 1947. فقد كتبه خلال الأربعينيات، ليس بوصفه نبيًا، بل لأجل إعادة بناء نمط بعد وقوع الحدث؛ أي بعد سنوات من استيلاء هتلر على السلطة، وبينما كانت إبادة يهود أوروبا جارية. وهكذا، كان في وسع كراكاور أن يختار الأفلام، ويبرزها، ويربط في ما بينها في ضوء ما علم أنه قد حدث بالفعل، متتبعًا خيطًا قد يبدو حتميًا عند النظر إليه بأثر رجعي.
وقد ناقش النقاد بأن كتاب “من كاليغاري إلى هتلر” يخاطر بالوقوع في “انحياز التأكيد”. والخطر ذاته ينطبق على أي محاولة لتطبيق منهج كراكاور على الأفلام الأميركية الحديثة: نحن أيضًا يغرينا أن نرى أنماطًا تؤكد ما نشك فيه سلفًا. وعلى أية حال، فإن صعود الميول السلطوية لم يكن خافيًا. فلم يكن المرء في حاجة إلى السينما وحدها لتسجيله؛ الخطاب السياسي، والبيئات الإعلامية، والحياة العامة قد جعلت الإشارات لا تخطئها العين.
غير أن تطبيق منهج كراكاور على السينما المعاصرة لا يزال يثمر عن نتائج قيّمة. فقد كان من بين أوائل من تعاملوا مع الأفلام على أنها أعراض اجتماعية، لكننا اليوم نفعل ذلك طوال الوقت. في الحقيقة، ما كان يحث عليه كراكاور هو مواصلة القيام بذلك؛ أن ندرب عيوننا باستمرار، ومن دون انقطاع، على قراءة الإشارة ورؤية الأنماط. “لدي ما يدعو للاعتقاد بأن استخدام الأفلام هنا بوصفها وسيلة للبحث يمكن توسيعه على نحو مثمر ليشمل دراسات السلوك الجماهيري الحالي في الولايات المتحدة، وغيرها من الأماكن”، كتب كراكاور في مقدمة كتاب “من كاليغاري إلى هتلر”. “وأعتقد أيضًا أن دراسات من هذا النوع يمكن أن تساعد في التخطيط لأفلام ــ ناهيك عن غيرها من وسائل الاتصال ــ من شأنها أن تطبق بفاعلية الأهداف الثقافية للأمم المتحدة”.
عبر مختلف أنواعها، تطلق الأفلام الأميركية اليوم تحذيرات صارخة من فشل أسلوب المهادنة؛ الشعور بأن الصراع لا يمكن استيعابه، بل تأجيله فحسب إلى أن ينفجر. وتشير أفلام عامي 2024 و2025 إلى انعدام الثقة شبه التام بقدرة الأنظمة الديمقراطية على إدارة التناحر من دون أن تنهار. وما كان كراكاور ليسأل إن كانت هذه الأفلام “تدور حول” السلطوية. لكنه كان ليسأل عما تفترضه: عما إذا كانت الديمقراطية تبدو مرنة أم أنها سلفًا منقوصة، وعما إذا كانت الكارثة تبدو أمرًا استثنائيًا، أو حتميًا؟
ما يهم حقًا، بالتالي، هو كيفية استجابتنا. فكراكاور لا يقدم نبوءة يكون القدر فيها ثابتًا، وتتلاشى الفاعلية؛ إنه يقدم تشخيصًا. والتشخيص يستدعي العلاج، لا الاستسلام. والأفلام التي درسها كشفت عن توق واسع إلى النظام، والخضوع، والهروب من عدم الاستقرار الديمقراطي. فإذا كان في الإمكان تحديد ضروب التوق هذه باكرًا بما فيه الكفاية، فربما أمكن أيضًا مواجهتها، قبل أن تتصلب متحولة إلى واقع سياسي.
وثمة شيء يكاد يكون تفاؤليًا بصورة مؤثرة في احتكامه إلى “الأهداف الثقافية للأمم المتحدة”. فبعد كل ما شهده، ظل كراكاور مؤمنًا بأن وسائل الإعلام الجماهيري يمكن توجيهها نحو بناء عالم أكثر استقرارًا وسلامًا. وذلك الإيمان يُقرأ اليوم كواحد من أكثر أجزاء مشروعه لفتًا للنظر.
قد يكون الصراع ثيمة متكررة على الشاشة. أما فيما إذا كان سيصبح مصيرًا محتومًا خارج الشاشة في الولايات المتحدة فهو أمر لم يُحسم بعد. وإجابة كراكاور كانت متواضعة ومتطلبة في الآن ذاته. فقد كتب قائلًا: “لا يمكن طرد الخوف إلا من خلال بذل جهد متواصل لاختراقه وتبيان أسبابه”. والمهمة هي فهم ما تكشف عنه مخاوفنا. لقد تخيل أفلامًا لا تعرض الانهيار فحسب، بل المقاومة كذلك؛ أعمالًا من شأنها أن تُظهر “مبادئ النزاهة الإنسانية في صراعها مع عالم مختل”، بوصفها قوى إيجابية تعادل القسوة والعنف. مع ذلك، حتى هو أقرّ بأن السينما وحدها ليس في وسعها تقديم تلك المبادئ؛ إن بوسعها أن تعكسها فحسب. وأما حقيقتها فيجب أن تُثبت في الحياة الواقعية.
***
(*) جيمي سو: ناقد أدبي وسينمائي أميركي. محرر لدى دار النشر “كولومبيا غلوبال ريبورتس”، ويعمل مدرّسًا في كلية كولومبيا العليا للصحافة. حاز على “الجائزة الوطنية للمجلات في أميركا”.
رابط النص الأصلي:
https://newrepublic.com/article/213453/films-foretold-fascism