موقع درج..
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لفت صحافيون إلى أنهم أثناء قيامهم بإجراء تحقيقات ميدانية، وجدوا أن عبارة “لا نملك مالاً” هي الأكثر تداولاً على ألسنة المواطنين في العاصمة طهران..
يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متزايدة نتيجة الحرب والعقوبات والقيود المفروضة على العمليّات التجارية، وقد وصلت هذه الضغوط إلى أعلى مستوياتها نتيجة الحصار البحري الأميركي المطبق على الموانئ الإيرانية منذ نيسان/ أبريل الماضي.
فقد تمكّن الحصار في أسبوعيه الأوّلين، من حرمان إيران من 4.8 مليارات دولار من عائدات النفط، بينما انخفض حجم التجارة في البلاد بنسبة تتراوح ما بين 25 و35 في المئة، وتأثّرت الواردات أكثر من الصادرات، وبلغ معدّل البطالة 9.1 في المئة، وانخفض عدد العمّال بنحو 450 ألفاً مقارنة بالعام الماضي، وفقاً لإحصاءات صادرة عن مراكز رسمية إيرانية.
ومن نتائج الحصار أيضاً، انخفاض عائدات النقد الأجنبي، وهذا بدوره أدّى إلى زيادة الطلب على الدولار والعملات الأجنبية والذهب، فتجاوز سعر الدولار الأميركي هذا الأسبوع حاجز 270 ألف تومان، بينما قفز سعر صرف اليورو إلى 305، وهبطت قيمة العملة الوطنية إلى نسبة قاربت 31 في المئة، ممّا ضرب محاولات النظام ومناوراته للالتفاف على العقوبات، وتركه أمام معادلة موارد قليلة لتغطية تكاليف باهظة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، عمد البنك المركزي الإيراني إلى ابتكار أدوات بديلة لما وصفه بـ”الطلب الاحترازي” على العملات الأجنبية، لمنع التحوّل إلى السوق السوداء، فقرّر استخدام المزيد من عائدات الصادرات غير النفطية لتلبية احتياجات النقد الأجنبي، وأعلن أنه يخطّط لضخّ نحو ملياري دولار من الأوراق النقدية في السوق.
في المقابل، أعرب اقتصاديون إيرانيون عن قلقهم من أن هذه الحلول قد تُضاعف احتمالات حدوث “تضخّم مفرط”، وأكّد أستاذ الاقتصاد في جامعة شريف في طهران مسعود نيلي أن اقتصاد إيران عالق حالياً في حالة هي بين “التضخّم المزمن” و”التضخّم المفرط”، التي يمكن تسميتها “التضخّم المرتفع جدّاً” أو ” التضخّم الشديد”، لكنّ البنك المركزي أعلن، ردّاً على نيلي، أن الاقتصاد الإيراني لم يدخل بعد مرحلة “التضخّم المفرط” وأن احتمال حدوث ذلك ما يزال ضعيفاً، علماً أن أحدث الإحصاءات الصادرة عن مركز الإحصاء الوطني الإيراني، أظهرت أن نسبة التضخّم منذ بداية السنة الحالية وصلت إلى ما يقارب 90%.
ومن مظاهر التضخّم الأوّلية في إيران؛ كما أشارت تقارير اقتصادية، أن خطّ الفقر بات يُقدّر بنحو 32 مليون تومان على صعيد المحافظات، و62.5 مليون تومان لمدينة طهران وحدها، بينما أصبح الفرد الإيراني ينفق نحو 90% من راتبه على سلسلة من الاحتياجات اليومية العادية مثل الأغذية والمشروبات والمواصلات والخدمات.
وفي الأسبوعين الأخيرين، بدأ نقص البنزين يظهر علناً في مناطق متفرّقة من البلاد، وأفادت مواقع صحافية أن “ما تملكه إيران من البنزين يكفي لشهرين فقط”.
وبحسب موقع “تجارت نيوز”، ارتفع “مؤشّر البؤس” في عموم إيران ليلامس 96%، كنتيجة طبيعية للأزمة الاقتصادية الجديدة، وتتصدّر القائمة محافظة إيلام بنسبة 120.6%، بينما تحتلّ محافظة طهران المرتبة الأخيرة بنسبة 83.5%.
يقيس “مؤشّر البؤس” الذي وضعه الاقتصادي الأميركي آرثر أوكون الضغوط الاقتصادية؛ ويمثّل معدّل البطالة أحد جانبيه، بينما يمثّل معدّل التضخّم وارتفاع الأسعار الجانب الآخر.
وبحسب الأدبيات الاقتصادية، يسمّى التضخم “أبو الأمراض الاجتماعية”، لأن آثاره غير الاقتصادية أشدّ وطأة وأكثر كارثية على الفرد من الآثار الاقتصادية المباشرة، ففي ظلّه يضيق أفق الحياة وتفقد الخطط المستقبلية الطويلة الأجل والادّخار والاستثمارات جدواها ومعناها، وتنخفض القدرة الشرائية للرواتب والمعاشات التقاعدية، ويهاجر رأس المال المادّي والبشري، وتتضاعف دوافع البحث عن الريع.
على صعيد المجتمعات، يُسهم التضخّم في انتشار الفساد وزيادة السرقة والجريمة وارتفاع معدّلات الانتحار وجرائم الأحداث والطلاق وغيرها، ويضرب قواعد التفاعل الاجتماعي، وتتحوّل عمليّات التبادل التجاري والعقود بين الأطراف إلى نزاعات، ويندفع أصحاب العمل باتجاه المضاربة والوساطة وأحياناً كثيرة الاحتيال، بحيث تصبح التربّح غاية أكثر من الإنتاج.
وكتوصيف دقيق للوضع، لفت صحافيون إلى أنهم أثناء قيامهم بإجراء تحقيقات ميدانية، وجدوا أن عبارة “لا نملك مالاً” هي الأكثر تداولاً على ألسنة المواطنين في العاصمة طهران، وقالوا إن القدرة الشرائية لدى أهالي طهران بشكل عامّ، تتلاشى يوماً بعد يوم مع ارتفاع الأسعار، وبات كثيرون يعتقدون أن الحرب والحصار والعقوبات ليست السبب الرئيسي في معاناتهم، بل وجود أشخاص غير مناسبين في السلطة وعدم كفاءة الحكومة وتفشّي السرقة والاختلاس والفساد.
في مقابل الاستياء الشعبي، خرجت تحذيرات على لسان قادة أمنيين وسياسيين ورجال دين من احتمال اندلاع احتجاجات جديدة، وقال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجي إي “إذا أرادوا إثارة الفوضى مجدّداً في الداخل، فسيكون ردّنا أكثر حسماً من أيّ وقت مضى”.
توازياً، قلّل مسؤولون في النظام في تصريحات متفرّقة، من قدرة الولايات المتحدة على ممارسة المزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني، دون أن يقدّموا تفسيراً لذلك! بينما دعا آخرون إلى فتح جبهة “المقاومة الاقتصادية”، ومنهم رئيس البرلمان محمّد باقر قاليباف الذي وصف الحصار البحري الأميركي بأنه “حرب عسكرية”، وقال “إلى جانب المجال العسكري فإن معركتنا الرئيسية اليوم هي في مجال الإنتاج”، في حين أكّد محمّد رضا عارف، النائب الأوّل لرئيس الجمهورية مسعود بزشكيان أن “ردّ الجمهورية الإسلامية من الآن فصاعداً سيكون متعدّد المستويات، وسيحرم المعتدي من الأمن”.
ومع انعدام السبل المتاحة للخروج من أزمة الدولار، دعا مسؤولون إيرانيون في الأيّام الأخيرة، الولايات المتّحدة إلى العودة إلى التزاماتها الواردة في مذكّرة التفاهم في إسلام آباد، مؤكّدين أن طهران في هذه الحالة ستكون مستعدّة للعودة إلى التزاماتها أيضاً، لكنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب استبعد الرجوع إلى الوراء، وقال ساخراً كعادته: “إن الاقتصاد الإيراني ينهار”.