موقع درج..
شكري الريان – كاتب فلسطيني سوري
لم تكن فترة السقوط كافية لندرك ما حدث. ولا كان ما تلاها من إعادة إنتاج النظام نفسه، بوجوه جديدة ليس إلا، كافياً بدوره لنعرف أين نقف مما يحدث حولنا. كل شيء كان غائماً، ومتلاطماً، كمن علق وسط بحر عاتٍ لا يعرف كيف ينجو بروحه من موت محيط. والضياع بدوره هو أكثر أشكال الموت لؤماً ومراوغة.
لو عدت الآن إلى سوريا، لما وجدت لي مكاناً هناك سوى حافة الرصيف لأتسوّل من أجل رغيف خبز، وحبة دواء… إن أمكن.
هذه ليست مبالغة، هذه حقيقة بقدر ما هي صادمة بالنسبة إلي (احتجت إلى وقت لأدركها بصفتها حقيقة وضعي الآن)، بقدر ما هي تختصر معاناة ملايين السوريين الذين وجدوا أنفسهم عالقين وسط ثورة لم تكتمل. فلا هم وصلوا إلى بلاد الحليب والعسل الموعودة، ولا هم استطاعوا الخروج من حفرة الموت الأسدية التي لا تزال تطبق على أنفاسهم حتى اللحظة- سواء بقوا مشردين في الخيام التي لا تزال منصوبة إلى يومنا هذا؛ أم تقطعت بهم السبل في بلداتهم ومدنهم الأصلية التي لم يغادروها، ولكن بقوا فيها كمن يعيش على حافة قبره؛ أو أولئك الذين كانوا محظوظين لفترة وطالوا لجوءاً في بلاد الغرب، وصاروا الآن لا يعرفون مصيرهم، في ظل خوف من موجة ارتداد يميني متطرفة في الغرب، تضع المسؤولية في كل مشاكل تلك البلاد على عاتق أولئك اللاجئين قبل أي شيء آخر.
جميع أولئك المذكورين أعلاه، لم يحقق لهم النظام الجديد في سوريا أي شيء يُذكر، ليعيشوا ولو لحظة اطمئنان واحدة على مصير لا يزال، بالنسبة إليهم، أسودَ حتى اللحظة. وهنا، يصح السؤال: من هم أولئك السوريون المحتفون بالنظام الجديد، بصفته خشبة خلاصهم الوحيدة؟
بلاد بلا شعب
سوريا لم تكن بلاداً واحدة لشعب واحد يجمع أفراده الكثير من المشتركات… هذه حقيقة عرفناها، طيلة سنوات الذل الأسدية، ولم نلبث أن بدأنا الكتابة حولها، قبل بضع سنوات على الأقل، تلك السنوات التي سبقت سقوط النظام الأسدي. إذ خلال سنوات الثورة الأولى، كان التغني بشعب يريد رسم مصيره، عبر إعادة امتلاك بلاده قبل أي شيء آخر، هو النبرة السائدة بين جميع السوريين، أولئك الذين صدّقوا للحظة أنهم فعلاً شعب واحد. لاحقاً، ومع دخولنا في مرحلة القنوط الكامل، واليأس من الخلاص من المسخ الذي اعتلى سدة السلطة في البلاد، بدأنا نعيد نظر في ما أوصلنا إلى ما وصلنا إليه، لنستفيق يوماً على زحف بدأ من إدلب، فجأة، باتجاه دمشق، ووصلها بعد عشرة أيام فقط!
لم تكن فترة السقوط كافية لندرك ما حدث. ولا كان ما تلاها من إعادة إنتاج النظام نفسه، بوجوه جديدة ليس إلا، كافياً بدوره لنعرف أين نقف مما يحدث حولنا. كل شيء كان غائماً، ومتلاطماً، كمن علق وسط بحر عاتٍ لا يعرف كيف ينجو بروحه من موت محيط. والضياع بدوره هو أكثر أشكال الموت لؤماً ومراوغة.
بدأت وجوه كثيرة، كان يُفترض أنها مألوفة وقريبة، تتكشف عن ملامح جديدة لم نكن نعرفها. أتحدث عن دائرتي الخاصة هنا، وأظن أن الجميع فُرضت عليه تجربة كهذه تجاه محيطه القريب، خصوصاً أولئك الذي بقوا متمسكين بالممارسة الديمقراطية بصفتها عنواناً أولاً لكل ما يجب أن يحدث في سوريا الجديدة، فوجدوا أنفسهم معزولين عن الجميع! فجأة بدأت “الأهداف” تختلف. وكان هناك وقت، يطول أو يقصر، حسب عناد واحدنا، لندرك في النهاية أن “المصالح” هي بالتحديد ما تغير، فغيرت كل شيء معها.
لا أريد أن أتهم أحدا… ولا يحق لي… المصلحة، وبدون قوسين، هي ما يجب أن نستند إليه في تحديد مواقفنا. هذا حق طبيعي لنا، كأفراد قبل أي شيء آخر، ولا يحق لأحد أن ينتزعه منا تحت أية ذريعة. ولكن، إن أردنا أن نصبح شعباً فعلاً، فعلينا بالمقابل أن نجد توازناً ما بين تلك المصالح، وبدون “فئة غالبة” تتحكم بحصص الجميع ومصائرهم. من دون ذلك، سنبقى شعوباً متفرقة، فُرض عليها العيش في مكان واحد، لن نلبث أن نكتشف كم هو ضيق، ومعدوم الخيارات، أمام فئات واسعة منا، وعندها… ستبدأ الحرب من جديد.
نظام الفئة الغالبة
ما قالته لنا سنوات القهر الأسدية، وما تلاها من حرب دامت 14 عاماً، إن نظام “الفئة الغالبة” لن يدوم، كائنة ما كانت المنعة والقوة التي أحرزتها تلك “الفئة”. إما أن تقبل بالعيش مع البقية، وبالتالي تقدم لهم ما يحقق مصالحهم، ومصالحك في آن؛ أو أن ترحل، ولو أدى الأمر إلى دمار البلاد كلها. بلاد لا تعطي الفرصة للجميع بالعيش فيها، لن يلبث أولئك الذين بقوا خارج كل الحسابات، أن يحرقوها بأنفسهم، إن لم يجدوا مخرجاً- كان التهديد بالحرق الكامل لكل شيء، هو الورقة الوحيدة في يد الأسد وأوغاده، ومع ذلك لم يتردد الناس لحظة وخرجوا على رغم كل التهديد والوعيد… بل على رغم البدء بالحرق الفعلي. الآن، وبعد كل ما حصل، وبعد كل ما دفعه أولئك الذين لن يلبثوا أن يجدوا أنفسهم في آخر المطاف خارج كل الحسابات، فإنهم لن ينتظروا الطاغية ليبدأ بحرق البلاد، بل سيحرقوه هو بالذات معها.
ما يفعله نظام أحمد الشرع الآن في سوريا، يقول بوضوح إنه غير مدرك أبداً لهذه الحقيقة، وهو ماض في طريقه لتأسيس “فئته الغالبة” من دون أية إمكانية، ظاهرة على الأقل، لمراجعة المسار الذي صارت كل ملامحه، بمختلف وجوهها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واضحة تماماً للعيان. إذ إن “المظلومية السنية” وحدها لن تكفي لتأسيس نظام “فئة غالبة”، تلك “الفئة” بحاجة إلى امتيازات محسوسة وواضحة. بينما “المظلومية” يمكن أن تبقى لمساكين الخيام وحافة الرصيف.
المكاسب المنتظرة من “الفئة الغالبة” الجديدة، تحيلنا إلى السياسة الاقتصادية المعتمدة الآن. ولتلك السياسة، في جانبها الاقتصادي، وبدون الخوض في تفاصيل باتت واضحة ومعروفة للجميع، كما أنه تم تناولها من جهة أهل الاختصاص، ثمن اجتماعي مباشر وباهظ. وهي سياسة، نيوليبرالية نفعية في جوهرها ومظهرها، ليست جديدة على منطقتنا، وجُربت في أكثر من مكان وأدت إلى فشل ذريع، تمت معالجته دائماً بالبطش الأمني… الى حين الوصول إلى انفجار، كلما تأجل، كلما كانت نتائجه أكثر دماراً.
ما يحاوله النظام الجديد، وعبر إعطاء نفسه صبغة “النظام الإسلامي المنفتح”، هو ببساطة إعادة تدوير للنظام القديم، بنيوليبراليته النفعية، ولكن بطرق يفترض أنها أكثر “شرعية” و… “شطارة” من تلك التي اتبعها نظام المسخ بشار الأسد- كان بودّي أن أستخدم عبارة “أكثر ذكاء”، لما لها من وقع مغيظ الى درجة الانفجار عند شبيحة الأسد. ولكنها للأسف، سياسة نظام الشرع، ليست كذلك أبداً.
ما يحصل فعلاً في سوريا، البلاد المدمرة تماماً بعد عقود الحكم الأسدي السوداء، وبحجة هذا الدمار نفسه، هو ببساطة تأسيس لنظام أشد حصرية من ذلك الذي سبقه، على رغم أن النظام الجديد يفترض أنه يستند إلى قاعدة أعرض من تلك التي استند إليها نظام الأسد. على الأقل من جهة “طائفة الحكم”. فأن تستند إلى قاعدة شعبية لا تشكل أكثر من 10 في المئة من تعداد السكان، في أحسن الأحوال- المقصود الطائفة العلوية التي شكلت، كما هو شائع، عماد حكم الأسد- شيء يختلف تماماً عن أن تستند إلى قاعدة شعبية يزيد تعداد سكانها عن 55 بالمئة، وفي بعض التقديرات 60 في المئة، من تعداد السكان- المقصود العرب السنة في سوريا، كما يحاول أن يشيع نظام أحمد الشرع نفسه.
على أرض الواقع، كان المستفيدون الوحيدون من نظام الأسد هم فعلياً الدائرة المحيطة مباشرة به. وهذه الدائرة لم يقتصر أفرادها على أبناء طائفة بعينها. كان معيار الولاء الشخصي المباشر، هو الوحيد الذي يقرر مكانة الفرد ضمن هذه الدائرة الضيقة. البقية، من فقراء هذه الطائفة، هم من دفعوا الثمن وحدهم، سواء في الحرب الدموية التي خيضت ضد السوريين في غالبيتهم، أو ما تلاها من ارتكابات ومذابح لحقت بهم بعد هروب رأس النظام ومحاسيبه من البلاد.
في حالة أحمد الشرع، لا شيء اختلف، على الأقل من ناحية المستفيدين الرئيسيين من عطايا النظام الجديد. خصوصاً أن تضييق دائرة المستفيدين يساهم في إبراز المغانم، بل وفي إشعالها أيضاً، بحيث تؤدي دور الجاذب المستحيل مقاومته أمام نخبة تبحث عن دور ومغنم. وكسب تلك النخبة لصالح النظام، أفضل بكثير من خسارتها، وبالتالي الدخول في مواجهات قد لا تكون مضمونة النتائج. خصوصاً إن أخذنا بالاعتبار أن جزءاً كبيراً من النخب الجديدة في سوريا تأسس خارجها، وخلال العقدين الأخيرين، نتيجة ظروف الحرب الأهلية. وهذه النخب اكتسبت خبرات، ما كان من الممكن أبداً اكتسابها في سوريا “القديمة” في ظل الجرب الأسدي المسيطر آنذاك.
تشكيل “شعب” جديد!
إذاً، فسياسة كهذه: نيوليبرالية نفعية، تستند إلى قبضة أمنية محكمة، أو تحاول أن تكون كذلك، وإلى غطاء شرعي وفره “إسلام” ما، حسب الرؤية الجديدة للنظام الجديد لهذا الـ”إسلام”. تستبدل شبكات المحسوبية القديمة، وتخلق “فئة غالبة” جديدة- ليست “أوليغارشية” بالمعنى الغربي للمصطلح، بل فئة تستمد تمكينها من شوكة السلطة وغطائها قبل أي رأسمال- وضعت لنفسها هدفاً أسمى: جذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات للبلد، من دون الحديث عن طريقة توزيع عوائد هذا الاستثمار، فتلك مسألة “أمن قومي”. ومن دون التفكير بفوائد هذا الاستثمار، بأثمانه الفعلية الواجب تسديدها محلياً، وبمناسبته لوضعية بلاد خارجة من حرب مدمرة للتو. سياسة كهذه لم توضع لبلاد كاملة، بكل من فيها. هي وضعت لـ “فئة مستهدفة”. هي نفسها “الفئة الغالبة” التي بدأت بالالتفاف حول النظام لتحميه في غاديات الأيام.
هذه القاعدة، “الشعب السوري الجديد”، هو ما يبحث عنه نظام أحمد الشرع، وقد وجده فعلاً في نخب، بعضها بقي في البلاد، محتفظاً بثرواته، وبعضها غادر. أفراد هاتين النخبتين لن يجلسوا، مثلي، أو غيري ممن شاء سوء حظهم أن يبقوا في البلاد بعدما خسروا كل شيء، على حافة الرصيف لاستجداء رغيف خبز. وهذا الفارق، هو ما جعل “الوجوه” في محيطي القريب والمباشر تظهر ملامح جديدة لم أتمكن من رؤيتها من قبل.
لا أنكر على معارف وأصدقاء، أعزاء، كثر، موقفهم المستند إلى مصالحهم المباشرة. خصوصاً في ما يتعلق بنظام يرونه واعداً جداً بشأن تثمين تلك المصالح وتعزيزها. ولكني بالمقابل، أنتمي إلى “الفئة المنسية”، سواء رفضتُ أو قبلتُ، هذه حقيقة وضعي. وعلي أن أسأل، كما غيري: وماذا عنا نحن في مشروعكم “العظيم” تجاه هذه البلاد؟!
أكثر من وعود بفرص عمل، لا تزال غائمة وغير محددة، ولن تلبث أن تقتصر على أولئك الذين اكتسبوا خبرات تنافسية مهمة في أسواق عمل أكبر بكثير، وأعقد بما لا يقاس، من السوق السورية، أكثر من هذه الوعود، المرهونة بتدفق تلك الاستثمارات، لا نجد. لا شيء تحقق أبداً، باستثناء رفع أسعار أساسيات الحياة، بطريق لا يمكن أن يستوعبها أو يصدّقها أولئك الباقون تحت الخيام أو على الرصيف!
وبالتالي، هذه بلاد ليست لنا… ستقولها غالبية كبيرة، ممن يفترض أنه “القاعدة الشعبية” للنظام: العرب السنة، قبل غيرهم. والحركات الاحتجاجية، المطلبية، لن تلبث أن تتطور لاحقاً لتصبح أكثر خطورة. ستصبح حركات مطلبية بإطار سياسي واضح. وربما لن نلبث أن نصل، مرة أخرى، إلى: الشعب يريد إسقاط النظام! وربما لن تفلح المذابح التي ارتكبت بحق العلويين والدروز، بدعم وتغطية من النظام الحالي، في منع قيام “شعب سوري” ما جديد. ربما الظلم المعمم على الجميع، وهذا ما يبدو أن النظام الجديد لا يعرف ماذا يقدم سواه للغالبية الكاسحة من السوريين، أياً كانت طائفتهم أو عرقهم، قد ينجح في توحيدهم ضد “عدو” مشترك. ويكون لدينا “شعب سوري جديد”، شعب غير ذلك الذي أراده الطاغية “المطاع” الجديد.
في النهاية، لن تفلح في تشكيل شعب حسب أهوائك، إلا إذا كنت قادراً فعلاً على تقديم شيء محسوس له. للجميع من دون استثناء… وهذا، حسب سياسة النظام الجديد في سوريا، ليس فقط غير وارد، بل ومتعذر الوصول إليه.
عند الباب، ولكن لست وحدي!
أرسل لي واحد من معارفي، على الخاص، رسالة مؤنبة من هجومي الدائم، عبر السوشال ميديا، على نظام أحمد الشرع. اختصار رسالته كان: كيف يمكنك أن تقول عنا (هو ألحق نفسه بالنظام فوراً) هذا الشيء البغيض، ونحن من فتحنا أبواب السجون بأيدينا، وحررنا أولادنا؟!
المشكلة مع “صديقي” هذا هو أنني أعرفه جيداً جداً، وأعرف أنه ما كان ليجرؤ على فتح باب منزله، عندما كانت تمر التظاهرة من أمامه، بدايات الثورة. بل إنه كان يتجنب حتى اللقاء بي، عندما عرف أنني موجود مع أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع. فجأة، صار هو من فتح “أبواب السجون” ليحرر “أولاده”!
لو اقتصر الأمر على خوفه على مصالحه، وهي كثيرة، في ظل وضع قد يطيح تعب عمره كله، لقدرت موقفه، وقلت لديه ما يخسره، ومن حقه أن يحافظ عليه. ولكن أن يصل إلى مرحلة المزاودة علي، وأنا الذي خسر كل شيء فعلاً، فتلك مسألة لا يمكنني إلا أن أنظر أليها بصفتها وقاحة لا يمكن السكوت عنها…
وهذه الوقاحة لن تلبث أن تثير بدورها حنق آخرين، إذا ما اقترنت بطول البقاء تحت الخيام أو على حافة الرصيف، من دون أي أمل بمغادرة آمنة إلى مكان أكثر إنسانية. وفيما يبقى “أبطال التحرير” أولئك، الذين ظهروا فجأة، ينعمون بكل شيء، بينما نحن فعلياً من دفعنا الثمن كاملاً، فإن الأمر لن يمر بسلام أبداً.
كل هذا سيقود بدوره إلى حساب مرير على حصاد أسود. ربما لم يأت وقته بعد، ولكن هذا لا يعني أنه لن يأتي أبداً.