ليس كل دعوة إلى السلام وتجاوز العداء هي انتصاراً للعقل على الغريزة. فثمة فرق جوهري بين السلام الذي يعيد الحقوق إلى أصحابها، وبين السلام الذي يجعل من اغتصاب تلك الحقوق أمراً عادياً، قابلاً للتعايش، ثم للنسيان، وربما للاعتراف به في نهاية المطاف.
ومن هذه المسافة المبدئية الأخلاقية يمكن قراءة لقاء ميساء قباني مع تلفزيون الإسرائيلي، لا بوصفه مجرد ظهور إعلامي، بل باعتباره تعبيراً عن خطاب سياسي يحاول القفز فوق الأسئلة والمصطلحات المؤسسة لأي علاقة سوية مع الاحتلال، والعدالة، والحقوق، والمسؤولية التاريخية.
فإسرائيل ليست مجرد دولة اختلفنا معها في السياسة، ولا جاراً أسأنا فهم نواياه، وإنما كيان قام في سياق مشروع استيطاني إحلالي، وما زال يحتل الجولان ويفرض على الفلسطينيين نظام فصل عنصري مكتمل الأركان.
وهذه ليست مسألة سوء تفاهم يمكن إصلاحه بابتسامة أمام الكاميرا، أو تلاعب بالكلمات، ولا خصومة وجدانية يمكن تجاوزها بخطاب تصالحي. إنها قضية حقوق مغتصبة، وشعب اقتُلع من أرضه، واحتلال لم ينتهِ، وما تزال آثاره تتجدد كل يوم في حياة الملايين في سوريا ولبنان وفلسطين.
ومن هنا، فإن رفض التطبيع ليس رفضاً للسلام، بل رفض لتحويل الاحتلال إلى وضع طبيعي. وهو بالطبع ليس عداءً لليهود بوصفهم بشراً، ولا إنكاراً لحق أي إنسان في الحياة والأمان، بل موقف أخلاقي وسياسي من استعمار واحتلال وفصل عنصري، موقف يرفض أن تُمنح العلاقات الطبيعية والتطبيع مكافأة له على استمرار الظلم، وخاصة أن الجرح ما يزال مفتوحاً، واليد التي أحدثته ترفض الاعتراف بمسؤوليتها؟
إن التطبيع لا يقتصر على تبادل السفارات أو توقيع الاتفاقيات. إنه يبدأ حين يجري تفريغ الاحتلال من معناه الوطني والأخلاقي، وحين تصبح العلاقة مع المحتل مسألة علاقات عامة، وحين يُستعاض عن سؤال العدالة بسؤال حسن النية، ويُطلب من أصحاب الأرض المحتلة أن يبرهنوا أنهم لا يكرهون من يحتل أرضهم.
والمفارقة أن يأتي مثل هذا الخطاب وهذا اللقاء في اللحظة التي ما زالت فيها غزة جرحاً مفتوحاً في ضمير الإنسانية، بعد ما شهدته من إبادة جماعية وتهجير وتجويع. وفي الوقت الذي تتسع فيه حركة المقاطعة العالمية، وتتعالى المطالبات بمحاسبة المجرمين المتسببين في هذه الابادة، ويخرج الناس في مدن العالم احتجاجاً على الجرائم الإسرائيلية، في هذا السياق تأتي مخاطبة ميساء قباني الإسرائيليين بلغة الطمأنة وعدم الخوف من السوريين، وكأن المشكلة تكمن في الصورة التي يحملها الإسرائيلي عن السوري، لا في السياسات التي تمارسها حكومتهم الفاشية تجاه الفلسطينيين والسوريين.
بل أكثر من ذلك هؤلاء الإسرائيليين الذين تطمئنهم ميساء قباني هم التي أظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية أنهم بغالبيتهم يؤيدون الإبادة الجماعية والتهجير، وعدم التخلي عن الجولان وحتى عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد التحرير. كما أن حملات التشهير التي تعرض لها فنانون ومثقفون إسرائيليون انتقدوا جرائم غزة تكشف مقدار الصعوبة التي تواجه من يحاول إظهار الحقيقة وكسر الإجماع الصهيوني من داخله. فإذا كان بعض الإسرائيليين يتعرضون للتخوين لمجرد أنهم يفضحون ما يجري من قتل وتوحش، فما الذي يجعل خطاب الطمأنة الموجه إليهم مدخلاً للسلام؟
إن منطق التطبيع هذا يطلب من الضحية أن تتقدم خطوة نحو الجلاد، لكنه لا يشترط على الجلاد أن يتراجع خطوة من فوق صدر ضحيته. وهنا تتجلى المفارقة الأخلاقية الأكثر إيلاماً، أن يتحول إثبات حسن النية إلى واجب على من احتُلت أرضه، بينما لا يُشترط على المحتل أن يقدم دليلاً واحداً على استعداده لإنهاء الاحتلال.
ثم يأتي السؤال الأكثر التصاقاً بالكرامة الوطنية والذاكرة التاريخية للسوريين، حين يُقال للإسرائيليين: “لا تخلقوا من سوريا عدواً”، فإن هذه العبارة، تقلب المنطق، وتعكس العلاقة بين السبب والنتيجة. فكأن العداء مع اسرائيل احتمال مستقبلي ينبغي تجنبه، لا واقع سياسي أنتجه احتلال إسرائيل لفلسطين أولا، ولأرض سورية منذ عام 1967، وكرسته سياسات إسرائيلية على مدى ثمانين عاماً.
والسؤال البديهي هنا، هل كانت إسرائيل صديقاً لسوريا حتى نخشى أن تتحول إلى عدو؟ وهل الجولان السوري المحتل مجرد تفصيل يمكن تجاوزه في حديث عن العلاقات المستقبلية؟ الجولان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل حق سيادي وذاكرة بشرية وتاريخ اقتلاع. والصمت عنه، في أي خطاب يدعو إلى علاقات طبيعية مع إسرائيل، ليس تفصيلاً لغوياً صغيراً، بل غياب أخلاقي ومبدئي يمس جوهر القضية.
إن السوريين ليسوا مطالبين الآن بخوض حرب جديدة لتحرير الجولان، وليس رفض التطبيع دعوة إلى مغامرة عسكرية. فمن حق الشعب السوري، الذي أنهكته الحروب والاستبداد، أن ينعم بالأمان، وأن يعيد بناء وطنه، وأن يرفض أن تتحول بلاده إلى ساحة صراع دائم. لكن الامتناع عن الحرب لا يعني التخلي عن الحق، كما أن رفض التطبيع لا يعني الدعوة إلى الحرب، بل الخوض في مسافة واسعة من المواقف السياسية والقانونية والأخلاقية، تبدأ بالتمسك بالحقوق، ورفض شرعنة الاحتلال، والدفاع عن القانون الدولي، وعدم منح العلاقات الطبيعية قبل زوال الاحتلال وإنهاء أسباب الظلم.
فليس السلام أن نستكين ونقبل بما فرضته القوة، بل إن أهم خطوات السلام أن نرفض تحويل القوة إلى مصدر للشرعية.
وهنا أيضاً يبرز سؤال التمثيل، بأي حق تتحدث السيدة ميساء باسم السوريين جميعاً؟ ومن منحها تفويضاً لتقديم صورة سياسية عن شعب ما زال يسعى لبناء دولته المنشودة على أساس المواطنة الحرة والمتساوية؟ فالسوريون ليسوا جمهوراً صامتاً في خلفية مقابلة تلفزيونية، ولا مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق ما تتطلبه الصورة الإعلامية المراد تصديرها. لقد دفع السوريون أثماناً فادحة للخلاص من الاستبداد، وليس في واردهم الاستعاضة عن الديكتاتورية بالخضوع لإملاءات القوى الخارجية. كما أن التحرر من الخطاب الرسمي البائد الذي استخدم القضية الفلسطينية والجولان لتبرير القمع لا يعني التخلي عن فلسطين أو الجولان، ولا إسقاط الحقوق التي استغلها الاستبداد في شعاراته. فالقضية العادلة لا تفقد عدالتها لأن طاغية تاجر بها، كما أن الحق لا يصبح باطلاً لأن سلطة مستبدة ادعت الدفاع عنه.
وهنا تكمن إحدى أخطر مغالطات الخطاب التطبيعي: أنه يقدم القطيعة مع ماضي الاستبداد وكأنها تستلزم القطيعة مع المبادئ الوطنية والأخلاقية ذاتها. وكأن السوري، لكي يكون حراً وحديثاً ومنفتحاً، مطالب بأن يتخلص من ذاكرته، وأن يتعامل مع الاحتلال بوصفه خلافاً قديماً، وأن يستعيض عن الكرامة الوطنية بلغة المجاملات الدبلوماسية. لكن الحداثة ليست نسياناً للعدالة، والانفتاح ليس تخلياً عن الحقوق ومصالحة مع واقع فرضته القوة.
وليس المطلوب من سوريا أن تقدم للعالم صورة “كيوت”، لطيفة ووديعة، منزوعاً منها التاريخ والصراع والحقوق، لكي تحظى بالقبول. فالأوطان لا تُحمى بالمجاملات، ولا تُصان السيادة بتطمين من ينتهكها، ولا تُبنى الدولة الحديثة على إرضاء الخارج. لأن ما يجعل سوريا قوية وعصية على التدخلات الخارجية ليس التطبيع مع الاحتلال، ولا إعادة إنتاج شعارات العداء التي احتمى خلفها الاستبداد، وإنما بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية، دولة تحترم الإنسان، وتصون الحريات، وتمنع التمييز، وتستمد شرعيتها من مواطنيها لا من رضا القوى الخارجية.
ولعل أخطر ما في التطبيع أنه لا يبدأ دائماً بإعلان التنازل عن الحقوق. فقد يبدأ بابتسامة، أو عبارة طمأنة، أو مقابلة تلفزيونية، أو حديث عن ضرورة تجاوز الماضي. ثم تتوالى الخطوات الصغيرة التي تعيد تعريف الممكن والمقبول، حتى يغدو ما كان استثناءً أمراً مألوفاً، وما كان مرفوضاً خياراً عادياً، وما كان حقاً غير قابل للتصرف عبئاً على طريق العلاقات الجديدة. وهنا تستعيد العبارة الشعبية “أول الرقص حنجلة” معناها السياسي العميق. فالتنازلات الكبرى لا تأتي بالضرورة دفعة واحدة؛ قد تسبقها تنازلات رمزية، وتبدلات بطيئة في اللغة، ومحاولات لترويض الذاكرة، حتى يصبح السؤال عن الحقوق أقل حضوراً ويطفو على السطح السؤال عن كيفية إرضاء الطرف الأقوى.
وليس المقصود من كل هذا الحديث الحكم على النوايا الشخصية لميساء قباني، بل مساءلة المعنى السياسي والأخلاقي الذي يمكن أن يحمله هذا النوع من الخطاب. فحتى النوايا الحسنة لا تمنح التطبيع براءة تلقائية، ولا تعفي أصحابه من السؤال عما يقدمونه وما يتجاوزونه وما يصمتون عنه.
إن رفض التطبيع، من هذا المنظور، ليس انغلاقاً على المستقبل، بل رفض لمستقبل يُبنى على إلغاء الماضي من دون إنصاف ضحاياه. وليس تمسكاً أعمى بالعداوة، بل تمسك بمعيار أخلاقي وقانوني بسيط: لا يجوز أن تتحول الجريمة إلى أمر طبيعي لمجرد أن الزمن مضى عليها، ولا أن يصبح استمرار الاحتلال حقيقة مقبولة لأن موازين القوى لا تسمح بإنهائه اليوم. فالحقوق لا تسقط بالتقادم الأخلاقي، ولا تتحول إلى أوهام لأن أصحابها عاجزون مؤقتاً عن استعادتها.
إن السلام الذي يسبق الحل العادل سيتحول بالضرورة إلى اسم مهذب للاستسلام، والتطبيع الذي يسبق إنهاء الاحتلال وإعادة الحقوق يتحول إلى اعتراف ضمني بشرعية الأمر الواقع.
وما يحتاجه السوريون اليوم ليس أن يثبتوا للإسرائيليين أنهم شعب مسالم، بل أن يثبتوا لأنفسهم أولاً أنهم قادرون على بناء وطن حر وعادل، لا يساوم على حقوق مواطنيه، ولا على أرضه، ولا على المبادئ الإنسانية التي تجعل التضامن مع المظلومين موقفاً أخلاقياً يتجاوز الحدود والهويات.
ليس المطلوب أن نورث أبناءنا الحروب، بل ألا نورثهم الهزيمة بوصفها حكمة، أو التنازل بوصفه واقعية، أو النسيان بوصفه فضيلة.
