يتصاعد القلق في دول الخليج من الدور المتنامي للمكونات الصينية في صناعة الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية التي استخدمت في مهاجمة المطارات والمنشآت النفطية وتهديد الملاحة البحرية.
فالمعلومات التي كشفت عنها تحقيقات صحافية ودراسات دولية تشير إلى تحول مهم في تسليح الحوثيين. لم تعد الجماعة المتطرفة تكتفي بالأسلحة الجاهزة القادمة من إيران، بل باتت تقوم بجمع جزء متزايد من ترسانتها داخل اليمن، باستخدام معدات ومواد ومكونات يتم استيرادها من الصين.
ومع أن الصين لا تبدو في الصورة مباشرة حيث إن عمليات الشراء والتهريب يقوم بها أفراد. لكن يقول مصدر خليجي إنه شبه مستحيل أن لا تكون السلطات الصينية على علم بشراء هذه المكونات المرتبطة بتصنيع الأسلحة لخطورتها على الأمن الصيني أولاً وكذلك لأنها تستخدم في حروب للصين رأي سياسي فيها.
وتكشف الأرقام حجم تورط الصين. فقد توصل مركز الأبحاث الدولي “سينشري إنترناشيونال”، بعد دراسة شحنات مصادرة بين عامي 2021 و2025، إلى أن 35 في المئة من المواد والمكونات المضبوطة والمتجهة إلى الحوثيين كانت صينية المنشأ، مقابل 21 في المئة إيرانية، وأن للإيرانيين دورا كبيرا في ترتيب التهريب والتدريب.
وفي تحقيق نشرته وكالة “بلومبيرغ” في الثالث والعشرين من سبتمبر /أيلول الماضي، كشفت عن تفاصيل شحنات قادمة من الصين، ضبطتها السلطات اليمنية في ميناء عدن، وكانت في طريقها إلى ميناء الحديدة الخاضع للحوثيين. وضمت المضبوطات مواد كيميائية مقاومة للحرارة تدخل في صناعة الصواريخ، وزعانف وأجزاء يشتبه بأنها مخصصة لصواريخ باليستية، وآلات تصنيع دقيقة تعمل بالتحكم الحاسوبي، ومحركات وأنظمة توجيه واتصال للطائرات المسيرة، إضافة إلى معدات للحفر وإنشاء الأنفاق.
وكشف التحقيق عن عشرات الحاويات المرتبطة بإحدى وأربعين بوليصة شحن، كثير منها من مدينة غوانغتشو الصينية. وفي خمس وعشرين حالة تغير اسم المستورد اليمني أثناء نقل البضائع، وهو ما أثار شبهات حول محاولات إخفاء الجهة المستفيدة منها.
ولا تتوقف القضية عند شحنات متفرقة، فقد كشفت تقارير لصحيفة “وول ستريت جورنال” عن شبكات توريد متنامية توفر للحوثيين محركات الطائرات المسيرة وأجهزة الاتصال والتحكم وقطعا إلكترونية متطورة، بعضها متاح في الأسواق التجارية الصينية.
وتشير التحقيقات إلى وجود شركات شحن ووسطاء تجاريين يمنيين يعملون داخل الصين، ويشترون المكونات من موردين مختلفين، قبل جمعها وإرسالها إلى اليمن عبر مسارات تجارية متعددة. ولا يمكن لهؤلاء أن يتاجروا بمثل هذه المواد دون علم السلطات الصينية وغض النظر عنهم.
وقد طالت العقوبات الأميركية عددا من الشركات الصينية المتهمة بتسهيل هذه العمليات، بينها شركات في شينزن وغوانغتشو تعمل في الإلكترونيات والشحن وتوريد مكونات توجيه الصواريخ والمسيرات.
وفي يوليو/تموز الماضي، أبلغت واشنطن مجلس الأمن الدولي، استنادا إلى بيانات آلية التفتيش والتحقق التابعة للأمم المتحدة، بأن أكثر من 70 في المئة من السلع مزدوجة الاستخدام المحظورة أو المقيدة التي ضبطت بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026 كانت صينية المنشأ.
وهناك اتهامات تتجاوز توريد المكونات، إذ اتهمت واشنطن شركة “تشانغ غوانغ” الصينية للأقمار الصناعية بتوفير صور فضائية تساعد الحوثيين على استهداف السفن في البحر الأحمر. لكن الشركة نفت الاتهام ووصفته بأنه مختلق.
أما بكين، فترفض الاتهامات الموجهة إليها، وتؤكد أنها تطبق قرارات مجلس الأمن وتفرض ضوابط صارمة على تصدير المعدات العسكرية والمواد مزدوجة الاستخدام.
ولا توجد أدلة علنية تثبت أن الحكومة الصينية تتعمد تسليح الحوثيين، أو أن الشركات المصنعة تعلم دائما بالوجهة النهائية لمنتجاتها. فكثير من هذه المواد يباع بصورة قانونية، ويمكن استخدامه في الصناعات المدنية والعسكرية على حد سواء.
ومع ذلك، لا تعني زيادة المكونات الصينية انتهاء الدور الإيراني. فطهران لا تزال مصدرا رئيسا للتصميمات والخبرات العسكرية والتكنولوجيا المرتبطة بالصواريخ بعيدة المدى، بينما توفر الأسواق الصينية جانبا مهما من المعدات والمكونات اللازمة لتوسيع الإنتاج داخل اليمن.
وهنا تكمن المشكلة الأمنية بالنسبة لدول الخليج، فالخطر لم يعد مقتصرا على اعتراض شحنات صواريخ جاهزة قادمة من إيران، بل أصبح يشمل شبكة تجارية دولية واسعة، تستطيع تزويد ورش التصنيع الحوثية بآلاف القطع والمواد التي يمكن تحويلها إلى أسلحة.
وهكذا، تطرح الهجمات الحوثية على المطارات والمنشآت النفطية، والتهديد المتزايد للملاحة في البحر الأحمر، سؤالا يتجاوز مسؤولية إيران وحدها. لماذا تسكت الصين على هذه النشاطات التي تهدد دولا على علاقة جيدة بها مثل السعودية؟ وهل حقا تعجز الصين، وهي إحدى أكبر القوى الصناعية والتجارية في العالم، عن منع وصول منتجات شركاتها إلى ترسانة الحوثيين التابعين لإيران؟