يعتمد إعلام الحوثيين على التهويل والحرب النفسية، في محاولة لتصوير كل هجوم على أنه إنجاز عسكري كبير. لكن إطلاق صاروخ أو مسيرة لا يعني الانتصار في حرب، ولا يغير بمفرده موازين القوة. ولا شك أن سقوط ضحايا مدنيين في أي اعتداء خسارة فادحة، غير أن الخسائر البشرية، مهما كانت مؤلمة، لا تصلح مقياسا لانتصار المعتدي.
وهذا يعيد إلى الأذهان ما عاشه البريطانيون حين تعرضت بلادهم للقصف الألماني ابتداء من سبتمبر/أيلول 1940، في حملة أودت بحياة نحو 43 ألف مدني حتى مايو/أيار 1941. وعلى الرغم من فداحة الخسائر، لم يستطع القصف إخضاع بريطانيا. ويومها نقل ونستون تشرشل إلى مجلس العموم شعور المواطنين الذين تحملوا الغارات وطالبوا بالرد، قائلا على لسانهم: “نستطيع أن نتحمل، ولكن ردوا عليهم بالمثل”. وقد ردت بريطانيا على ألمانيا، كما ردت السعودية على الاعتداءات الحوثية بعمليات عسكرية دقيقة وقوية. والدرس هنا أن قدرة المعتدي على قتل المدنيين لا تعني قدرته على فرض إرادته على الدولة التي يستهدفها.
لا تستطيع السعودية أن تبني أمنها على الثقة بخصومها، ولا أن تجعل الهدن بديلا عن ضمانات الأمن، ولا أن تنتظر حتى تتغير مواقفهم. فمن حقها أن تحمي نفسها، وأن تتخذ ما يلزم لمنع الاعتداءات عليها. وقد كشفت السنوات الطويلة من الصراع اليمني حقيقة مهمة: أن الجماعة المسلحة قد تعرض مجرد استمرارها في القتال بوصفه انتصارا، حتى عندما تعجز عن تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية حاسمة. لكن البقاء في الميدان شيء، والانتصار شيء آخر، ولا يجوز الخلط بينهما.
ولهذا فإن السؤال هو عن كيفية منع إطلاق الصواريخ، لا عن عدد ما يعترض منها. فما جدوى إسقاط صاروخ اليوم إذا بقيت مصادر التسليح والتمويل التي تسمح بإطلاق صاروخ آخر غدا؟ وما قيمة هدنة تمنح الناس أشهرا من الهدوء إذا لم تتضمن ترتيبات تحول دون تجدد الاعتداءات؟
وهنا ينبغي التمييز بين وقف إطلاق النار ومعالجة أسباب استمرار التهديد. فقد يتوقف القتال دون أن تنتهي المشكلة، وقد تتراجع الهجمات بينما تستمر عمليات التجنيد والتسليح والتمويل. ولهذا لا يكفي قياس نجاح أي اتفاق بعدد الأيام التي تمر دون إطلاق نار، إنما بمدى قدرته على منع العودة إلى المواجهة.
والتهديد الحوثي ليس مشكلة سعودية خالصة، فهو يرتبط بأزمة الدولة اليمنية. فوجود جماعة مسلحة تتخذ قرارات الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة يعوق قيام سلطة وطنية موحدة، ويجعل المواطنين اليمنيين أنفسهم يدفعون ثمن استمرار الانقسام. ولا ينبغي أن يؤدي التركيز على الهجمات الصاروخية إلى إغفال هذه الحقيقة الأساسية: أن مستقبل اليمن يجب أن لا يبقى رهينة السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
ومن هنا فإن استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين لا تعني بالضرورة انتهاء المشكلة. فالأرض التي تخرج من سيطرة الجماعة ينبغي أن تنتقل إلى سلطة الدولة اليمنية، التي تقع عليها مسؤولية حفظ الأمن وإدارة شؤون المواطنين. غير أن استعادة الأرض وحدها لا تكفي إذا ظلت الجماعة قادرة على الحصول على السلاح وإعادة تنظيم صفوفها.
ولهذا تبرز أهمية التصدي لشبكات تهريب السلاح. فهي ليست قوة غامضة يستحيل التأثير فيها، وإنما شبكات تعتمد على التمويل والوسطاء والمكونات ووسائل النقل. ويمكن إخضاع هذه الأنشطة للمراقبة والمساءلة والضغوط القانونية والدبلوماسية، والاستفادة من التقنيات الحديثة لتعقب حركة الإمدادات وكشف مساراتها. ولا يشترط نجاح كل محاولة منع حتى تظهر النتائج، فتراكم القيود يمكن أن يزيد صعوبة إعادة التسلح وتكاليفها.
لكن مكافحة التهريب، على أهميتها، لا تحسم وحدها مسألة السيطرة على الأرض. ولهذا قد يكون من بين الخيارات المطروحة شن حرب برية مدعومة بالقوة الجوية، تستهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وتمكين الدولة اليمنية من بسط سلطتها عليها. غير أن نجاح هذا الخيار لا يتوقف على التقدم العسكري وحده، إذ يتطلب قوات قادرة على الاحتفاظ بالمناطق المستعادة، وترتيبات واضحة لإدارتها ومنع تجدد الصراع.
إن موازين القوة لا تقاس بالبيانات الإعلامية ولا بمقاطع الصواريخ والمسيرات، وإنما بالقدرة على تحقيق أهداف محددة والمحافظة على النتائج. ومن الخطأ أن يتحول كل هجوم محدود إلى انتصار كبير في الخطاب الإعلامي لمجرد أنه أثار الخوف أو حظي بتغطية واسعة. فالضجيج الإعلامي لا يمنح الجماعة المسلحة قوة إضافية، ولا يحول الخسائر التي تلحقها بالمدنيين إلى مكاسب استراتيجية.
