
عادت قضية ملكية الأراضي في الجزيرة السورية لتكون بؤرة توتر بين العرب والأكراد في نزاع تاريخي لم يطوِه الزمن. وأفادت مصادر محلية “المدن”، بأن هذه القضية بدأت تظهر من جديد في الاجتماعات العشائرية في ريف القامشلي، حيث عقد أبناء عشيرة أباسا الكردية اجتماعاً في قريتي كورتبان ومصطفاوية، خُصص لبحث الأراضي والعقارات التي تقول العشيرة إنها من حقوقها التاريخية، وانتهى الاجتماع إلى موقف واضح يقضي بمنع بيع أو شراء أو استئجار أو رهن أراضي المغمورين التي تعتبرها العشيرة مستولى عليها.
كما رفض المجتمعون الاعتراف بالبيوع التي جرت أو قد تجري مستقبلاً على هذه الأراضي، ودعوا إلى تعميم الاتفاق على العشائر الكردية الأخرى في المنطقة.
وقال مصدر خاص لـِ “المدن”، إن أبناء منطقة روباريا عقدوا اجتماعاً أعلنوا خلاله رفض أي زراعة أو استثمار أو بيع أو شراء لأراضي المغمورين التي يقولون إنها انتُزعت ضمن سياسات “الحزام العربي”.
قصة بدأت قبل “الحزام العربي”
وبحسب المصدر، بدأ أهالي القرى الكردية بمنع عائلات “المغمورين” من زراعة أراضٍ يعتبرونها ملكاً لهم، وهذا ما يمنح الموضوع بعداً أكبر من البعد العشائري.
فملف الملكية الزراعية في الحسكة بدأ يتغير قبل مشروع “الحزام العربي” بسنوات. ومن أبرز المحطات قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، الذي وضع سقوفاً للملكية الزراعية وسمح للدولة بالاستيلاء على المساحات التي تتجاوز الحدود القانونية وإعادة توزيعها وفق أحكام القانون.
بالتالي، ليست كل أرض جرى الاستيلاء عليها في الجزيرة جزءاً من مشروع “الحزام العربي”، كما أن كل عائلة حصلت على أرض من الدولة لا يمكن وضعها تلقائياً في خانة واحدة.
ثم جاء إحصاء الحسكة عام 1962، الذي ترك بدوره آثاراً عميقة على سكان المنطقة، بعدما فقد عشرات الآلاف من الأكراد الجنسية السورية، أو أصبحوا مصنفين ضمن فئات قانونية مختلفة، ولم تكن القضية متعلقة بالهوية فقط، بل امتدت آثارها إلى الملكية والتسجيل العقاري والقدرة على التصرف بالأرض.
بعد ذلك جاءت مرحلة السبعينيات، حيث بدأت الدولة بتنفيذ مشروع إعادة توطين عائلات عربية في المنطقة الحدودية، في سياق ما عُرف لاحقاً بـ”الحزام العربي”.
وهنا التقت قضيتان مختلفتان في المكان نفسه. عائلات عربية فقدت أراضيها بسبب غمر مناطقها بمياه سد الفرات، وعائلات في الحسكة تقول إن أراضيها انتُزعت منها أو تغير وضعها ضمن سياسات الدولة وبدل أن تعالج الدولة أصل المشكلتين، جرى وضعهما في مسار واحد.
من الرقة وحلب إلى القامشلي
العائلات التي عُرفت لاحقاً باسم “المغمورين” لم تصل إلى الحسكة من تلقاء نفسها، فمع بناء سد الفرات وغمر مناطق واسعة، فقدت آلاف العائلات أراضيها ومساكنها في ريفي الرقة وحلب، ومنذ ذلك الوقت، نشأ واقع جديد. فالعائلات التي وصلت إلى الجزيرة وكان عددها 4 آلاف عائلة عاشت هناك، وأنشأت منازلها، وزرعت الأرض، وكبر أبناؤها وأحفادها في تلك القرى والتي تبلغ حاليا 41 قرية ويسكنها قرابة 200 ألف نسمة بالنسبة إلى كثير منهم، الحسكة ليست مكاناً انتقلوا إليه حديثاً، بل هي المكان الذي ولدوا وعاشوا فيه طوال حياتهم.
لكن في المقابل، بقيت عائلات أخرى تنظر إلى الأرض نفسها باعتبارها أرضاً انتُزعت من أجدادها. وهكذا، ظلّ النزاع قائماً تحت سطح الحياة اليومية ولم يكن صداماً مباشراً، لكنه كان موجوداً في الذاكرة والوثائق وروايات العائلات، واليوم مع تغيّر السلطة السياسية في سوريا، بدأ هذا الملف بالخروج مجدداً إلى العلن.
أكثر ما يثير القلق في التطورات الأخيرة، ليس عقد الاجتماعات العشائرية بحد ذاته، وإنما انتقال الخلاف إلى توجيهات من أحزاب سياسية كردية عريقة.
وقال المصدر المحلي لـِ “المدن”، إن هناك توجيهات سياسية من أحزاب المجلس الوطني الكردي لمنع “المغمورين” من زراعة الأراضي التي يعتبرها المجلس الوطني الكردي من أملاك الاكراد الأصلية.
عشيرة أباسا ومنطقة روباريا
اللافت في اجتماع عشيرة أباسا، أن المجتمعين لم يتعاملوا مع الملف باعتباره نزاعاً بين أفراد، وإنما باعتباره قضية جماعية. فقد اتفقوا على منع التصرف بأراضي المغمورين ورفض المبايعات، وتحميل المتعاملين بها تبعات قانونية وعشائرية، مع الدعوة إلى تعميم الموقف على عشائر أخرى.
أما وجهاء منطقة روباريا، فكان الموقف قريباً من ذلك، مع التأكيد على إعادة الأراضي لأصحابها الأصليين، والمطالبة بوقف أي تصرف جديد فيها إلى حين حسم الملكية.
إذا بقيت هذه المواقف محصورة في إطار المطالبة السلمية بالحقوق، فقد تشكل ضغطاً اجتماعياً باتجاه فتح الملف رسمياً. لكن إذا تحولت إلى منع فعلي للبيع أو الزراعة أو الاستثمار من دون قرارات صادرة عن جهة مختصة، فقد تبدأ المشكلة بالتحول من مطالبة بالحقوق إلى فرض أمر واقع جديد.
الإصلاح الزراعي ليس هو “الحزام العربي”
هناك نقطة مهمة في هذا الملف يجري أحياناً تجاوزها في النقاش العام. فقانون الإصلاح الزراعي صدر عام 1958، بينما بدأت عملية إعادة توطين “المغمورين” في الحسكة في السبعينيات أي أن الفترتين مختلفتان، حتى لو تداخلت نتائجهما على الأرض، ولهذا فإن أي عملية مراجعة للملكية تحتاج إلى العودة إلى تاريخ كل عقار على حدة.
والخطأ الأكبر سيكون التعامل مع “المغمورين” باعتبارهم مسؤولين عن سياسات الحكومات السابقة. فهم لم يضعوا مشروع سد الفرات، ولم يقرروا نقلهم إلى الحسكة، ولم يختاروا الأرض التي أُسكنوا فيها، وكانوا في الأصل ضحايا لعملية تغيير ديموغرافي فرضتها ظروف الدولة ومشروع السد.
لكن في الوقت نفسه، فإن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يلغي حقوق أصحاب الأراضي الذين يقولون إن أملاكهم انتُزعت منهم، وهنا يصبح الحل مسؤولية الدولة، وليس مسؤولية العائلات المتضررة من الجانبين.