ملخص
قدّمت طهران على مدار العقود الماضية، الميليشيات المسلحة الموالية لها، سواء في لبنان أو سوريا ما قبل سقوط الأسد، أو العراق واليمن، باعتبارها جزءاً من منظومة تمدد إقليمي لها، لا تقتصر فيها العلاقة مع الجماعات المسلحة على نقل السلاح وتوفير الدعم، وإنما تمتد إلى بناء سردية مشتركة عن العدو والمعركة والتضحية، لضمان ولاء تلك الميليشيات، وإن كانت في ساحات جغرافية مختلفة، خدمة للمصالح الإيرانية.
لم يكن حديث المرشد الإيراني على خامنئي، في يناير (كانون الثاني) 2016، إلى عائلات جنود نظامه ممن قتلوا في سوريا والعراق، ضمن قائمة طويلة من عناصر الحرس الثوري الذي نقلوا إلى ساحات المعارك في البلدان العربية الملتهبة، عابراً، فالرجل الأول في المنظومة الدينية والسياسية الإيرانية، حين وصف الأمر بأن “هؤلاء القتلى لو لم يذهبوا لقتال العدو هناك، لكان العدو قد جاء إلى داخل البلاد، ولكنّا اضطررنا إلى قتاله في كرمانشاه وهمدان وأصفهان وطهران”، على حد قوله، سعى إلى تذكير أركان حكمه من “المحافظين” و”الإصلاحيين” معاً، بإستراتيجية بلاده في ما يعرف بالدفاع المتقدم، عبر دعم الأذرع والميليشيات خارجياً لإبقاء التهديدات بعيداً من طهران، وتقليل خطر المواجهة العسكرية المباشرة.
ومن دون الأخذ في الاعتبار مصالح دول المنطقة وسيادتها، قدّمت طهران على مدار العقود الماضية، الميليشيات المسلحة الموالية لها، سواء في لبنان أو سوريا ما قبل سقوط الأسد، أو العراق واليمن، باعتبارها جزءاً من منظومة تمدد إقليمي لها، لا تقتصر فيها العلاقة مع الجماعات المسلحة على نقل السلاح وتوفير الدعم، وإنما تمتد إلى بناء سردية مشتركة عن العدو والمعركة والتضحية، لضمان ولاء تلك الميليشيات، وإن كانت في ساحات جغرافية مختلفة، خدمة للمصالح الإيرانية.
وبخلاف التسليح والتدريب والتمويل، بدا لافتاً تقاطع مفردات المقاومة والشهادة والتضحية ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفهما الشيطان الأكبر والأصغر على الترتيب، في خطابات الأذرع الإيرانية، وذلك ضمن سرديات تعبوية قدّم من خلالها نظام ولاية الفقيه الصراعات والاختلافات المحلية، على أنها أجزاء من مواجهة إقليمية أوسع، على رغم أن هذه الميليشيات والأذرع قد لا تتبني جميعها المناهج العقائدية نفسها، أو تخضع لمرجعية دينية وتنظيمية موحدة، بل تختلف في بعض تفاصيلها من حيث الخلفية وتجارب النشأة وحتى في علاقاتها بطهران.
وأمام هذه الصورة المعقدة والمتشابكة في آن بين طهران وأذرعها، تطرح محاولة تحليل الصورة بشكل يتجاوز حدود التسليح والتمويل والتنسيق العسكري بين الطرفين، أسئلة أعمق لفهم الأدبيات والشعارات والخطاب الديني السياسي الذي تتبناه الميليشيات الموالية لإيران، ومن بينها كيفية انتقال المفاهيم الإيرانية إلى أذرعها في المنطقة، ودور التعبئة والحشد عبر استخدام الأدوات الثقافية والدينية في تشكيل خطاب مشترك بين مقاتلين ينتمون إلى بيئات مختلفة، وصولاً إلى مدى تحول الخطاب الأيديولوجي إلى أداة لإعادة تشكيل علاقات الأذرع بمجتمعاتها ودولها.
الميليشيات في فكر الجمهورية الإسلامية
لا يمكن فهم طبيعة وأساس العلاقة بين إيران وأذرعها في المنطقة من دون العودة للتحولات التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، عندما تولى روح الله الخميني قيادة الجمهورية الإسلامية، وتبنى رؤية تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي عبر دعم حلفاء وشبكات مسلحة خارج الحدود، لضمان نفوذ سياسي وأمني يتجاوز الجغرافيا الإيرانية، فمع اللحظات الأولى من عمر التحول الجديد في طهران، وتحديدا في فبراير (شباط) 1979، رأى الخميني أن الثورة في بلاده ليست حدثاً محلياً، بل هي ومضة إلهية ونموذج يجب تعميمه، متعهداً بالعمل بجد لتصديرها إلى العالم، على اعتبار أنها إذا بقيت في محيط مغلق فستواجه الهزيمة الحتمية، وعليه كان تشكيل كيانات مسلحة موالية في الدول المجاورة هو الوسيلة العملية لنقل هذه التجربة، وإسقاط الأنظمة التي يراها غير شرعية.
ووفق ما تشير الأدبيات الإيرانية، فإن مفهوم “تصدير الثورة”، بحسب الخميني، يقوم بالأساس على الانتماء الديني وذريعة وجود شعوب تحت الظلم، وأن إيران قدوة لشعوب العالم، ومن يعاديها يعادي الإسلام، وهي رؤية تتفق مع أدبيات الحركات المتطرفة التي عاصرتها منطقتنا على مدى القرن الماضي، والتي رأت في نفسها الفئة المختارة دون غيرها.
غير أن اختزال هذا التوجه في البعد المذهبي، وفق القراءات والتحليلات التي تناولت الأبعاد الأيديولوجية للنظام الإيراني، قد لا تفسر وحدها طبيعة شبكة الميليشيات الإيرانية في المنطقة، إذ اعتمدت طهران ولاية الفقيه، إضافة إلى الروابط الدينية، على خطاب أوسع يركز على مناهضة الإمبريالية ومقاومة الهيمنة الأميركية وإسرائيل، وهو ما أتاح لها إقامة علاقات مع جماعات قد لا تتبنى المذهب الشيعي الاثني عشري، كما الحال في سوريا ما قبل سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، وحركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الفلسطينيتان، وحتى الحوثيين في اليمن.
وفي دراسته المعنونة بـ “الاعتراف بالقيود الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية”، المنشورة في معهد “كارنيغي”، يشير الباحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة كولومبيا البريطانية، مسعود زماني، إلى أن النظام الإيراني يقوم على مزيج أيديولوجي يجمع بين الإسلام السياسي الشيعي ومناهضة الإمبريالية، والتضامن مع ما يصفه الدستور الإيراني لعام 1979 بالمستضعفين، وأن هذه المبادئ لم تظل مجرد شعارات تأسيسية، وإنما انعكست على توجهات السياسة الخارجية، بما في ذلك دعم جماعات مسلحة وحركات سياسية في الشرق الأوسط.
وذكر زماني، أن هذه المبادئ دفعت النظام إلى تصدير ثورته بصورة فعالة، ولا سيما إلى الدول الأخرى ذات الغالبية المسلمة في الشرق الأوسط، موضحاً أن دعم الوكلاء في العراق واليمن ولبنان، إضافة إلى التحالفات مع الميليشيات السنيّة مثل “حماس”، شكل امتداداً لهذه الأيديولوجية الثورية التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها.
وبحسب زماني فلم يكن مطلوباً من جميع الأذرع تبني المنظومة العقائدية الإيرانية كاملة، حتى يدخلوا في شبكة علاقاتها، ففي بعض الحالات كان التقاطع في الأهداف السياسية ومواجهة الخصوم كافياً لبناء شراكة، بينما اتخذت العلاقة مع جماعات أخرى طابعاً أعمق، يقوم على تبني مفاهيم الخمينية وولاية الفقيه، والارتباط بالمرجعية الدينية والسياسية للنظام الإيراني، كما الحال بالنسبة إلى “حزب الله” اللبناني الذي أُسس في ثمانينيات القرن الماضي.
وتتجسد مركزية ولاية الفقيه داخل بنية النظام الإيراني في احتلال المرشد الأعلى موقعاً محورياً في تحديد التوجهات الإستراتيجية والسياسة الخارجية، إضافة إلى نفوذ المؤسسات غير المنتخبة، وفي مقدمها “الحرس الثوري”، وقد أسهم هذا البناء في وصل الاعتبارات الدينية بالقرارات السياسية والأمنية، ومنح المؤسسات المرتبطة بالمرشد دوراً رئيساً في إدارة العلاقات مع الحلفاء خارج الحدود.
وخلال فترة حكمه، أصدر الخميني فتوى بأنه “إذا رأى الولي الفقيه (المرشد الأعلى) ضرورة لذلك، فيمكن تعليق حتى الممارسات الإسلامية الواجبة، مثل الصلاة والصيام”، وقد تمسك خامنئي بهذه الرؤية الموسعة لسلطات المرشد الأعلى، ومارسها من دون مساءلة.
وتعتمد هذه السلطة، التي لا تخضع للرقابة، على فكرة ما وراء القانون، أي أنها ممنوحة بإرادة إلهية، إذ تمنحه هذه الصلاحيات الواسعة الكلمة الفصل في الشؤون الخارجية.
وبحسب زماني، يتماشى هذا المنظور مع التأثيرات الباكرة للخميني عندما كان شاباً، مشيراً إلى تأثره بكتابات منظر جماعة “الإخوان المسلمين” سيد قطب، ولا سيما في ما يتعلق بتقسيم العالم إلى عالمين: دار الإسلام (دار السلام)، ودار الكفر (دار الحرب)، إذ يرى أن الأولى ملزمة بغزو الثانية وإعادة تشكيلها.
ويطرح الباحث علي هاشم، ضمن تحليل له في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، زاوية أخرى لتفسير تجذر فكرة تصدير الثورة ودعم الميليشيات في المنطقة، كأحد مبادئ نظام ولاية الفقيه، والتي تعود للقناعات التي تشكلت في منظومة الحكم الإيرانية عبر التاريخ، ورؤيتها لأدوات مواجهة التهديدات الخارجية لها، ويقول إن “هناك ثلاث قناعات تفسر السلوك الإستراتيجي الإيراني، بغض النظر عمّن يمسك بالسلطة”، مضيفاً “تتمثل الأولى في أن الضعف يدعو إلى التدخل، بعد أن جرّدت “معاهدة غلستان” عام 1813 (أبرمت بعد الحرب الإيرانية – الروسية الأولى وتخلت بموجبها طهران لروسيا عن سيادتها على عدد من مناطق القوقاز وشمال أذربيجان)، و”معاهدة تركمانتشاي” عام 1828 (تنازلت بموجبها طهران عن الأراضي الباقية لها شمال نهر آراس للإمبراطورية الروسية) إيران من أراضيها في القوقاز، وكذلك فإن الاتفاق الأنغلو- روسي لعام 1907 قسّم البلاد إلى مناطق نفوذ من دون استشارة المسؤولين الإيرانيين، ومنذ ذلك الحين قرأت كل حكومة تلك الأحداث باعتبارها تحذيراً بنيوياً، بأن أية دولة لا تستطيع إظهار أدواتها الردعية ستجد سيادتها تُدار من الخارج”.
وبحسب هاشم فإن القناعة الثانية تتمثل في أن السيادة ليست قابلة للتفاوض، مع تأطير ثورتها ضمن إطار إقليمي، يمكن للحركات السياسية الشيعية من خلاله إعادة تنظيم أمن المنطقة، وظهور الإسلام السياسي كقوة حاكمة، وهي كلها عوامل تفسر أسباب تمسك إيران ببرنامجها النووي، وشبكة ميليشياتها الإقليمية، فضلاً عن توسيع ترسانتها الصاروخية.
انطلاقاً من هذه القناعات، اتجه الخميني باكراً إلى رعاية فكرة “الحرس الثوري”، مع التركيز على القوات غير النظامية مثل “الباسيج”، فضلاً عن رعاية شبكات من الميليشيات خارج الحدود، تُستغل في الرد على أعدائه بضرب أهداف مختلفة، وهي عقيدة وصلت ذروتها عام 2007 حين أعيد تعريف مهمات الجيش الإيراني و”الحرس الثوري”، وأوكلت المهمات الكبرى لـ “الحرس الثوري” بصورة رئيسة، إذ لم تقتصر مهماته على حماية النظام داخلياً، وإنما توسعت لتشمل بناء العلاقات مع الميليشيات المسلحة، وتقديم الدعم والتدريب، وتطوير شبكات نفوذ تجمع بين العمل العسكري والروابط السياسية والأيديولوجية.
وعن تموضع “الحرس الثوري” في المنظومة الإيرانية، يشرح الباحث الإيراني – الأميركي، كريم سجادبور، في تحليل له نُشر في مجلة “فورين أفيرز”، أنه “ولد باعتباره حارساً للثورة وليحمي البلاد من الانقلابات الأجنبية والمعارضة الداخلية”، مشيراً إلى توسع دوره خلال الحرب الإيرانية – العراقية بين عامي 1980 و 1988، وبعده دخل مجالات الأعمال والموانئ و البناء والتهريب والإعلام، وتطوّر إلى كيان هجين، فكان جزء منه قوة عسكرية وجزء تكتلاً تجارياً و جزء آلة سياسية، مع الإشراف على البرنامج النووي الإيراني وقيادة الميليشيات الوكيلة في المنطقة.
الحرب العراقية – الإيرانية نقطة تحول
من يتتبع مسار النفوذ والتمدد الإيراني يجد أن الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام كانت نقطة تحول، ومحطة فاصلة في تعزيز فكرة تصدير الثورة وبناء الأذرع الخارجية، وذلك بعد خاضت إيران حرباً طويلة ومكلفة في تحولاتها السياسية، وسط اضطراب مؤسسات الدولة وصعوبات إعادة بناء القوات المسلحة، وهو ما عزز أهمية التعبئة الشعبية، والقدرة على تحمل الخسائر، وتطوير أدوات عدة لمواجهة الخصم، وهو ما صعّد بدوره نجم “الحرس الثوري” وقوات “الباسيج” بصورة امتد أثرها إلى ما بعد انتهاء الحرب.
وفي كتابه المرتقب “الأساليب الإيرانية في الحرب: من كورش الكبير إلى قاسم سليماني”، ذكر الباحث أحمد هاشم أن أساليب الحرب الإيرانية تطورت من الإمبراطوريات القديمة إلى الجمهورية الإسلامية، إذ تداخلت في صياغتها التجارب التاريخية والبيئة الجيوسياسية والخيارات العسكرية المعاصرة، عاداً أن الحرب العراقية – الإيرانية كانت ضمن المحطات الرئيسة لفهم تطور حسابات طهران الدفاعية، وإن لم تكن العامل الوحيد الذي حدد مسارها اللاحق.
ووفق هاشم فإن هذه الحرب أظهرت، بالنسبة إلى قادة إيران الجدد، أهمية الاستعداد لصراع طويل، فضلاً عن ضرورة تعدد أدوات القوة، إذ لا تتحدد نتائج الصراع بحجم الأسلحة التقليدية وحده، بل تتأثر أيضاً بالتعبئة والقيادة والإمداد والقدرة على تحمل الكلفة، وأخيراً أولوية منع الهزيمة الإستراتيجية، إذ أسهمت تجربة الحرب في تشكيل البيئة التي تطورت فيها حسابات إيران الأمنية والدفاعية اللاحقة، وإن لم تكن العامل الوحيد المحدد لها، على حد وصفه.
وتشير أدبيات عدة إلى أنه مع قبول الخميني بوقف إطلاق النار مع العراق عام 1988، والذي وصفه بأنه تجرع لكأس السم، فلم تتجه إيران إلى التخلي عن طموحاتها الثورية أو حصر أمنها في حدودها الجغرافية، بل تطورت حساباتها خلال الأعوام اللاحقة باتجاه تنويع أدوات الردع، بالتوازي مع بناء قدرات صاروخية وتطوير وسائل غير تقليدية للتعامل مع التهديدات الخارجية.
ورأى هاشم في تحليل نشره حول الكتاب، أنه انطلاقاً من تلك الحسابات عملت إيران على تطوير قدراتها في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية، بالتوازي مع بناء علاقات مع قوى مسلحة تتقاطع معها أيديولوجياً، وتقدم لها دعماً مادياً، مشيراً إلى أن هذا النمط أتاح لطهران توسيع نطاق تأثيرها خارج حدودها، بغض النظر عن مصالح الدول التي توجد على أرضها تلك الأذرع، واصفاً هذا التوجه بمفهوم الدفاع المتقدم، أي محاولة حماية الدولة ومصالحها من خلال التعامل مع التهديدات خارج حدودها، بدلاً من انتظار وصولها إلى الأراضي الإيرانية.
ووفق منظور طهران الإستراتيجي، فلا تكمن أهمية هذا النهج في استخدام الجماعات المسلحة وحدها، بل في الجمع، بحسب ما يشير تحليل لمجلة “فورين أفيرز” الأميركية، بين القوة العسكرية والعلاقات السياسية والخطاب الأيديولوجي، إذ لا ترتبط إيران بأذرعها على أدوات التسليح والتدريب والتمويل وحسب، بل تستند أيضاً إلى علاقات ممتدة مع قيادات وأحزاب ومؤسسات دينية واجتماعية، مما يسمح بتحويل المكاسب العسكرية في بعض الحالات إلى نفوذ سياسي أكثر استدامة.
وهناك بعد آخر في تفسير كيفية تأسيس طهران ميليشيات موالية لها خارج حدودها الجغرافية، تحدث عنه الباحثان محمد المحفلي من “مركز دراسات الشرق الأوسط” في “جامعة لوند”، والمتخصص في الإسلام الثوري والروايات التاريخية والأيديولوجية، جيمس روت، قائلين إنه “في وقت كان تصدير الثورة أحد المبادئ الأساس للنظام الديني الذي أنشئ في إيران بعد عام 1979، لكن الحرب الطويلة مع العراق والجاذبية المحدودة لأيديولوجية الشيعية الاثني عشرية في منطقة الشرق الأوسط، ذي الغالبية السنيّة، دفعا إيران نحو التحلي ببعض البراغماتية عند البحث عن حلفاء ووكلاء في المنطقة”.
ووفق الباحثين في دراستهم المعنونة بـ “الثورة الإسلامية الإيرانية: كيف تُلهم أو لا تُلهم حكم الحوثيين في شمال اليمن”، لم يكن تحرك إيران لدعم جماعات أجنبية بالضرورة مبنياً على ارتباط ديني مباشر، بل على مبادئ أيديولوجية أوسع، مثل معاداة الإمبريالية ومناهضة إسرائيل والولايات المتحدة، موضحين بعضاً من طرق التغلغل الإيراني بين صفوف تلك الجماعات، والتي شملت الترويج لأنشطة دينية وثقافية عدة.
وتدليلاً على ذلك، أشار الباحثان إلى حال الحوثيين في اليمن، قائلين إنه “كان لافتاً خلال الأعوام الأخيرة الترويج لأنشطة دينية وثقافية، ليس لها علاقة واضحة بالتاريخ الزيدي (المذهب الذي تنتمي إليه ميليشيات الحوثي)، مثل إحياء ذكرى عاشوراء (الحداد على مقتل الحسين) ويوم القدس العالمي (حدث سنوي اقترحه الخميني لدعم القضية الفلسطينية ومعارضة إسرائيل والصهيونية)، وكذلك أقرّ الحوثيون في المناطق الخاضعة لسيطرتهم عيد الغدير (عيد يحتفل به المسلمون الشيعة في الـ 18 من ذي الحجة من العام الهجري، لإحياء اليوم الذي، بحسب اعتقادهم، عين فيه النبي محمد صهره علي خليفة من بعده) كعطلة رسمية يتخللها مسيرات تكون المشاركة فيها إلزامية.
وقبل سيطرة ميليشيات الحوثي على العاصمة صنعاء عام 2014، كانت الاحتفالات بـ “عيد الغدير” تقتصر على فعاليات خاصة في بعض المناطق الشمالية، معقل الجماعة، حيث جرى حظر الاحتفال بهذه المناسبة بعد قيام ثورة سبتمبر (أيلول) 1962، إضافة إلى استخدام الحوثيين الواسع للرمزية الطائفية، مثل الإشارة إلى الإمام الحسين بن علي كرمز ديني ثوري، يقولون إن جماعتهم تمشي على خطاه.
وفي دراسة عن دور الأيديولوجيا في تفسير قوة علاقات إيران وأذرعها الخارجية، يذهب الباحث في الدراسات الدولية بـ “جامعة تورينتو”، ديفيد إم سيب، إلى أن “قوة العلاقة لا تتحدد بحجم التمويل والتسليح وحدهما، وإنما تتأثر أيضاً بمدى تبني الجماعات الأفكار الخمينية وحدها، من دون خلطها بأية أيديولوجيات أخرى، مثل القومية أو الهويات القبلية، ووفق هذه المقاربة تصبح العلاقة أكثر رسوخاً عندما تحتل الأيديولوجيا الإيرانية موقعاً مركزياً في تشكيل الولاء والقرار، كما الحال بالنسبة إلى “حزب الله” والميليشيات الموالية في العراق، بينما تظل أكثر تعقيداً عندما تتنافس معها مرجعيات أخرى كما الحال بالنسبة إلى سوريا ما قبل سقوط الأسد والحركات الفلسطينية الموالية لها”.
وتفسر هذه الفرضية حجم التفاوت بين جماعات تتبنى فكر الخميني وولاية الفقيه بصورة واضحة، وأخرى تتقاطع مع إيران في بعض القضايا، لكنها تحتفظ بمرجعيات دينية أو هويات وطنية ومحلية مختلفة، وهو أمر يوضح لماذا تختلف علاقة طهران بحلفائها من حال إلى أخرى، ففي حال “حزب الله” اللبناني، يعد الحزب النموذج الأكثر ارتباطاً على المستوى الأيديولوجي والسياسي بنظام ولاية الفقيه، مثلما تشير أدبياته، وفق ما جاء في بيانه التأسيسي السياسي الصادر عام 1985، التزامه بمرجعية الولي الفقيه، في تعبير صريح عن طبيعة العلاقة الفكرية التي تربطه بالنظام الإيراني.
ولم يقتصر هذا الارتباط على البيانات السياسية، وإنما ظهر أيضاً في الرموز والشعارات والاحتفالات العامة، وفي حضور المرجعية الإيرانية ضمن الخطاب الديني للحزب، وعلى هذا الأساس شكلت تجربة “حزب الله” نموذجاً مهماً في تطور شبكة العلاقات الإيرانية، وفق ما يقول مراقبون.
تصدير الأفكار وصناعة الشعار
أمام مشهد يتداخل فيه الدعم والتمويل والتدريب العسكري من إيران لأذرعها، مع الخطاب التعبوي والديني والسياسي للإبقاء على الولاء، يمثل تفكيك الرموز والشعارات وتصدير الأفكار وفهم كيفية انتقالها مؤشراً على تفسير استمرار طهران حشد الأنصار واختراق المجتمعات المحيطة بها، عبر الصراعات المحلية في قضايا أوسع، وتقديم المواجهة باعتبارها جزءاً من معركة تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
وبتتبع تصدير الأفكار والشعارات، نجد أن عملية نقلها لم تكن متطابقة في جميع الحالات، فقد تأثرت، وفق ما تشير الأدبيات والكتابات، بطبيعة البيئة المحلية والخلفية المذهبية للميليشيات، ومدى احتكاك قياداتها بالمؤسسات الإيرانية، ويكشف تقاطع الشعارات المرتبطة بالمقاومة ومناهضة الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى استدعاء الرموز الدينية والتاريخية، عن وجود عناصر مشتركة في الخطاب التعبوي الذي تبنته جماعات حليفة لطهران.
وإجمالاً، برزت الرموز الدينية في الخطاب السياسي والتعبوي لبعض الجماعات، بما في ذلك استدعاء الذاكرة التاريخية للصراع والاضطهاد، واستخدام مفاهيم الشهادة والتضحية والولاء، بوصفها أدوات لحشد الأنصار، وإضفاء شرعية دينية على المشاركة في المعارك.
ففي الحال العراقية يقول الباحث الأميركي من أصل إيراني، والزميل في “مجلس العلاقات الخارجية” في الولايات المتحدة، ولي نصر، في كتابه “الصحوة الشيعية: الصراعات داخل الإسلام وكيف سترسم مستقبل الشرق الأوسط”، إن “حرب عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين أحدثا تحولاً كبيراً في التوازنات السياسية والمذهبية داخل العراق والمنطقة، وفتحا المجال أمام صعود قوى شيعية موالية لنظام ولاية الفقيه، كانت مهمشة في ظل النظام السابق”، عاداً تلك الحرب الحلقة الأكثر أهمية في تاريخ الشيعة السياسي الحديث، بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، سواء في دلالتها الإيجابية على الاستحقاق السياسي للشيعة في العراق، أو دلالتها السلبية في سقوط أكبر عدو للشيعة على مدى القرن الـ 20، وهو ما تمثل في نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، موضحاً أن “أبرز تأثيرات هذه الحرب كانت خلخلتها توازن القوة المتوتر بين الشيعة والسنّة، ليس فقط في العراق ولكن في المنطقة ككل، وهو ما جرى التعبير عنه بتعبيرات من قبيل ‘الهلال الشيعي’ أو’ الصحوة الشيعية’، وهو نتاج جاء عكس ما اعتقدته إدارة الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الابن، من أن تغيير النظام العراقي سيسهم في جلب الديمقراطية للعراق وبالتالي باقي دول المنطقة.
وقال نصر إنه “إضافة إلى ما حدث في العراق، كانت هناك فورة دعائية طائفية تستمد من التراث الشيعي لهباً يحاول التأثير في جمهور الطائفة، إذ جرى استدعاء المهدي في خطب المرشد الإيراني آنذاك، على خامنئي، وقادة سياسيين داخل إيران في مواضع عدة، مبشرين باقتراب مخرجه وفرجه”، مشيراً إلى أن إيران تمكنت بعد سقوط نظام صدام حسين من تعميق تأثيرها الرسمي وغير الرسمي في العراق، حين قامت ببناء شبكة معقدة من الحلفاء والعملاء، وتراوحت هذه الشبكة بين موظفي استخبارات، وجيوش شعبية مسلحة، بعد أن قضت معظم كوادر “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” و”حزب الدعوة” وقتاً طويلاً في المنفى داخل إيران، قبل العودة للعراق عام 2003، فضلاً عن تلقي كثير من المنظمات الشيعية العراقية تدريبها على يد “الحرس الثوري” الإيراني، مثل “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” في العراق.
من جانبه، ذكر “المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية”، مقره بريطانيا، أن السلوك الإيراني في العراق بعد الاحتلال الأميركي شكّل ركيزة أساسية في النظرة الإستراتيجية الإيرانية الجديدة، إذ اعترف الإيرانيون ضمنياً بالضعف العسكري التقليدي لديهم، وتجنّبوا المواجهة المباشرة مع أعدائهم الأميركيين الأقوياء، مركزين على استخدام الوكلاء غير التقليديين، مضيفاً أن طهران تمكنت عبر خطوط لوجستية غير مقيّدة، من تصدير مجموعة من المحنكين نسبياً من العراقيين المقيمين في إيران، وطورت لنفسها هناك أول كيان عسكري بعد “حزب الله” في لبنان.
وعلى صعيد الشعارات، تقول دراسة محمد المحفلي وجيمس روت، إنه “بتتبع شعارات وكلاء إيران في المنطقة، سواء في اليمن أو لبنان أو العراق، أو حتى سوريا ما قبل سقوط نظام بشار الأسد، اعتمدت تلك الميليشيات على الشعارات والصور الإسلامية المعادية للإمبريالية والصهيونية، والتي أطلقتها جمهورية إيران الإسلامية، فمثلا اطلق الحوثيون على أنفسهم اسم ‘أنصار الله’ الشبيه باسم ‘حزب الله’ اللبناني، ككيان سياسي، وهي توصيفات مستوحاة من آيات قرآنية، وحملت إحدى شعاراتهم التي شاع استخدامها خارج اليمن، عبر وسائل إعلام إيرانية ولبنانية، أوجه شبه عدة برموز ‘حزب الله’ و’الحرس الثوري’ الإيراني.
وكذلك استخدمت القوات شبه العسكرية المدعومة من إيران، مثل ‘حركة النجباء’ وكتائب حزب الله العراقية صورا مشابهة في شعاراتها، وحوت كثير من شعارات أذرع إيران في معظمها نفس العناصر والبنية، والتي تتمثل في الآيات القرآنية فوق الشعار، التي تشدد على الأيديولوجية الإسلامية وتشير إلى أن دعم الجماعة واجب ديني، فمثلاً يعتمد الحرس الثوري الإيراني الآية القرآنية (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) بينما يعتمد ‘أنصار الله’ (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله)، فيما يتخذ ‘حزب الله’ من الآية (إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون) شعاراً له”.
وعلى رغم التشابه في الشعارات بين وكلاء إيران في اليمن والعراق ولبنان، لكن ذلك لا يعني بالضرورة، وفق ما يقول مراقبون، تطابق العقائد أو وحدة المرجعيات، إذ قد تستعير جماعات مفردات ورموزاً من التجربة الإيرانية، ثم تعيد توظيفها بما يتناسب مع تاريخها ومصالحها المحلية، وفي حالات أخرى يصبح الارتباط الأيديولوجي أكثر وضوحاً، ويظهر في الوثائق التأسيسية والخطاب السياسي والمرجعية الدينية التي تعلن الجماعة التزامها بها.
توسيع النفوذ والتحرك
من خلال تتبع محطات توسع النفوذ الإيراني في المنطقة عبر الوكلاء، نجد أن “حزب الله” اللبناني منذ تأسيسه في ثمانينات القرن الماضي، كان أبرز مراحل المشروع الإيراني التوسعي، إذ شكّل نموذجاً باكراً لبناء ذراع مسلحة مرتبطة سياسياً وعسكرياً بإيران خارج حدودها، ومع مرور الأعوام توسعت هذه الشبكة لتشمل ساحات أخرى، خصوصا في العراق واليمن، مستفيدة من ظروف الصراع وضعف مؤسسات الدولة، لتتحول تدريجياً إلى ما يشبه أخطبوط النفوذ الممتد عبر دول عربية عدة، وفق ما يقول مراقبون.
وكذلك استغلت طهران سياقات وظروف نزاعات ما بعد “الربيع العربي” في بعض البلدان لدعم وتطوير عملائها في المنطقة، ففي الحروب الأهلية في سوريا والعراق واليمن، تحول عملاء إيران من جماعات مسلحة إلى قوات عسكرية، وانتقلوا من العمل في الظل إلى ساحة المعركة المفتوحة، وزود العملاء المتحالفون إيران بآلية لمحاربة خصومها على جبهات عدة بالوكالة، وأصبحت في هذه العملية امتداداً لقوة إيران العسكرية، وأساساً لقوتها الإقليمية المتنامية.
فخلال العقد ونيف الماضيين، شهدت المنطقة محطات فاصلة قادة إلى توسع النفوذ الإيراني، قبل أن تشهد تراجعاً في مراحل لاحقة، ولا سيما في سوريا خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011، واستمرت حتى سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، إذ دعمت طهران نظام الأسد، وشاركت جماعات مسلحة حليفة لها، من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، في القتال إلى جانب القوات الحكومية السورية، وكذلك قاتلت جماعات مدعومة من إيران “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا”، في وقت تداخلت ساحات المواجهة مع حسابات قوى إقليمية ودولية عدة، وبرز “حزب الله” اللبناني والفصائل العراقية، ومن بينها “فيلق بدر” و”كتائب حزب الله ” العراقية و”عصائب أهل الحق” و”حركة النجباء”، ضمن أبرز القوى التي امتلكت خبرة ميدانية في هذه الساحات، وأسهمت الخبرات المتراكمة لدى بعض هذه الجماعات في تدريب مقاتلين آخرين، مما أدى إلى انتقال المهارات العسكرية والتنظيمية بين ساحات الصراع، وليس الأفكار والشعارات وحدها.
وفي تحليل بعنوان “كيف استخدمت إيران نموذج ‘حزب الله’ للهيمنة على العراق وسوريا؟”، ناقش الباحث في “معهد بروكنغز”، رانغ علاء الدين، كيفية تحول الجماعات المسلحة من قوى تقاتل في ساحات الصراع إلى كيانات تمتلك نفوذاً سياسياً واجتماعياً، وتقوم إحدى الأفكار الرئيسة في هذه المقاربة على أن تأثير الجماعات لا يتوقف عند مشاركتها في العمليات العسكرية، وإنما يمتد إلى توفير الخدمات والمساعدات، وبناء المؤسسات الاجتماعية، مما يمنحها حضوراً محلياً وقدرة على التأثير في المجتمعات التي تنشط فيها.
وبحسب دراسة رانغ، فقد درّبت إيران هذه الميليشيات لاستغلال الفوضى وملء الفراغ، بتوفير الخدمات والأمن للسكان اليائسين في كثير من الأحيان، وأسهمت فيالق “الحرس الثوري” الإسلامي، الذي يشرف على هؤلاء الوكلاء، في استمالة المنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية المحلية، أو السيطرة عليها لاكتساب الشرعية والشعبية، وضمنت إيران تقديم المساعدات من خلال هؤلاء الوكلاء.
ويمضي رانغ في تحليله قائلاً “كان ‘حزب الله’ في الحال اللبنانية مثالاً على تحول القوة المسلحة إلى نفوذ سياسي مستدام، وهو ما أثار اهتمام جماعات أخرى في المنطقة، ففي العراق توسع حضور بعض الفصائل داخل المؤسسات السياسية والأمنية والاجتماعية، بينما اكتسبت قوات ‘الحشد الشعبي’ وضعاً رسمياً بعد عام 2014، وإن ظلت الفصائل المكونة لها متفاوتة في علاقتها بإيران ودرجة استقلالها التنظيمي والعملياتي”.
ويُرجع رانغ قدرة إيران على بناء شبكاتها الإقليمية بالوكالة، إلى تشكيل روابط معقدة ومتعددة الطبقات بين الأفراد وبين المنظمات، ويدعمها مجموعة متنوعة من مراكز القوة، مثلما هي الحال في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إذ أنشأت إيران مؤسسات موازية ومتجذرة بعمق، وسط مؤسسات الدولة الضعيفة والبيئات الأمنية المتقلبة، وأنشأت مجموعات ميليشيات قوية يمكنها التجمع حول قيم وأهداف مشتركة، تربطها في نهاية المطاف بولاية الفقيه”.
وقبل اغتياله في يناير عام 2020، برز قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، بوصفه أحد أبرز الشخصيات الإيرانية التي أدارت علاقات طهران مع أذرعها في المنطقة، إذ ارتبط دوره ببناء علاقات طويلة الأمد مع قيادات محلية، والتنسيق بين ساحات مختلفة، وربط الدعم العسكري بحسابات سياسية وإستراتيجية أوسع، ووفق مراقبين فإن هذه التجارب تعكس كيف أن النفوذ الإيراني لا يتوقف عند امتلاك أدوات عسكرية أو توفير التمويل، بل يتصل أيضاً بالقدرة على ترسيخ حضور طويل الأمد داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، ففي بعض الحالات توسعت الجماعات المسلحة إلى مجالات العمل السياسي والخدمات الاجتماعية والدينية، وهو ما أتاح لها بناء قواعد دعم محلية، وتحويل بعض مكاسبها العسكرية إلى نفوذ مؤسسي.
