ملخص
بينما تختلف التقديرات بشأن الجهة التي قد تقف وراء حوادث الطاقة في سوريا، يعود السؤال عن علاقة دمشق بـ”حزب الله” إلى الواجهة. فهل يمكن أن تدفع الحسابات الأمنية خصوم الأمس إلى فتح قنوات تواصل، أم إن مجرد تداول هذا الاحتمال يحمل رسالة سياسية إلى إسرائيل؟
في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، لم يسقط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد وحده، بل سقطت معه معادلة إقليمية كانت دمشق إحدى ركائزها طوال عقود. فإيران خسرت ممراً استراتيجياً إلى لبنان، و”حزب الله” خسر النظام الذي قاتل دفاعاً عنه وعن مصالحه ضمن “محور الممانعة” أيضاً.
إسرائيل وجدت نفسها أمام سوريا مختلفة، فتقدمت داخل المنطقة العازلة في الجولان وجبل الشيخ، وشنت ضربات على مواقع عسكرية سورية. وفي الـ29 من يناير (كانون الثاني) 2025، وصل أحمد الشرع إلى رئاسة سوريا، بعدما كان في صفوف القوى التي حاربت النظام السابق.
تبدلت الأسماء والمواقع والتحالفات، لكن سوريا لم تغادر حسابات القوى المتنافسة على مستقبل المنطقة. تغير مَن يحكم دمشق، ولم تنته الأسئلة عمن يملك القدرة على التأثير في قراراتها.
من المواجهة إلى البحث عن اتفاق
لم يكن بسيطاً أن تنتقل دمشق من موقع المواجهة مع إسرائيل إلى البحث عن اتفاق أمني معها. ففي الـ26 من يوليو (تموز) 2026، أعلن الشرع سعي بلاده إلى اتفاق قد يمهد لسلام أشمل، من دون التفريط بحق سوريا في الجولان. لكن المفاوضات تعثرت، وبقيت إسرائيل تتحرك عسكرياً داخل الأراضي السورية، فيما طرحت تطورات أخرى أسئلة عن حدود التفاوض وأوراق الضغط.
في هذا التوقيت، تعرضت خطوط الطاقة السورية لحوادث أمنية، فاستُهدف خط الغاز في منطقة الشولا بدير الزور بعمل تخريبي، وسُجل انفجار في خط يغذي “محطة تشرين”، من دون أن تُحسم أسباب الحادثة الأخيرة.
ثم جاء خبر آخر ليفتح باباً مختلفاً من التساؤلات. ففي الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، نقلت وكالة “رويترز”، استناداً إلى مصادرها، أن ممثلين عن الحكومة السورية و”حزب الله” عقدوا لقاء سرياً في تركيا خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل أن تنفي دمشق حدوثه، فيما لم يصدر أي موقف رسمي أو بيان توضيحي عن الحزب، نفياً أو تأكيداً.
لم يكن الحديث عن لقاء بين الطرفين عادياً، بعدما قاتل الحزب دفاعاً عن الأسد، فيما كانت القوى التي وصلت إلى السلطة الجديدة في موقع المواجهة معه، وهنا تتقاطع ثلاثة ملفات ضمن مسار واحد، أولاً تعثر المفاوضات السورية – الإسرائيلية، وثانياً الحديث عن اتصالات بين دمشق و”حزب الله”، وثالثاً الاعتداءات على منشآت الطاقة. فهل يمكن أن تكون إسرائيل وراء بعض هذه الحوادث لتوجيه رسالة إلى دمشق بشأن خياراتها السياسية والأمنية أم أن الربط بينها يمنح أحداثاً منفصلة معنى لا تثبته الوقائع؟
لا توجد حتى الآن أدلة حاسمة تثبت مسؤولية إسرائيل عن الحوادث، ولا صلة بينها وبين اللقاء المزعوم الذي نفته دمشق. لكن اختلاف تقديرات الخبراء بشأن الجهات المحتملة والدوافع السياسية يضع هذه الفرضية في قلب النقاش حول سوريا الجديدة: هل أصبحت منشآتها الحيوية إحدى ساحات الضغط في الصراع على خياراتها؟
دمشق تنفي وتحدد شروطها
قبل البحث عن الرسائل المحتملة وراء هذه التطورات، يبرز موقف دمشق الرسمي. فالسلطات السورية تنفي وجود اتصالات مع “حزب الله”، وتؤكد أن أولويتها في العلاقة مع إسرائيل هي وقف الاعتداءات والعودة إلى الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة قبل سقوط النظام السابق.
في السياق، ينفي المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد الشرع، أحمد زيدان، في حديث خاص لـ”اندبندنت عربية”، “وجود أي اتصالات بين السلطات السورية و’حزب الله'”، مجددِاً موقف دمشق الداعي إلى “ضرورة بسط الدولة اللبنانية سلطتها على قرارها السياسي والعسكري”، بما يعني أن تكون مؤسسات الدولة اللبنانية هي المرجعية في القرارات المتعلقة بالأمن والسلاح على أراضيها، بعيداً من أي قرار عسكري مستقل تتخذه قوى خارج إطارها.
أما في شأن المفاوضات السورية – الإسرائيلية، فيؤكد زيدان أن “موقف دمشق واضح ويحظى بدعم الدول العربية الشقيقة وأصدقائنا في العالم”، مشدداً على “تمسك سوريا بتفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974″، الذي ينظم الفصل بين القوات السورية والإسرائيلية في الجولان، ويشكل الإطار الأمني الذي تستند إليه دمشق في مطالبتها بوقف الاعتداءات الإسرائيلية.
ويرى زيدان أن “الكرة باتت في الملعب الإسرائيلي”، مشدداً على “ضرورة أن تكف إسرائيل عن عدوانها على الأراضي السورية”، فيما يبقى التقدم في المفاوضات مرهوناً باستعداد الطرفين للاتفاق على ترتيبات أمنية يمكن تطبيقها على الأرض.
خطوط الطاقة.. ماذا حدث؟
في المقابل، تكشف الحوادث التي طالت منشآت الطاقة عن تحد مباشر أمام السلطة الجديدة. فخطوط الغاز والنفط ليست مجرد بنية تحتية، بل هي جزء من قدرة الدولة على توفير الكهرباء وتحريك الاقتصاد وإظهار قدرتها على إدارة البلاد بعد سنوات الحرب.
بدوره، يقول الناطق الرسمي باسم وزارة الطاقة السورية عبدالحميد سلات، لـ”اندبندنت عربية”، إن “ما شهدته سوريا خلال الفترة الأخيرة من اعتداءات متكررة على خطوط ومنشآت الطاقة يعكس خطورة التهديدات التي تواجه هذا القطاع الحيوي الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي واستقرار الخدمات في البلاد”.
ويوضح سلات أن “التحقيقات أثبتت تعرض خط الغاز في منطقة الشولة بريف دير الزور لعمل تخريبي باستخدام مواد متفجرة، إلى جانب اعتداء مباشر استهدف خط النفط قرب منطقة تل حميس في محافظة الحسكة”، مؤكداً أن “الجهات المختصة تمكنت من تحديد هوية المتورطين والقبض عليهم وإحالتهم إلى القضاء”.
أما انفجار خط الغاز المغذي لـ”محطة تشرين”، فيشير إلى أن “أسبابه وملابساته لا تزالان قيد التحقيق الفني والأمني”، مشدداً على “ضرورة عدم استباق النتائج النهائية، على رغم خطورة الحادثة وتزامنها مع الاعتداءات الأخيرة”.
وهنا تبرز نقطة أساسية في قراءة ما جرى. فثبوت التخريب في الشولة لا يعني أن جميع حوادث الطاقة كانت عمليات متعمدة، كما أن تقارب توقيتها لا يكفي لإثبات أن جهة واحدة تقف وراءها. ويحذر سلات من أن “تداعيات استهداف البنية التحتية للطاقة لا تقتصر على المنشآت المتضررة، بل تمتد إلى توليد الكهرباء وإمدادات المياه والأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السوريون يومياً، في وقت يمثل استقرار القطاع شرطاً أساساً لدفع مسار التعافي وإعادة الإعمار”.
وبشأن احتمال وجود صلة بين هذه الاعتداءات والتوترات السياسية والأمنية الأخيرة، يلفت إلى أن “تكرار الحوادث خلال فترة زمنية متقاربة يستدعي التعامل معها بمنتهى الجدية”، لكنه يؤكد أن “تحديد دوافعها والجهات التي تقف وراءها، وما إذا كانت مترابطة، يبقى رهناً بنتائج التحقيقات والأدلة التي تتوصل إليها الجهات المختصة”، مشدداً على أن “قطاع الطاقة أحد أعمدة بناء سوريا الجديدة، وأن الوزارة ستواصل حماية منشآته وإصلاح الأضرار وضمان استمرارية الخدمات بالتنسيق مع الجهات المعنية”.
من يقف وراء التفجيرات؟
لكن ما لم تحسمه التحقيقات يفتح الباب أمام تقديرات مختلفة في شأن الجهات المحتملة. فهل تستهدف هذه الحوادث إضعاف الدولة الجديدة من الداخل، أم إن بعضها مرتبط بصراعات إقليمية تتجاوز الحدود السورية؟
يرى الباحث في اقتصاد الطاقة السوري سمير سعيفان، أن “التفجيرين اللذين استهدفا خط الغاز الرابط بين الشولة ودير الزور، والخط المغذي لمحطة تشرين قرب دمشق، يصعب التعامل معهما بوصفهما مجرد أعطال تقنية، لا سيما مع تقارب توقيتهما وتزامنهما مع حوادث أمنية أخرى”.
ويوضح سعيفان أن “الحادثة الأخيرة أدت إلى انقطاع إمدادات الغاز عن محطات تشرين ودير علي والناصرية، وهي من المحطات الرئيسة لتوليد الكهرباء في سوريا، مما انعكس على التغذية الكهربائية وزاد ساعات التقنين، بعدما شهدت تحسناً نسبياً خلال الفترة الماضية بفضل زيادة إمدادات الغاز، سواء من مناطق شمال شرقي سوريا أو عبر واردات الغاز الأذربيجاني المار بالأراضي التركية”.
ويشير إلى أن “الشكوك بشأن وجود عمل مدبر تتعزز مع تسجيل حوادث أمنية متفرقة، بينها هجوم استهدف حافلة قرب جسر مصياف وأوقع سبعة قتلى وأربعة جرحى، وحادثة أخرى في طرطوس أسفر عن سقوط ثلاثة قتلى، إضافة إلى انفجار لغم في الغوطة الشرقية أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر الأمن العام”، وفق المعلومات التي أوردها.
“الحادثة ناجمة عن عمل متعمد”
على رغم عدم استبعاده بصورة قاطعة فرضية العطل التقني في حادثة “محطة تشرين”، يرجح سعيفان أن “تكون الحادثة ناجمة عن عمل متعمد”، مستنداً إلى “حجم الحريق الذي اندلع في الموقع واضطر الجهات المعنية إلى قطع تدفق الغاز للسيطرة عليه”. لكنه يقر بأن “هوية الجهة المسؤولة لم تتضح بعد، وأن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود جهة واحدة تقف وراء الحوادث”.
وفي تحديد الجهات المحتملة، يرجح سعيفان فرضية تورط خلايا تابعة لتنظيم “داعش”، مشيراً إلى “استمرار وجودها في البادية السورية ومناطق أخرى، وقدرتها على تنفيذ عمليات أمنية متفرقة، بعضها لا يحظى بتغطية إعلامية واسعة”. ولا يستبعد وجود صراعات داخلية أو محاولات لممارسة ضغوط أمنية على السلطات الجديدة، لكنه يقلل من احتمال وقوف فلول النظام السابق وراء هذه العمليات، معتبراً أن “قدراتها الميدانية محدودة”.
أما في ما يتعلق بإيران و”حزب الله”، فيشير إلى أن “الطرفين لا يزالان يمتلكان القدرة على التحرك عبر مجموعات مرتبطة بهما، لكنه يستبعد تورطهما في الاعتداءات الأخيرة”، مستنداً إلى “سعي السلطات السورية الجديدة لتحسين علاقاتها مع طهران وتجنب التصعيد مع الحزب، ضمن سياسة تهدف إلى تخفيف التوترات وفتح قنوات التفاهم مع الأطراف الإقليمية”.
هل لإسرائيل دور في استهداف منشآت الطاقة؟
بشأن احتمال وجود دور إسرائيلي في استهداف منشآت الطاقة، يستبعد سعيفان أن “تكون إسرائيل وراء هذه العمليات بصورة مباشرة”، معتبراً أن “أسلوبها في سوريا يقوم أساساً على التوغل العسكري وفرض وقائع ميدانية جديدة، بما يعزز سيطرتها على مناطق إضافية ويتيح لها تثبيت وجود طويل الأمد فيها”، معتبراً أن “الخطر الأكبر لا يكمن في الاعتداءات المحدودة وحدها، بل في احتمال تحول الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية إلى واقع دائم، في ظل اختلال ميزان القوة وعجز السلطات السورية عن مواجهته عسكرياً”.
ويشير إلى أن “إسرائيل لا تبدي، حتى الآن، استعداداً للتوصل إلى اتفاق ينهي حالة التوتر مع دمشق، لأن غياب التفاهمات الأمنية يترك أمامها”، بحسب تقديره، “هامشاً أوسع لمواصلة التحركات العسكرية داخل الأراضي السورية”. وفي المقابل، يلفت إلى أن “دمشق تركز جهودها على تثبيت شرعيتها الدولية وتخفيف العقوبات واستعادة علاقاتها الخارجية، مع التعويل على الضغوط الأميركية للتوصل إلى تفاهم يعيد القوات الإسرائيلية، في الحد الأدنى، إلى خطوط فض الاشتباك لعام 1974”.
ولا يستبعد سعيفان أن “يكون إضعاف الدولة السورية وإشغالها بأزمات داخلية أحد الاحتمالات المرتبطة بالحسابات الإسرائيلية”، لكنه يحذر من “الجزم بذلك”، معتبراً أن “استمرار الفوضى وغياب سلطة مركزية قادرة على ضبط الأمن لا يخدم، في المحصلة، مصالح الأطراف الإقليمية والدولية”.
ويخلص إلى أن “التحدي الذي تواجهه سوريا لا يقتصر على حماية خطوط الطاقة أو احتواء الحوادث الأمنية المتفرقة، بل يتصل بقدرة الدولة الجديدة على تثبيت الاستقرار الداخلي ومنع تحول هشاشتها الأمنية إلى فرصة لأطراف تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض”.
“حزب الله”… ماذا تغير؟
وبينما تختلف التقديرات بشأن الجهة التي قد تقف وراء حوادث الطاقة، يعود السؤال عن علاقة دمشق بـ”حزب الله” إلى الواجهة. فهل يمكن أن تدفع الحسابات الأمنية خصوم الأمس إلى فتح قنوات تواصل، أم إن مجرد تداول هذا الاحتمال يحمل رسالة سياسية إلى إسرائيل؟
قبل سقوط الأسد، كان الحزب جزءاً من المعادلة التي أبقت النظام السوري قائماً، وكانت الأراضي السورية ممراً استراتيجياً للنفوذ الإيراني نحو لبنان. اليوم، تغيرت المواقع. فالسلطة الجديدة جاءت من صفوف القوى التي حاربت الأسد وحلفاءه، فيما فقد الحزب أحد أهم مرتكزاته الإقليمية.
في هذا الإطار، يرى رئيس “اتحاد كتاب سوريا” أحمد جاسم الحسين، أن “الحديث عن اتصالات محتملة بين دمشق و’حزب الله’ يمكن قراءته ضمن رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، إحداها موجهة إلى إسرائيل، ومفادها أن دمشق لا تريد حصر خياراتها بمسار تفاوضي واحد”، مستبعداً أن “تكون سوريا معنية بإحياء تحالفاتها القديمة”، موضحاً أنها “تسعى اليوم إلى توسيع هامش حركتها السياسية وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية جديدة”، معتبراً أن “القيادة الحالية تمتلك مشروعاً لإعادة بناء دور سوريا، وأن خطابها السياسي وموقعها الإقليمي يشهدان تطوراً متواصلاً”.
ويشير الحسين إلى أن “ما تغير بصورة أساسية هو موقع الطرفين في المعادلة الإقليمية. فبعض الشخصيات الموجودة اليوم في السلطة السورية كانت مصنفة سابقاً ضمن قوائم الإرهاب، قبل أن تصبح جزءاً من سلطة تتعامل معها دول العالم بوصفها ممثلة للدولة السورية”.
في المقابل، يقول إن “‘حزب الله’ فقد عمقه السوري السابق، رسمياً وشعبياً، بعدما كان شريكاً عسكرياً لنظام الأسد”. ويرى أن “دمشق باتت تنظر إلى علاقاتها الإقليمية انطلاقاً من مصالح الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لا من التحالفات التي حكمت المرحلة السابقة”، مضيفاً أن “التحولات الكبرى قد تدفع خصوماً سابقين إلى التفكير في إدارة خلافاتهم، حتى عندما لا تتوافر شروط المصالحة السياسية”.
لبنان وسوريا بين الجغرافيا والسياسة
يقول الحسين إن “الجغرافيا تفرض أحياناً على الأطراف المتخاصمة ما لا تفرضه السياسة. فالحدود اللبنانية – السورية الممتدة لنحو 400 كيلومتر تطرح ملفات معقدة تتعلق بالتهريب والسلاح والموقوفين والمخاوف الأمنية المتبادلة”. ويتهم الحسين الحزب “بإيواء أشخاص تعدهم دمشق مسؤولين عن جرائم”، معتبراً أن “معالجة هذه الملفات تتطلب ترتيبات عملية، يفترض أن تمر عبر مؤسسات الدولتين السورية واللبنانية، مع إمكان اللجوء إلى تنسيق أمني محدود عند الضرورة”، لافتاً أيضاً إلى أن “حزب الله” جزء من الحكومة اللبنانية، وهو ما يجعل الفصل بين الملفات الأمنية والعلاقات الرسمية أكثر تعقيداً.
ويؤكد أن “نظرة دمشق إلى الحزب تغيرت جذرياً، بعدما شارك عسكرياً إلى جانب النظام السابق في الحرب السورية”. لكنه يميز بين إدارة مشكلة أمنية مع الحزب وإعادة العلاقة مع إيران، مشدداً على أن “أي تواصل أمني محتمل لا يعني بالضرورة تقارباً سياسياً أو تغييراً في التحالفات، ولا يمحو الخلافات المتراكمة بين الطرفين”.
أما في ما يتعلق بالمفاوضات السورية – الإسرائيلية، فيرى الحسين أن “أهميتها تتجاوز المسائل الحدودية إلى تحديد موقع سوريا في التوازنات الإقليمية المقبلة”، معتبراً أن “دمشق تحاول بناء شبكة علاقات تمنحها هامشاً أوسع للتفاوض، وتمنع تحويل حاجتها إلى الاستقرار وإعادة الإعمار إلى وسيلة لفرض ترتيبات أمنية تنتقص من سيادتها”.
وفي قراءته للتطورات الأخيرة، من الحديث عن اتصالات محتملة مع “حزب الله” إلى الاعتداءات على منشآت الطاقة وتعثر المسار التفاوضي مع إسرائيل، يرى أنها “ملفات مختلفة، لكنها تتقاطع عند سؤال أساس: كيف تستعيد سوريا قدرتها على التأثير في محيطها بعدما تحولت لسنوات إلى ساحة لتدخل القوى الإقليمية والدولية؟”.
ولا يستبعد “وجود رسائل سياسية متبادلة”، لكنه يعد أن “الأهم هو محاولة دمشق الانتقال من موقع الدولة التي تستخدم أوراقها في صراعات الآخرين إلى دولة تدير علاقاتها وأوراقها وفق مصالحها الوطنية، فالهدف لا يقتصر على استعادة الحقوق والسيادة، بل يشمل إعادة سوريا إلى المشهد الدولي بوصفها طرفاً فاعلاً في صياغة التوازنات، لا مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الأخرى”.
إسرائيل… المستفيد من التعثر؟
بعد الموقف الرسمي السوري، ووقائع استهداف الطاقة، والتفسيرات التي ترجح مسؤولية جهات داخلية، والحديث عن اتصالات محتملة مع “حزب الله”، يعود السؤال إلى إسرائيل. هل يمكن أن تكون هذه الملفات، على اختلاف طبيعتها، قد تحولت إلى أدوات ضغط في المفاوضات المتعثرة مع دمشق؟
وهنا يقدم الباحث المختص في الشأن السوري مروان حيدر قراءة مختلفة عن سعيفان، لا يستبعد فيها أن تكون إسرائيل وراء استهداف خطوط الغاز، ويربط بين قدرتها على التحرك داخل سوريا ومصلحتها في إبقاء السلطة الجديدة تحت الضغط.
يرى حيدر أن “استهداف خطي غاز خلال فترة زمنية قصيرة لا يبدو مجرد مصادفة”، مشيراً إلى أن “حرية الحركة الواسعة التي تتمتع بها إسرائيل داخل الأراضي السورية تعزز الشكوك حول احتمال ضلوعها في هذه العمليات”، معتبراً أن “هناك مؤشرات قد تدل على وجود دور إسرائيلي وراء استهداف خطوط الغاز”، من دون أن يقدم أدلة حاسمة تثبت مسؤولية إسرائيل عن التفجيرات.
وتصبح هذه الفرضية أكثر حساسية عند وضعها إلى جانب ما نُشر عن لقاء سري بين دمشق و”حزب الله”. فهل يمكن أن تكون إسرائيل قد أرادت توجيه رسالة إلى السلطة السورية بشأن حدود تحركها السياسي؟
بين السلطة الجديدة و”حزب الله”
أما في شأن الحديث عن اتصالات محتملة بين دمشق و”حزب الله”، فيؤكد أنه لا “يستطيع الجزم بما إذا كانت هذه الاتصالات قد حدثت فعلاً أم إن الحديث عنها يندرج في إطار توجيه رسالة سياسية”. لكنه يرى أن “أي تواصل فعلي مع الحزب قد يوفر للسلطات السورية هامشاً إضافياً للمناورة في مواجهة الضغوط الإسرائيلية”، مستبعداً أن “تذهب دمشق أبعد من توظيف احتمال التواصل بوصفه رسالة سياسية، من دون العودة إلى تحالفات الماضي”.
ولا يعني ذلك، وفق المعطيات المتاحة، أن إسرائيل كانت على علم بلقاء من هذا النوع أو أن التفجيرات جاءت رداً عليه. لكن قراءة حيدر تضع احتمال التواصل في سياق أوسع يتعلق بمحاولة دمشق تجنب التفاوض من موقع لا تملك فيه أوراقاً إضافية. ويرى أن “تعثر المفاوضات السورية – الإسرائيلية يعكس اختلافاً جوهرياً في مصالح الطرفين. فدمشق تسعى إلى استعادة سيادتها وتثبيت الاستقرار، فيما تبدو إسرائيل”، بحسب تقديره، “غير مستعجلة للتوصل إلى اتفاق يقيد حرية تحركها العسكري أو يقلص مكاسبها الميدانية”.
ويحدد حيدر “الوجود التركي في سوريا بوصفه إحدى العقبات الأساسية أمام التفاهم، إلى جانب اعتقاده بأن إسرائيل لا تملك مصلحة فعلية في إنجاح المفاوضات”، موضحاً أن “تل أبيب حققت مكاسب من دون اتفاق، بينما قد تضطر في حال التوصل إلى تسوية إلى تقديم تنازلات أو التخلي عن بعض هذه المكاسب”، معتبراً أن “إسرائيل تفضل استمرار الوضع القائم، بما يتيح لها الاحتفاظ بهامش واسع للتحرك والضغط على دمشق”، مشيراً إلى أن هذه المقاربة تنسجم، في تقديره، مع سياستها الإقليمية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
ولا تتوقف مخاوفه عند استهداف منشآت الطاقة، إذ يحذر من “احتمال لجوء إسرائيل إلى خطوات أخرى لزعزعة الاستقرار داخل سوريا، مستفيدة من هشاشة الأوضاع بعد سنوات الحرب الطويلة والتحديات البنيوية التي تواجه مؤسسات الدولة الجديدة”، لافتاً إلى أن “قدرة إسرائيل على التحرك والتأثير في أكثر من منطقة سورية تجعل احتمالات التصعيد مصدر قلق، خصوصاً وأن البلاد لم تستعد استقرارها بصورة كاملة”.
ومع ذلك، يعتقد المتحدث ذاته أنه “لا توجد حتى الآن إرادة دولية للسماح بانزلاق سوريا إلى حالة واسعة من الفوضى”، وهو ما يشكل، بحسب تقديره، “عاملاً يحد من التحركات الإسرائيلية في المرحلة الحالية”. ويحذر من أن “استمرار التصعيد وتراكم الحوادث الأمنية قد يدفعان البلاد نحو مرحلة أشد خطورة”، مؤكداً أن “دمشق تسعى إلى تجنب مواجهة عسكرية جديدة وإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز استقرارها الداخلي، من دون أن تتحول حاجتها إلى التهدئة إلى مدخل لفرض ترتيبات أمنية تنتقص من سيادتها”.
“الإخوان المسلمون”… حسابات الداخل
ولا تقتصر الأسئلة المحيطة بدمشق على علاقاتها مع إسرائيل و”حزب الله”. فمستقبل “الإخوان المسلمين” يعيد فتح النقاش حول طبيعة الدولة الجديدة، وحدود المشاركة السياسية فيها، ومدى تأثير المواقف الإقليمية والدولية في خياراتها. وهو ملف لا توجد أدلة تربطه بحوادث الطاقة، لكنه يكشف جانباً آخر من التعقيدات التي تواجه السلطة السورية. في السياق، يرى رئيس “اتحاد الجامعات الدولي”، البروفيسور محمد خير الغباني، أن مستقبل “الإخوان المسلمين لا يمكن فصله عن التحولات الداخلية والإقليمية التي تشهدها البلاد”، لكنه يحذر من “اختزال الملف في الحسابات الخارجية أو ربطه بالمفاوضات مع إسرائيل من دون أدلة”.
ويوضح الغباني أنه “لا يملك معلومات تؤكد افتتاح مكاتب رسمية للجماعة في دمشق أو المحافظات السورية، ولم يرصد عناوين معلنة أو نشاطاً تنظيمياً واسعاً يحمل اسمها”، مشدداً على “ضرورة التمييز بين استمرار الجماعة سياسياً، وظهور شخصيات محسوبة عليها، وبين عودتها تنظيماً يمارس نشاطه بصورة علنية داخل البلاد”، معتبراً أن أي “عودة تنظيمية ينبغي أن تستند إلى إطار قانوني واضح، مع مقار وأنشطة معلنة”، مشيراً إلى أن “البيانات والتصريحات الإعلامية لا تكفي لإثبات وجود تنظيم فاعل على الأرض”.
ولا يستبعد الغباني “وجود اعتبارات داخلية وإقليمية ودولية تدفع السلطات السورية إلى الحذر في التعامل مع الملف، خصوصاً في ظل مرحلة تسعى فيها دمشق إلى تعزيز علاقاتها الخارجية وتجنب أزمات جديدة”. لكنه يؤكد “عدم امتلاكه أدلة موثقة على صدور قرار رسمي يمنع الجماعة من النشاط أو يطلب منها تجميد تحركاتها”.
وبشأن احتمال وجود اتصالات بين السلطات السورية الجديدة وشخصيات محسوبة على “الإخوان”، يعد الغباني أن “الحوار مع مختلف التيارات أمر طبيعي في مرحلة إعادة تشكيل الدولة”، لكنه يتحفظ عن تأكيد اجتماعات سرية أو تفاهمات غير معلنة لا يملك معلومات موثقة في شأنها.
