-
ميّة الرحبي…. الجمهورية نت
-
-
-
عادت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدنو بنجاح إلى كوكب الأرض، بعدما هبطت مركبة «دراغون»، التي كانت تُقلّها برفقة طاقم مهمة «كرو-12»، يوم الخميس 8 تشرين الأول (أكتوبر)، في المحيط الهادئ قبالة سواحل كاليفورنيا، مُحطِّمةً بذلك الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في الفضاء لرائد أو رائدة فضاء من القارة الأوروبية، بإقامة امتدت 237 يوماً متواصلاً في المدار.
تزامنَ هذا الحدث العالمي المهم مع حدث سوري ربما لن يحظى باهتمام يُذكَر، لا على المستوى الدولي ولا المحلي، لكنه كان مؤشراً لنا، نحن الحريصات والحريصين على مستقبل بلدنا، على أن تهميش النساء وإقصاءهنَّ لم يعودا مقتصرَين على الحاضر، بل أخذا يمتدَّان ليشملا الأجيال القادمة.
فقد صدرت في سوريا قائمة المفاضلة للقبول في الجامعات والمعاهد العليا للعام الدراسي 2026–2027، مُستبعدةً النساء من القبول في عدد من الاختصاصات، من بينها اختصاص هندسة الطيران في الكلية الحربية الجوية.
ومن بين الكليات والمعاهد والاختصاصات التي شملها الاستبعاد:
– المعهد التقاني للإعلام التابع لجامعة إدلب: حُصر القبول في قسم الإخراج الإذاعي والتلفزيوني بالذكور فقط.
– كلية العلوم الأمنية: للفرعين العلمي والأدبي.
– المعهد التقاني للعلوم الأمنية: للفرعين العلمي والأدبي.
– الكلية الحربية البرية – حمص: اختصاص الهندسة الميكانيكية.
– الكلية الحربية البرية – حمص: اختصاص الهندسة الإلكترونية.
– الكلية الحربية البرية – حمص: اختصاص الهندسة المعلوماتية.
– الكلية الحربية البرية – حمص: اختصاص هندسة الميكاترونكس.
– الكلية الحربية البحرية – دمشق: اختصاص الهندسة البحرية.
– الكلية الحربية الجوية – حلب: اختصاص هندسة الطيران.
– كلية العلوم الإنسانية والإدارية في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية بدمشق: اختصاص الإدارة والاقتصاد.
– كلية العلوم الإنسانية والإدارية في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية بدمشق: اختصاص العلوم القانونية.
– كلية العلوم الإنسانية والإدارية في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية بدمشق: اختصاص العلوم الاجتماعية.
ولم تقتصر القيود على اختصاصات عسكرية وإعلامية، بل شملت أيضاً بعض المعاهد التقنية، ومنها معاهد النفط والغاز والخطوط الحديدية.
والمؤسف أن من تولّت الدفاع عن هذا الاستبعاد سيدة تشغل منصب مديرة مديرية شؤون الطلاب في وزارة التعليم العالي.
وقد أصدرت منظمة مساواة بياناً بعنوان «لا للتمييز في التعليم»، أدانت فيه ليس فقط استبعاد النساء من القبول في بعض الفروع الجامعية، بل أيضاً اشتراط سلامة الجسد والحواس للقبول في كلية الآثار والمتاحف بجامعة دمشق، والمعهد التقاني للعلوم السياحية والفندقية، وذلك في بلد خرجَ من نزاع مسلح دام أربعة عشر عاماً، وتعرّضَ خلاله عشرات، بل مئات الآلاف من الأطفال، لإصابات جسدية وإعاقات وفقدان لبعض الحواس.
كما صدر بيان آخر ضد التمييز في التعليم الجامعي، وقّعت عليه أكثر من مئة منظمة وناشط وناشطة في الحقل المدني.
وللتذكير فقط، فإن من أبرز الرائدات في تاريخ التعليم الجامعي السوري:
– د. لوريس ماهر: أول طبيبة تتخرج في الجامعة السورية (جامعة دمشق حالياً) عام 1930، وقد تخصّصت في طب الأطفال.
– د. ظريفة بشور: تُعتبر أول طبيبة سورية وعربية تنال شهادة الطب من الخارج، إذ درست في جامعة إلينوي في شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية، وحصلت على شهادتها عام 1912.
– مقبولة شلق: أول سورية تحصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق عام 1944.
– نجاح ساعاتي: أول امرأة سورية تتخرج في كلية الصيدلة عام 1949.
ولا بد لنا هنا من التذكير أيضاً بأنه في عام 1998 قادت أول امرأة سورية طائرة ركاب من مطار دمشق الدولي إلى مطار القاهرة، وهي الكابتن وداد شجاع، التي اختارت مجال الطيران في سوريا قبل أن تُوفَدَ إلى الولايات المتحدة الأميركية للتدريب، حتى أصبحت مؤهلة لقيادة طائرة ركاب من طراز «بوينغ 727». كما نفّذت شجاع رحلات عدة من سوريا إلى عدد من الدول الأوروبية على متن طائرات «إيرباص 320».
وبالعودة إلى المقارنة مع النساء الفرنسيات اللواتي نِلنَ حق التصويت عام 1944، فإن النساء السوريات لم يتأخرنَ كثيراً عنهنَّ في نيل هذا الحق، إذ ناضلنَ من أجل الحصول عليه، ونِلنَه عام 1949.
إذن، فالمسألة لا تتعلق بكفاءة النساء السوريات أو قدرتهنَّ على خوض غمار المجال العام. فما الذي يحدث اليوم؟ ولماذا هذا الإنكار لكفاءتهنَّ وقدراتهنَّ؟
لماذا لم تُعيَّن في السلطة التنفيذية سوى وزيرة واحدة من أصل 23 وزيراً؟ ولماذا جرى تشكيل اللجان الانتخابية والهيئات الناخبة لمجلس الشعب على نحو لم تتجاوز معه نسبة النساء اللواتي وصلن إلى مقاعده 5 بالمئة، قبل أن ترتفع النسبة إلى 11 بالمئة بعد تعيين الثلث المُكمّل؟
ولماذا تغيب النساء اليوم عن الاجتماعات والمؤتمرات الرسمية، بحيث يبدو حضورهنَّ في صور هذه الفعاليات رمزياً، لا يتجاوز أحياناً امرأة واحدة مقابل خمسين أو مئة رجل؟
إن هذا التهميش والاستبعاد لم يعودا يقتصرَان على النساء السوريات اليوم، بل يمتدان إلى الأجيال القادمة، عبر حرمان الفتيات من فرص التعليم والتخصص، ومحاولة إقصائهنَّ عن مجالات واسعة من الحياة العامة.
ولا بد هنا من إخضاع سياسات القبول في الجامعات والمعاهد لمراجعة شاملة، تَضمنُ انسجامها مع مبادئ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص.
فهذا الاستبعاد يتعارض بصورة واضحة مع المبادئ التي نصَّ عليها الإعلان الدستوري السوري، ولا سيما المادة العاشرة التي تنصّ على: «المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب»، وكذلك المادة الثانية عشرة التي تُلزم الدولة بصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتعتبر الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا جزءاً لا يتجزأ من الإعلان الدستوري.
إن تكافؤ الفرص ليس امتيازاً يُمنَح، بل هو أحد الأُسس الجوهرية للمواطنة المتساوية، ولا يمكن بناء دولة الحق والعدل والقانون في ظلِّ تمييز يحرم مواطنات ومواطنين من حقهم في التعليم واختيار مستقبلهم.
-