
من فيلم “ياسين وبهية” (ملف الفيلم)
عبد الكريم الحجراوي… اندبندنت عربية
ملخص
بين فيلم “بهية” (1960) ومسرحية نجيب سرور “ياسين وبهية” (1964) أربع سنوات، لكن التشابه بينهما يتجاوز الموال الشعبي إلى تفاصيل، فهل التقت معالجة سرور بالفيلم؟ أم أن السياق الاجتماعي والسياسي لثورة يوليو قاد العملين إلى التفاصيل نفسها؟
من المعروف أن نجيب سرور (1932- 1978) استلهم في مسرحيته “ياسين وبهية” الموال الشعبي الذي يحمل الاسم نفسه، وحول حكاية العاشقين إلى دراما عن الفلاحين وصراعهم مع الإقطاع، غير أن المقارنة بين المسرحية وفيلم “بهية” الذي أنتج عام 1960 تكشف عن تشابهات تتجاوز الاشتراك في الموال الشعبي، وتمتد إلى عدد من الأحداث والتفاصيل الأساسية في العملين، من صورة الباشا الإقطاعي ومصادرة أراضي الفلاحين، إلى موت والد البطل، ومحاولة الاعتداء على بهية، وثورة الأهالي، وصولاً إلى بعض التفاصيل اللافتة مثل الحريق وحضور الكلب.
وتزداد أهمية هذه التشابهات حين نعرف أن فيلم “بهية” سبق مسرحية سرور بأربع سنوات، وأن النقاد الذين كتبوا عن “ياسين وبهية” عند عرضها انشغلوا كثيراً ببنائها المسرحي وطغيان السرد فيها، ولم أقف، في حدود المصادر التي راجعتها، على إشارة إلى صلتها بالفيلم. كما لم أقف على تصريح من حامد عبدالعزيز، صاحب قصة الفيلم، أو يوسف السباعي، كاتب السيناريو والحوار، في شأن هذه التشابهات.
موال شعبي
وأصل العملين هو موال شعبي جعل من “ياسين” بطلاً عاشقاً مظلوماً، وتختلف هذه الصورة الشعبية عن الرواية الرسمية التي أوردتها الصحف المحلية في حينها، وقدمت “ياسين” بوصفه قاطع طريق. وهي الرواية التي حرص قاتله اللواء محمد صالح حرب، على توثيقها في كتاب له نشر بتحقيق أحمد حسن الكناني (الهيئة العامة لقصور الثقافة / 2009).
حظي هذا الموال باهتمام كتاب السينما، فكان أول فيلم يتماس معه هو فيلم “بهية” أنتج عام 1960، عن قصة حامد عبدالعزيز، وسيناريو وحوار يوسف السباعي، وبطولة لبنى عبدالعزيز ورشدي أباظة، وإخراج رمسيس نجيب. ثم جاء نجيب سرور ليستلهم الحكاية مسرحياً في “ياسين وبهية”، التي بدأ كتابتها عام 1963 وأنهاها عام 1964 في بودابست، وأخرجها كرم مطاوع على مسرح الجيب في العام نفسه.
شكلت “ياسين وبهية” المقدمة لرباعية سرور المسرحية، التي كتبها بالعامية المصرية، مستلهماً نظام الرباعيات الذي كان متبعاً في مهرجانات المسرح الإغريقي، إذ كان الكاتب يقدم ثلاث مآس تعقبها مسرحية كوميدية، تمثل جميعها في يوم واحد. وتضم الرباعية “ياسين وبهية” (1964)، و”آه يا ليل يا قمر” (1966)، التي أخرجها جلال الشرقاوي عام 1967، و”قولوا لعين الشمس” (1972)، التي أخرجها توفيق عبداللطيف عام 1973، والمسرحية النثرية الكوميدية “يا بهية وخبريني” (1967)، التي أخرجها كرم مطاوع في العام نفسه.
ولم يكتف مؤلف الفيلم حامد عبدالعزيز عند تحويل قصته إلى السينما، ففي عام 1965 قدمها في مسلسل إذاعي بالعنوان نفسه، بطولة محمود المليجي وفريد شوقي، وإخراج محمود السباع.
وانتقلت مسرحية “ياسين وبهية” لنجيب سرور عام 1982 إلى التلفزيون في مسلسل درامي حمل الاسم نفسه، من سيناريو وحوار الكاتب المسرحي يسري الجندي، وبطولة علي الحجار وعفاف شعيب، وإخراج كمال الشناوي.
وفي هذه الأعمال جميعها، جرى تقديم ياسين بوصفه بطلاً شعبياً يقف في مواجهة الظلم. أما فيلم “الأصليين” (2017)، من تأليف أحمد مراد وإخراج مروان حامد، فقد وظف حكاية ياسين وبهية من زاوية مختلفة، مستنداً إلى الرواية الرسمية لمقتله كما وردت في الصحف المصرية وإلى ما أورده اللواء محمد صالح حرب في مذكراته، ليجعل من الحكاية مدخلاً إلى فكرة تزوير التاريخ وتشكيل وعي الناس به.
تسييس الحكاية
ومن يقرأ مسرحية “ياسين وبهية” يجد تشابهاً كبيراً بين أحداثها الرئيسة وأحداث فيلم “بهية”، ويأتي في مقدمة أوجه التشابه تحويل الحكاية الشعبية إلى صياغة درامية تتناسب مع رؤية ثورة يوليو وموقفها من الإقطاع. في حين أن الموال الشعبي يقدم ياسين في الأساس بوصفه بطلاً عاشقاً، فهو البطل الأسواني المنتمي إلى قبيلة العبابدة، الذي قتل عشقاً بعدما أبصر سواد عيون بهية، “يا بهية وخبريني ع اللي قتل ياسين / قتلوه السود عينيا من فوق ضهر الهجين”. أي يجعل منها الموال قصة حب أقرب إلى قصص العشاق في التراث الشعبي، مثل قيس وليلى وعزيزة ويونس.
ويتأكد هذا البعد العاطفي الشعبي في أغنية “يا بهية وخبريني”، كلمات فتحي قورة وألحان منير مراد، التي ظهرت في فيلم “لوعة الحب” عام 1960 وغنتها شادية: “يا بهية وخبريني يا أبويا عن حال العاشقين / حبيت والشوق كاويني يا أبويا وإن قولت أقول لمين”. وبذلك تتوافق الأغنية مع الموال في تقديم ياسين وبهية كعاشقين، بعيداً من تحويل حكايتهما إلى صراع سياسي ضد الإنجليز أو الإقطاع، وهو التحويل الذي يظهر في فيلم “بهية”، ويترسخ بصورة أوضح في مسرحية نجيب سرور.
ويؤكد سرور هذا المنحى منذ بداية المسرحية، إذ يستهلها بمقطع من خطاب جمال عبدالناصر أمام مجلس الأمة في الـ22 من يوليو 1957 “وكان بيننا وبينكم إقطاع، استشرى خطره، واستفحل ضرره، لم يكتف بأن يملك الأرض وإنما أراد أن يضم إلى ملكية الأرض ملكية البشر، وكان لا بد أن ينتهي هذا الإقطاع ويزول حتى نستطيع أن نلتقي بكم…”. ومن خلال هذا الاستهلال يضع سرور الحكاية الشعبية في سياق سياسي واجتماعي جديد، وينقلها من حكاية عشق ومأساة إلى حكاية عن الصراع مع الإقطاع مشتبكاً بذلك مع رؤية الفيلم.
كراهية متوارثة
وتتشابه المسرحية مع الفيلم في رصد ظلم الباشا الإقطاعي، الذي يؤدي دوره زكي طليمات في الفيلم، يسخر الأهالي للعمل في أرضه، ويتحايل عليهم للاستيلاء على أراضيهم والحجز عليها، فضلاً عن قطعه مياه الري عن أراضيهم لتوفيرها لأرضه.
ويسلب الباشا في الفيلم أرض والد “سكر”، الذي يؤدي دوره عبدالمنعم إبراهيم، فيموت الأب حزناً بأزمة قلبية. ويتكرر هذا المصير في المسرحية. حين يسلب الباشا النصف فدان الذي يملكه والد ياسين، فيموت الأب حزناً. ويرث الابنان، “سكر” في الفيلم و”ياسين” في المسرحية، كراهية الباشا، ويحملانه مسؤولية فقر الفلاحين.
يتواصل التشابه في جعل الباشا يحاول الاعتداء على “بهية”، ففي الفيلم يراود الباشا بهية (لبنى عبدالعزيز) عن نفسها في مقابل عدم الحجز على الأرض التي تمتلكها، لكنها ترفض وتفر هاربة من القصر الضخم الذي يسكن فيه. وفي المسرحية يطلب الباشا بهية كي تعمل خادمة عنده، لأن أهالي القرية يعرفون أن من تذهب إلى القصر تعود بعد عام حاملة إثمها، مما يدفع أهلها إلى مواراة الذنب في التراب هرباً من الفضيحة.
يهب أهالي القرية في الفيلم ضد الإقطاعي، محملين إياه مسؤولية الجرائم التي جرت في القرية، كما يأتي على لسان إحدى الشخصيات: “يا بهية البلد بتغلي، الناس هاجين ناويين يحرقوا عزبة البيه وياسين هيقتله، بيقولوا هو اللي عامل العمايل دي كلها”. ويتكرر الأمر في المسرحية، حين يثور الأهالي على الباشا بعدما أراد الحجز على محصولهم، فيحرقوا قصره، ويفر هارباً من غضبتهم قبل أن يقع في قبضتهم.
حضور الكلب
وتظهر أوجه التشابه أيضاً في بعض التفاصيل، من بينها حضور الكلب والحريق. ففي الفيلم يربط “سكر” الكلب بحبل، ويشعل النار في طرفه، ثم يطلقه وسط محصول الباشا، فيشتعل المحصول. ويحضر الكلب والحريق كذلك في المسرحية، غير أن سرور يوظفهما بطريقة مختلفة، عندما يندلع الحريق في أحد بيوت القرية، فيهب الفلاحون لإخماده والسيطرة عليه، بما يكشف عن قدرتهم على التعاون والتوحد في مواجهة الخطر. وتظهر هذه الفكرة كذلك في الفيلم بصورة عامة، فتظهر أكثر من شخصية مثل سكر والشيخ حمزة التي تحث الفلاحين على التوحد في مواجهة عدوهم، وعدم التناحر في ما بينهم، لأن انقسامهم لا يستفيد منه سوى الباشا، الذي يستغل خلافاتهم لتنفيذ مخططاته في الاستيلاء على أراضيهم واستعبادهم.
مع الأخذ في الاعتبار أن الفيلم يميل إلى الطابع البوليسي في بناء أحداثه، ولا سيما في تتبع الجرائم ومحاولة الكشف عن المسؤول عنها، وينتهي نهاية سعيدة بمقتل الباشا والانتصار على الظلم. ويتضح هذا المنحى البوليسي بصورة أكبر في إعادة حامد عبدالعزيز تقديم الحكاية في مسلسل إذاعي. أما المسرحية، فتركز بدرجة أكبر على الصراع بين الفلاحين والإقطاعيين، وتنتهي بصورة مأسوية، ينجح الباشا في الهرب، ثم يستعين بالهجانة الذين ينكلون بأهل القرية ويقتلون عدداً منهم، ومن بينهم ياسين.
وما يلفت الانتباه أنه على رغم أوجه التشابه الكثيرة بين الفيلم والمسرحية، سواء في تقديم ياسين عدواً للإقطاعيين، أو في محاولة الباشا الاعتداء على بهية، أو في ثورة الفلاحين ضده، وغيرها من التفاصيل، لم يلفت انتباه النقاد أو صناع الفيلم.
ويثير ذلك سؤالاً آخر حول صلة نجيب سرور بفيلم “بهية” ومصدر هذه التشابهات بين العملين، فأين شاهد سرور الفيلم، إن كان قد شاهده بالفعل؟ خصوصاً وأن وقت عرض الفيلم لم يكن في مصر فقد غادر القاهرة أواخر عام 1958 في بعثة إلى الاتحاد السوفياتي لدراسة الإخراج المسرحي، ثم انتقل عام 1963 إلى المجر، حيث بدأ كتابة “ياسين وبهية” وأتمها هناك عام 1964، قبل عودته لمصر في العام نفسه.