في تموز/ يوليو 1967 كان بيرسي إرنست شرام قد نجا من كل شيء. اجتاز التدقيق في ماضيه النازي بعد الحرب بشيء من الحظ وبشهادات حسن سلوك، وجمع مزيدًا من المجد الأكاديمي، وبات منذ سنوات طويلة مستشارًا لوسام “بور لو ميريت”، وهو من أرفع ما يناله عالِم في ألمانيا. ثم جاءه ما لم يحسب حسابه: عليه أن يضم إلى الوسام إروين بانوفسكي، مؤرخ الفن الذي اشتهر في أميركا، والذي وصفه زميل له بأنه “الملك غير المتوّج لتاريخ الفن في العالم”. كان الرجلان قد عرفا بعضهما جيدًا قبل نصف عمر في هامبورغ، مدينة شرام التي درّس فيها بانوفسكي. ولقاؤهما الأخير كان فاصلًا: مطلع 1933 على متن باخرة واحدة تابعة لشركة “هاباغ” عبرت الأطلسي إلى الولايات المتحدة. لكن شرام، وكان أستاذًا جامعيًّا في غوتنغن، ذاهب إلى برنستون أستاذًا زائرًا، بينما بانوفسكي يهودي ماضٍ في طريق بلا عودة، هاربًا من النازيين إلى المنفى.
وفيما كان بانوفسكي يحاول أن يجد موطئ قدم في وطنه الجديد، كان شرام يشيد في محاضراته في برنستون بنهج الحكومة الجديدة في الرايخ المتطرف، ويرى فيه “ثورة” لا أقل. وكتب إلى زوجته إيرنغارد، وهو في الثامنة والثلاثين، بعد أن حصل الحزب النازي والحزب القومي المحافظ على الأغلبية في انتخابات 5 آذار/ مارس، أن من نشأ على كلمات الجمهورية والديمقراطية وحقوق الإنسان والدستور لا يمكنه أن يفهم ما يجري، وأنه لم يكن يأمل أصلًا بعودة العلم الأسود والأبيض والأحمر، “لكنه عاد!”.
ومما لا خلاف عليه أن شرام كان نازيًّا، بمعنى أنه سعى بحماسة، وأحيانًا رغم العقبات، إلى عضوية التنظيمات النازية. ففي عام 1934 دخل فرقة الفرسان في كتائب العاصفة، وقطع صلته بأصدقائه وزملائه اليهود الذين هاجروا. وفي عام 1937 قدّم طلب الانتساب إلى الحزب، ومنذ آذار/ مارس 1943 جلس في ثكنة خشبية في مقر القيادة “وكر الذئب”، يدوّن بتكليف من القيادة العليا للفيرماخت يوميات حرب هتلر ليقرأها من يأتي بعده. فكيف تسنّى لهذا المؤرخ، ابن عائلة هامبورغية عريقة ونافذة، أن يواصل مسيرته اللامعة في ألمانيا الاتحادية كأن شيئًا لم يكن؟
| مسؤولون نازيون في زيارة إلى “وكر الذئب” (Wolfsschanze)، حوالي عام 1942 |
تقول كيرستن تيلر، من مركز أبحاث التاريخ المعاصر في هامبورغ، إن شرام “نوع من الشبح العائد” في عملها، “ففيه يمكن أن نرى الكثير بالمثال، قبل 1945 وبعده”: كيف تفاعل المثقفون مع نجاح النازيين، وإلى أي حد تكيّفوا بسلاسة وسهل استخدامهم. وترى أن شرام تهرّب بعد الحرب من مواجهة سلوكه في العهد النازي “بمزيج من الإنكار والتغطية”، وأنه “تجنّب طوال حياته أن يحاسب نفسه علنًا”. وكان في يده سلاح قوي هو اختصاصه، فبوسعه أن يكتب تاريخ تلك المرحلة بنفسه أو يؤثر على الأقل في كتابتها، ويقدّم نفسه شاهدًا موثوقًا وباحثًا محايدًا ليصرف الأنظار عن زلّاته. وهذا ما فعله: “اختار الدفاع بالهجوم”، تقول تيلر، “فاستخدم يوميات الحرب التي كتبها وسيلة علاقات عامة لنفسه”. واستطاع هذا العالِم الليّن أن يصل ما انقطع من مسيرته في الرايخ الثالث بعد عام 1945 مستفيدًا من قربه من النظام.
ولهذا أيضًا يصلح شرام، بحسب صامويل روبنشتاين من جامعة أوكسفورد، لدراسة مشكلة كتابة التاريخ في ألمانيا النازية وما بعدها. وقد نشر روبنشتاين، وهو نفسه باحث في العصور الوسطى، نتائج دراسة حازت جائزة عن الأستاذ. عرف شرام أولًا مؤلفًا في الأدبيات المتخصصة، ثم اكتشف أنه اشتغل أيضًا بتاريخ هامبورغ وتاريخها الاستعماري، وصار بعد الحرب خبيرًا بهتلر، وأنه كان نازيًّا. يقول: “هذا أثار فضولي”. ويرى أن الأبحاث السابقة تناولت جزءًا من أعماله بحسب كل اختصاص، فالسيرة التي كتبها ديفيد تيمه ركّزت على شرام باحث العصور الوسطى وأغفلت الجانب السياسي إلى حد بعيد. أما مقال روبنشتاين فمحاولة لقراءة الشرامات الثلاثة، باحث العصور الوسطى ومؤرخ هامبورغ ومدوّن الفيرماخت، مفكّرًا وفاعلًا واحدًا كما كان.
بدأت مسيرته مبكرة، وبدعم من عَلَم يهودي كبير في الدراسات الثقافية هو آبي فاربورغ، الذي ينحدر من أسرة مصرفيين هامبورغية ثرية وكان صديقًا لوالد شرام، فشجّع الفتى ابن السابعة عشرة على أولى محاولاته في تتبّع الأنساب. وجاءت نجاحاته العلمية الأولى أيضًا من محيط فاربورغ، خصوصًا نائبه فريتس ساكسل، وكان بانوفسكي من هذه الحلقة. وفي عام 1933 أنقذ ساكسل مكتبة فاربورغ، المتوفى حينها، وأنقذ نفسه معها إلى المنفى بمساعدة أسرته، ومن ذلك نشأ معهد فاربورغ الذي لا يزال في لندن حتى اليوم.
| بيرسي إرنست شرام (يساراً، 1966): سيرة ذاتية “مُبيَّضة” وملطخة بالشوائب |
أما “الصديق بيرسي” فكان في برنستون يروّج طوعًا للحكّام الجدد. كتب إلى أمه عن “المسألة اليهودية” أنه “بالطبع” يرحّب بتقليص النفوذ اليهودي “حيث كان ضارًّا أو طاغيًا”، وحين عاد إلى ألمانيا بذل جهدًا ليستحسن حرق الكتب. غير أن أصله البرجوازي الكبير انقلب عليه، فوُصم بأنه “ممثل الليبرالية المتأخرة” ونشأت ضده مقاومة في جامعة غوتنغن. فأظهر شرام ولاءه النازي، وانتقل من نادي الفروسية إلى فرسان كتائب العاصفة حيث أدّى الخدمة “بفرح وانتظام”. وفي عام 1937 رُقّي إلى رتبة “روتنفوهرر” وقدّم طلب الانتساب إلى الحزب، ونصّت شهادته على أن مسؤول الفرقة مقتنع بأنه سيواصل الدفاع عن الدولة والحركة بصفته نازيًّا. وكان قد تبرأ من أصدقائه القدامى حول معهد فاربورغ، وزعم بعد الحرب أن ساكسل هو من فرض القطيعة. تقول تيلر إن رفاق الأمس لم يغفروا له أبدًا ابتعاده الانتهازي الصرف عن حلقة فاربورغ. وتتساءل: هل كان انقسامه بين “الرغبة في أن يكون حاضرًا وغياب قناعة أعمق”، أم أن السمّ الأيديولوجي تغلغل في تفكيره؟
سحب البريطانيون كرسيّه عام 1947، لكن عميد جامعة غوتنغن شهد بأنه لم يخن قط “التقليد العلمي” الذي ينتمي إليه، وأصرّ أحد تلامذته لاحقًا على أن “نزواته السياسية” لم تعكّر عمله التاريخي. ويرى روبنشتاين أن التعبير “تخفيف فادح” لنازية شرام، لكنه صحيح في ما يخص بحثه في العصور الوسطى، إذ لا أثر فيه لسمّ نازي. وفي أيار/ مايو 1937 سافر شرام خبيرًا بالتتويج إلى لندن لمراسم تنصيب جورج السادس، فسأله رئيس أساقفة كانتربري إن كان نازيًّا. أجاب أنه في مسألة إعادة التسلح “نازي بنسبة 200 في المائة”، وفي الشؤون الداخلية “100 في المائة”، أما نظرية العِرق وعبادة الجرمان والرؤية النازية للعالم فتنفّره، وأنه ليس عضوًا في الحزب. وبعد شهر وقّع طلب الانتساب.
ويعتقد روبنشتاين أن المنعطف الحقيقي لم يقع في عام 1933 بل في عام 1939، حين انتقل اهتمام شرام من العصور الوسطى إلى التاريخ الحديث، وألقى محاضرات عن “عودة الألمان السوديتيين إلى الوطن”، وتطوع في الفيرماخت. يقول: “هذه اللحظة التي بدأ فيها يستخدم التاريخ سلاحًا لنظام كان يتماهى معه”. وموضوعه الجديد تاريخ مدينته، ففي عام 1943 أصدر في عز الحرب كتاب “هامبورغ وألمانيا والعالم” عن أهمية المدينة الهانزية في القرن التاسع عشر. وسينفعه الكتاب عند التدقيق في ماضيه، إذ يمكن بحسن نية أن يُقرأ فيه ما يناقض النظام، فقد استشهد بأحد أجداده الذي دعا عام 1847 إلى السماح لليهود، “الفئة المحترمة والنشطة” من التجار، بدخول إحدى مؤسساتهم المهمة. وصدر الكتاب حين كان أكثر يهود هامبورغ قد رُحّلوا. فهل هو، كما كتب أحد طلابه لاحقًا، “وثيقة مدهشة من نقد مستتر للنظام”؟ كلا، يقول روبنشتاين: “شرام يوضح تمامًا أن سلفه لم يكن مغرمًا باليهود”، بل استسلم لقوة الأمر الواقع لأن اليهود، بزعمه، كانوا أكثر مما ينبغي في هامبورغ وأكثر نفوذًا. ويمدح بريمن لأنها لم تسمح بدخول “يهود الشرق”. وتنقلب في الكتاب أيضًا ميول عائلته الموالية للإنكليز إلى عكسها، فتظهر إنكلترا قوة حاسدة ينخرها الماديّ، ولا يُرجّح أن تكون سطوره قد أقلقت الرقيب النازي إطلاقًا.
| طائرة هتلر الخاصة، صيف عام 1944: أصبح شرام خبيرًا بفضل قربه من “الفوهرر”. |
وحين أراد استعادة كرسيّه في غوتنغن قدّم الكتاب لزملائه شفيعًا. ونجحت الحيلة مع المؤرخ المرموق هانس روتفلس، الذي دعا إلى إعادته لأن الكتاب “فاجأه” بـ”تأييده الصريح لتقاليد حظرها النظام النازي”. صكّ براءة، إلا أن روتفلس، يقول روبنشتاين، “لم يقرأه أصلًا”.
ومنذ آذار/ مارس 1943 كتب شرام، وكان قد تطوع لذلك، يوميات الحرب للقيادة العليا في مقر “وكر الذئب” في بروسيا الشرقية. وصف العمل في محضر الهزيمة بأنه “خانق”، ورأى نفسه “موثّق الانهيار”. وفي أيار/ مايو 1945 أنقذ نسخة من اليوميات من الإتلاف وسلّمها إلى الحلفاء، وكان الأميركيون يحتاجونه لتحليل الملاحظات، فبدأت مسيرته بعد الحرب وهو أسير حرب، يقيّم يوميات الفيرماخت التي كتبها بنفسه. ولا كلمة فيها عن معارك الأنصار ولا أسرى الحرب ولا أوامر الإعدام، ولا عن ضلوع الفيرماخت في ترحيل اليهود. تقول تيلر: “هذا سمح للمؤرخ العسكري الحديث العهد شرام بأن يشارك في بناء أسطورة (الفيرماخت النظيف)”، وبذلك بيّض أيضًا عمله مدوّنًا لها. وساعده في التدقيق كذلك أن أخت زوجته إليزابيت فون تادن أُعدمت عام 1944 بتهمة المقاومة. وحين استعاد كرسيّه في غوتنغن عام 1948 صار بوسعه أن يشعر بأنه أُعيد إليه اعتباره مهنيًّا على الأقل. “ومن ذلك الحين ظهر محاربًا لا يكلّ ضد النسيان”، تقول تيلر، “لكن ما عدّه تنويرًا تاريخيًّا كان في الأساس عملًا على تاريخه الشخصي”.
وأعانته “دير شبيغل” على إعادة اختراعه هذه، فقد عرضت المجلة عام 1964، اعتمادًا على إعادته نشر “أحاديث هتلر على المائدة”، سلسلة “تشريح دكتاتور” مع بورتريه لهتلر بقلمه. واتهمه قراء غاضبون بتلطيف صورة الدكتاتور. وكتب أمرّ الرسائل المؤرخ العائد من المنفى غولو مان، ونصحه بتغيير مهنته: “من الحكمة القديمة أن للشيطان صفات لطيفة كثيرة، ولذلك قلّما يتعرّف الناس إليه. أما القسّ الذي لا يفعل غير تعداد صفات الشيطان اللطيفة فيُطلب منه أن يبحث عن مهنة أخرى”. وصاغ قارئ من فيينا الاتهام المركزي للسلسلة: شخصية صائد الفئران ليست ذات “اهتمام أساسي”، و”المشكلة الكبرى هي الفئران”. والحق أن التركيز على هتلر أعطى مجتمع الجمهورية الفتية المتواطئ ذريعة مثالية، إذ صار بإمكان الألمان أن يقنعوا أنفسهم بأن شيطانًا أغواهم، وهم من شاركوا في صنعه. يقول روبنشتاين اليوم: “تلك كانت مشكلة بيرسي شرام. لم يفهم قط أنه كان واحدًا من الفئران”.
وجاءت لحظة كان بوسعه فيها أن يفهم، حين ظهر رفيقه القديم إروين بانوفسكي من جديد في تموز/ يوليو 1967. كان قد دُعي إلى ألمانيا لتكريمات شتى، ومنها ضمّه إلى وسام “بور لو ميريت”، وفي 26 تموز/ يوليو سلّمه شرام بصفته مستشار الوسام شارته. سار الحفل بلا عثرة. ووقع الصدام بعد أشهر: مات بانوفسكي متأثرًا بجلطة، فعزّى شرام الأرملة، لكن غيردا بانوفسكي لم تكن في مزاج للمجاملة الكاذبة. طلبت منه أن يمتنع عن كتابة نعي، وقالت إن زوجها لم يستطع أبدًا أن يفهم “أنك صرتَ مؤرخ حرب هتلر”. وكان بانوفسكي قد سمّى شرام في مواضع أخرى، تلميحًا إلى المؤرخ الإغريقي الكبير، “ثوقيديدس هتلر الخاص”. والآن وجّهت غيردا الضربة الأخيرة: زوجها لم يرد في الأصل أن يقبل الوسام “ما دمتَ مستشارًا”، لكنه “خُدع بشأن وجودك”، ولم ير بعد موافقته سبيلًا إلى الانسحاب.
ردّ شرام على الأرملة برسالة حانقة: كان بانوفسكي على علم بمشاركته في يوميات الحرب، ولم يبلغه تحفظاته شخصيًّا قط. وفي هذا بالذات يتبدّى ما تأخذه المؤرخة تيلر عليه: بقي عاجزًا عن أن “يقترب ولو قليلًا من منظور الضحايا”. وتصف بأنها “فاترة ومتباكية” إحدى آخر محاولاته للنظر إلى الداخل، وقد دوّنها عام 1969 قبل وفاته بسنة: “ما زلت لا أعرف إلى أي حد يجب أن أدين نفسي، وإلى أي حدّ يحق لي أن أعتذر”!