
بلال خبيز
شكل إعلان ترامب عزمه على تخفيف القيود على تصدير المنتجات الروسية من الديزل، ومطالبته أوكرانيا بوقف هجماتها على هذا القطاع الحيوي لروسيا والعالم على نحو متشابك، صدمة عميقة للعلاقات الدولية كما ورثناها من حقبة ما بعد الحرب الباردة. لكنه، أي الإعلان، يفصح في عمقه عن خلل بالغ الخطورة في هذه العلاقات ما ينذر باحتمال انفجارها إن لم يسع الجميع إلى تدارك الأسوأ. والأرجح أن هذا الإعلان وصلته بسياسات سابقة اعتمدتها واشنطن في الآونة الأخيرة، يوضح أن الهوة تتسع يوماً بعد يوم بين الحلفاء والخصوم على حد سواء. وأن الإمعان في إنكار مخاطرها وانتظار تلاشيها من تلقائها، أو من خلال انتقال سلس للسلطات من جهة إلى جهة في أميركا أو أوروبا. يبدو اليوم مقامرة خطيرة قد تكون نتائجها كارثية.
من حق أميركا أن تكون دولة
واقع الأمر أن العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم تعيش مفارقات صارخة وخطيرة أكثر من أي وقت مضى. العالم يريد من أميركا أن تبقى قوية بما يكفي لحماية النظام الدولي، لكنه لا يريد دائما أن يعترف بأن هذه القوة تنتمي إلى دولة لها مصالحها الخاصة، وشعب ينبغي أن تقنعه بجدوى التزاماتها الخارجية، وقلق لا يمكن تبديده إلى الأبد بتذكيره بالمسؤوليات التي أخذتها على عاتقها.
يريد العالم أميركا التي تضمن أمن الممرات البحرية، واستقرار الأسواق، وتدفق الطاقة، وتوازن القوى. يريدها أن تتدخل حين تتعرض مصالحه للخطر، وأن تردع خصومه حين يعجز عن ردعهم، وأن تتحمل قسطا كبيرا من كلفة نظام دولي يستفيد منه الجميع، وإن بدرجات متفاوتة. لكنه كثيرا ما يعترض حين تطلب مقابلا، أو تعيد حساب التزاماتها، أو تقرر أن بعض المخاطر التي تتحملها لم تعد تستحق كلفتها.
في المقابل، تريد الولايات المتحدة أن تستعيد حرية التصرف في علاقاتها الدولية. لا تريد أن تظل أسيرة التزامات نشأت في ظروف لم تعد قائمة، ولا أن تتحمل وحدها أعباء ترتيبات لا يلتزم شركاؤها فيها بما يكفي. وهي تريد، فوق ذلك، أن تستخدم تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري لتحسين شروط بقائها في موقع القوة الأولى.
ليس في أي من المطلبين ما يستدعي الاستغراب. من حق أميركا أن تفكر في مصالحها بوصفها دولة، ومن حق الدول الأخرى أن تفكر في مصالحها. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الحق إلى تصور للعالم لا يرى فيه الطرف الأقوى سوى مجموعة من الأطراف التي ينبغي تعديل سلوكها بالضغط، ولا يرى فيه الطرف الأضعف سوى قوة يفترض أن تواصل حمايته من دون أن يضطر إلى مراعاة مخاوفها.
ليس ضروريا أن تكون الولايات المتحدة دولة خيّرة كي يؤدي وجودها دورا في استقرار العالم، وليس ضروريا أن تكون الدول التي تستفيد من هذا الاستقرار مدينة لها بالطاعة. لكن استمرار العلاقة يقتضي أن يعترف كل طرف بأن مصالح الآخر ليست تفصيلا يمكن حذفه من الحسابات.
اليوم تنفجر هذه المفارقات بصورة مذهلة، وهذا ما يجعل العلاقة الأميركية بالعالم أقل قدرة مما سبق على احتوائه، كما فعلت في مراحل سابقة. فالولايات المتحدة تريد أن تتخلص من بعض أعباء النظام الذي قادته، من دون أن تتخلى عن الامتيازات التي منحها إياها ذلك النظام. والعالم يريد أن يتحرر من بعض القيود التي فرضها الاعتماد عليها، من دون أن يخسر الضمانات التي جعلت هذا الاعتماد ممكنا.
ورغم وجاهة الهواجس التي ينطلق منها الجميع، إلى أن اجتماع هذه المفارقات على هذا النحو يفتح احتمالا خطيرا. احتمال تفكك العلاقة قبل أن يتفق أصحاب المصالح على البديل الذي سيحل محلها.
حين تصبح الحماية عقدا تجاريا
لم يكن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية مجرد ترتيب عسكري لحماية الحلفاء من خصومهم. كان أيضا شبكة من المصالح الاقتصادية والمالية والتجارية، ارتبطت فيها القوة الأميركية بتدفق رأس المال والتكنولوجيا والطاقة، وبضمانات أمنية سمحت لدول كثيرة بتوجيه مواردها إلى التنمية والصناعة والرفاه الاجتماعي بدلا من تخصيصها كلها للدفاع عن نفسها. هذه المنظومة لم تكن متكافئة، ولم تكن خالية من الإكراه. فقد احتفظت الولايات المتحدة بامتيازات واسعة، واستخدمت العقوبات والقوة العسكرية والنفوذ المالي لفرض خياراتها حين رأت ذلك ضروريا. كما أن دولا كثيرة دفعت أثمانا باهظة نتيجة التدخلات الأميركية، فيما لم تكن المنافع التي قدمها النظام الدولي موزعة بالتساوي.
لكن اختلال العلاقة لم يمنعها من إنتاج قدر من الاستقرار. فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تجمع، في مراحل مختلفة، بين الدفاع عن مصالحها الخاصة وتوفير شروط عامة استفادت منها دول أخرى. لم يكن عليها أن تتخلى عن تفوقها كي تسمح لحلفائها بالازدهار، ولم يكن على هؤلاء أن يصبحوا تابعين لها في كل شأن كي ينتفعوا بالمظلة الأمنية والاقتصادية التي توفرها.
هذه المعادلة تتعرض اليوم للاهتزاز من الطرفين. فواشنطن تريد من حلفائها أن يدفعوا أكثر، وأن يشتروا أكثر من صناعاتها، وأن يعيدوا النظر في علاقاتهم التجارية والأمنية على نحو يخدم المصالح الأميركية بصورة أوضح. وهي لا تتردد في استخدام الرسوم الجمركية والتهديدات الأمنية والحوافز الاستثمارية لتعديل سلوكهم.
قد يكون بعض هذه المطالب تصحيحا لاختلالات قديمة. لكن ثمة فارقا بين مطالبة الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من مسؤولياتهم، وبين التعامل معهم كما لو أن وجودهم في المنظومة يمنح الولايات المتحدة حق إعادة تسعير كل التزاماتها تجاههم في كل مرة تتغير فيها حساباتها. فالحماية التي تتحول إلى عقد قابل لإعادة التفاوض في أي لحظة تفقد شيئا من طبيعتها بوصفها ضمانة. وإذا لم يعد الحليف قادرا على معرفة ما إذا كانت التزاماته المتبادلة ستصمد أمام أول خلاف تجاري أو سياسي، فسوف يبدأ بالبحث عن بدائل، حتى لو كانت هذه البدائل أقل كفاءة وأكثر كلفة.
ولا يخفى أن سعي الولايات المتحدة إلى تخفيض كلفة حماية النظام قد يرفع كلفة استمراره. فكلما ازدادت الضغوط التي تستخدمها لإجبار الآخرين على مراعاة مصالحها، ازدادت دوافعهم إلى تقليص اعتمادهم عليها. وكلما حاولت تحويل التفوق إلى وسيلة لانتزاع تنازلات فورية، ازدادت احتمالات أن يستثمر الآخرون مواردهم في بناء خيارات لا تخضع لها.
ليس هذا مسارا حتميا. فقد تدفع الضغوط بعض الدول إلى التفاوض على شروط أكثر واقعية، وقد تعيد توزيع الأعباء بطريقة تجعل النظام أكثر قدرة على الاستمرار. لكن الفرق بين الحالتين لا يتحدد بمجرد مقدار القوة التي تستخدمها الولايات المتحدة، بل بقدرتها على التمييز بين انتزاع التنازلات وإعادة بناء العلاقة التي تجعل التنازلات المتبادلة ممكنة.