زيد اسليم
كاتب وصحفي…. مجلة الفراتس
وصلت شحنات منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400” إلى قاعدة مرتد العسكرية قرب أنقرة يوم 12 يوليو 2019. وبعد خمسة أيام أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية بدء إخراج تركيا من برنامج المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس “إف-35″، بعدما كانت تركيا جزءاً منه سنوات. إذ ساهمت شركاتٌ تركية في تصنيع مكونات المقاتلة، فيما كانت القوات الجوية تستعد لإدخالها إلى أسطولها.
بدا في المشهد مفارقة يصعب تجاهلها. فتركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) منذ عقود والشريك في مشروع تسليح غربي، أدخلت منظومة دفاع جوي روسية إلى بنيتها العسكرية، وقدّمت قيادتُها القرارَ استجابةً لحاجة أمنية وعملاً بحقِّها السيادي في اختيار أدوات دفاعها.
توحي هذه الصورة بظاهرها بأن تركيا أخذت تبتعد عن ارتباطها الغربي وتتجه شرقاً. بيد أن الصفقة في سياقها الأوسع تكشف مشكلةً أقدم وأكثر تعقيداً. إذ ورثت الجمهورية التركية عن أواخر العهد العثماني خلافات تجاوزت شكل النظام إلى تعريف الأمة والمجال الذي تنتمي إليه الدولة ومصدر أمنها ومقدار اعتمادها على القوى الخارجية.
ومن هذه القضايا تشكلت تصورات داخل الأحزاب والمؤسسة العسكرية والأوساط القومية والإسلامية والجمهورية، التقت أحياناً على قضية وافترقت على أخرى. تبلور اتجاه نحو الحلف الغربي في مواجهة الاتحاد السوفييتي، في ظل مفاهيم قائمة بدت متناقضة بين “التركوية” و”الطورانية” في تعريف حدود الأمة. بل وتوسعت المسارات القومية لتمنح الإسلام دوراً في هذا التعريف، فيما اتجه بعضها نحو الأوراسية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بداية التسعينيات، ولاحقاً إلى البحرِ امتداداً للمجال الاستراتيجي للدولة تحت مسمى “الوطن الأزرق”. فأثّر كل ذلك في سياسات تركيا الخارجية، ورؤيتِها موقعَها في العالم.
نشأت العقيدة العسكرية التركية الحديثة من حاجةٍ سياسية إقليمية أكثر منها استناداً إلى تنظير فكري. إذ وجدتْ الدولة التركية نفسها بعد الحرب العالمية الثانية بين طريقيْن، إما أن يبتلعها الاتحاد السوفييتي أو تنضم إلى منظومة الحلف الغربي. جاء ذلك فيما كانت خلافات أقدم على حدود الأمة وهويتها قائمة منذ الثلاثينيات. جعلَ فريقٌ من مفهومِ “التركوية”، المركب من اللغة والثقافة والهوية التركية، أساس التصور القومي. فيما وسع مفهوم “الطورانية” هذا الأفق نحو الشعوب التركية خارج حدود الدولة، وتراوحت دلالتها بين التقارب الثقافي ومشروعات ذات مضمون سياسي أوسع.
وعلى جاذبيةِ المفهوميْن لقطاعاتٍ من المفكرين الأتراك، إلا أنّهما لم يكونا قادريْن على مساعدةِ تركيا في الحفاظِ على استقلالِها في أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي. ومن هنا اكتسب التصوّر “الأطلسي” ثقله المؤسسي، إذ جعلَ هذا أمن تركيا جزءاً من المنظومة الغربية التي قادتها الولايات المتحدة وتبلورت عسكرياً في حلف شمال الأطلسي. وقد جمع هذا الخيار في الحرب الباردة سياسيين وقوميين ومحافظين اختلفوا في نظرتهم إلى الثقافة الغربية، ورأوا في الارتباط الأمني بالغرب وسيلة لمواجهة التمدد الشيوعي.
بيد أن الاندماج الأمني في الغرب أبقى أسئلة الهوية والمجال الحضاري مفتوحة داخل اليمين التركي. ومنذ الستينيات والسبعينيات ظهرت إجابات مختلفة عن المجال الذي ينبغي لتركيا أن تتحرك فيه. مثلاً، ارتبطت حركة الرؤية الوطنية (مِلّي غوروش) منذ بداية السبعينيات بالزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان. إذ بنى حولها حركة سياسية ربطت الاستقلال بالتصنيع والاقتصاد الوطني، ومنحت التعاون مع البلدان الإسلامية موقعاً أوسع في تصورها لمجال تركيا الخارجي.
بالتوازي، أعادت أوساط من اليمين القومي صياغة العلاقة بين القومية والدين، بوصل الهوية التركية بالإسلام عنصرين متداخلين في التاريخ والثقافة. وإن اكتسب هذا التصور حضوراً داخل أوساط قومية محافظة وتقاطع مع بيئات سياسية قومية – من بينها محيط حزب الحركة القومية – إلا أن المجال القومي التركي ظل أوسع من الحزب ومن الصيغ التي جمعت الهوية التركية بالإسلام.
وضمن هذا التطور، ظهر منذ التسعينيات اتجاه آخر عُرف في السياق التركي باسم “أولوصالجِلك”، أي القومية الجمهورية. جمع هذا التيار بين الكمالية والعلمانية ووحدة الدولة والاستقلال ومناهضة الهيمنة والتشكيكِ في بعض السياسات الأمريكية والأوروبية. وتقاطعت معه تصورات أوراسية رأت في توسيع العلاقات مع روسيا وقوى آسيوية أخرى وسيلة لتنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على الغرب. التقى الاتجاهان عند بعض الفاعلين، مع بقاء القومية الجمهورية إطاراً أوسع من الخيار الأوراسي. وكانت محصلة تراكم هذه الاتجاهات وتداخلها مفهوم “الوطن الأزرق”، الذي يتقاطع مع خطابات قومية واستقلالية وأوراسية، مع تصور خاص يضع البحار المحيطة بتركيا في قلب أمنها ومجالها الاستراتيجي.
كانت البداية من الاتحاد السوفييتي، عندما عاد السفير التركي في الاتحاد سليم ساربر إلى موسكو في 31 مايو 1945 وهو يحمل تفويضاً بالبحثِ في إقامة علاقة جديدة مع السوفييت. وسبق أن أبلغت موسكو أنقرة أنها لا ترغب في تجديد معاهدة الصداقة والحياد الموقعة سنة 1925، ومع ذلك بقيت الحكومة التركية مستعدة للبحث عن تفاهم بديل. وضمن هذا الإطار، دخل ساربر مبنى الخارجية السوفييتية في السابع من يونيو باقتراح لمعاهدة تحالف تحمي البلدين من هجوم قد يأتي من أوروبا أو البحر المتوسط.
في بداية اللقاء، بدا أن المفاوضات تتجه إلى شروط المعاهدة الجديدة. لكن أعاد وزير الخارجية السوفييتي فياتشلاف مولوتوف ترتيب الحديث، فقال إن هناك مسائل عالقة بين البلدين تحتاج إلى تسوية قبل التحالف. بدأ بالحدود الشرقية لتركيا، واستعاد ترتيبات سنة 1921 التي أبقت قارص وأردهان ضمن تركيا، معتبراً أنها أُقرت حين كانت الدولة السوفييتية ضعيفة. ثم تحدث مولوتوف عن تصحيح ما وصفه بالمظالم، فرد السفير التركي بأنه لا يمكن لأي حكومة تركية التنازل عن أراضيها.
استغّل مولوتوف ضعفَ تركيا، ليملي شروطاً أشدَّ على السفير التركي. فشكك في قدرتها على حماية مضايق البوسفور والدردنيل، وربطَ الاتفاق الجديد بمراجعة النظام الذي أرسته اتفاقية مونترو سنة 1936، التي أعادت إلى تركيا السيطرة على المضايق ونظمت مرور السفن التجارية والعسكرية فيها. فهم ساربر أن الحديث يتجه نحو وجود عسكري سوفييتي، فرفض منح قواعد أو إعادة ترتيب وضع المضايق باتفاق ثنائي يتجاوز بقية الدول الموقعة على الاتفاقية. وهكذا، كانت الحكومة قد أرسلت ساربر لاستكشاف تحالف، فعاد إليها بمفاوضات تتناول الأرض والمضايق والوجود العسكري السوفييتي.
جاء هذا الضغط في لحظة شعرت فيها تركيا باختلال ميزان القوة حولها. فقد خرج الاتحاد السوفييتي من الحرب العالمية الثانية بجيش منتصر ونفوذ ممتد في شرق أوروبا، وتراجعت قدرة بريطانيا منذ 1939 على تقديم الضمانة التي كانت توفرها لتركيا. ثم جاءت المذكرات السوفييتية بشأن المضايق في 1946 لتزيد القلق، إذ اقترح الاتحاد السوفييتي ترتيبات تمنح دول البحر الأسود وزناً أكبر في تحديد نظام المرور، وتحدثت عن دفاع تركي سوفييتي مشترك عنها. رفضت تركيا المقترحات وحصلت على دعم أمريكا وبريطانيا.
من هنا أخذ الغرب يكتسب في تفكير الدولة التركية وظيفة أكثر إلحاحاً من ذي قبل. تحدث الأتراك عن العالم الغربي والعالم الحر والحلف الأطلسي والأمن المشترك، فيما تبلورت “الأطلسية التركية” خياراً أمنياً واستراتيجياً. وفي دراسته “أولوسلاراراسي دونوشوملر فه [. . .]” (التحولات الدولية وعناصر الاستمرارية في الدبلوماسية التركية) المنشورة سنة 2002، يقرأ وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو هذا التحول توجهاً تركياً نحو محور القوة الجديد المتمركز في الأطلسي، أعاد تشكيل خيارات تركيا العالمية والإقليمية. يضيف أنه مع تصاعد التهديد السوفييتي، اندمجت تركيا في الناتو، حتى أصبح الاحتماء بالمظلة الغربية أحد المبادئ الأساس لسياستها الخارجية في الحرب الباردة.
1947
كان عصمت إينونو، قائد حزب الشعب الجمهوري، رئيساً للجمهورية حين بدأت هذه العلاقة مع الغرب تتخذ طابعاً مؤسسياً. ففي 12 يوليو سنة 1947 وقعت حكومته اتفاق المساعدة مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار مبدأ ترومان، الذي أعلنته واشنطن في مارس من العام نفسه لدعم تركيا واليونان. شمل البرنامج السلاح والتدريب وإيفاد المستشارين ودراسة احتياجات القوات المسلحة وإعادة تنظيم بعض جوانبها. وربط التخطيط الأمريكي المساعدة بالقدرة على مقاومة الضغط السوفييتي والحد من عبء النفقات العسكرية على الاقتصاد التركي. وبهذا، دخلت العلاقة مع واشنطن منذ البداية من بابي الأمن والتنمية.
ولم يقتصر ترسخ العلاقة مع الغرب على التعاون العسكري والاقتصادي. ففي ديسمبر 1949 وقف نجم الدين صادق، وزير الخارجية، أمام البرلمان لشرح دخول تركيا مجلس أوروبا، وقال إن مركز ثقل سياسة الدولة الخارجية هو العالم الغربي. بعد أقل من ستة أشهر خسر حزبُ الشعبِ الجمهوري الحكمَ في انتخابات 14 مايو 1950، لكن تبدل الحزب لم يغير الاتجاه. دخل المؤرخُ محمد فؤاد كوبريلي وزارةَ الخارجية ممثلاً للحزب الديمقراطي المنتصر، الذي قاده عدنان مندريس. وفي 31 مايو 1950 قال كوبريلي في حديثٍ صحفيٍ في بروكسل إن السياسة الخارجية التركية سارت نحو الغرب منذ الحرب العالمية الثانية، وإن الحكومة الجديدة ستصبح أنشط في هذا الاتجاه.
مع ذلك، لم تؤيد أمريكا عضوية تركيا الكاملة في الناتو حتى بعد اندلاع حرب الكوريتين في يونيو 1950 بين كوريا الشمالية والجنوبية، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الحرب مساندين كوريا الجنوبية. وهي الحرب التي أرسلتْ تركيا فيها جنوداً ليحاربوا في صفِ الحلفِ الغربي. ثم في سبتمبر 1950، بعد طلب تركيا الجديد الانضمام إلى الحلف، اقترحتْ أمريكا صيغاً أدنى للمشاركة في التخطيط العسكري.
وكان للمشاركة التركية في الحرب أثر أبعد من ميدان القتال. فقد أعطت تركيا فرصة لإظهار استعدادها لتحمل تكاليف الدفاع المشترك، وساعدت في تقوية حجج أنصار قبولها، حين تغيرت الحسابات الاستراتيجية للحلف، وظهر ما تراكم منذ لقاء ساربر ومولوتوف.
ظل الخوف من السوفييت في قلب الحجة، لكنه لم يعد وحده. إذ انضمت إليه لغة الحضارة الغربية والديمقراطية والمساعدة الاقتصادية والمكانة الدولية. وعندما عُرض مشروع الانضمام على البرلمان التركي في فبراير 1952، أُقر بتأييد واسع. هذا ما منح الانتماء الأطلسي شرعية سياسية تجاوزت الانقسام بين الحزب الذي بدأ المسار والحزب الذي أكمله. أما خارج مؤسسات الدولة، فقد وجدت أوساط قومية ومحافظة متعددة في الاتحاد السوفييتي خصماً مشتركاً، على خلافاتها مع حكومة مندريس ومع بعضها بعضاً.
وجدت السياسة الغربية بذلك جمهوراً لا يحتاج إلى تبني الثقافة الغربية بكل عناصرها. وترى الباحثة في العلاقات الدولية بجامعة أكدينيز فوليا أوزكان، في دراستها “صوغوك سافاش دونمينده تورك [. . .]” (هوية السياسة الخارجية التركية خلال الحرب الباردة) المنشورة سنة 2022، أن النموذج والتقليد الأمريكييْن جذبا منذ الخمسينيات قطاعات من القوميين والمحافظين الأتراك. وذلك لأنها جمعت في نظرهم بين الليبرالية والحفاظ على التقاليد الدينية. وتذكر الباحثة أن بعض الإسلاميين جمعوا بين التحفظ على جوانب من الثقافة الأمريكية وتبنّي خطاب مؤيد أمريكا في مواجهة الشيوعية.
1960
وإذا كان تأييد الغرب قد تجاوز أنصاره ثقافياً إلى قطاعات قومية ومحافظة وإسلامية، فإن انقلاب 27 مايو 1960 كشف عمقاً آخر لهذا التوجه. ففي صباح ذلك اليوم، خرج العقيد ألب أرسلان توركيش – الذي كان ضمنَ البعثة التركية لحلف الناتو في واشنطن- عبر إذاعة أنقرة ليعلن استيلاء القوات المسلحة على الحكم وإسقاط حكومة مندريس. وبعد حديثه عن الأزمة الداخلية، توجه إلى الخارج مؤكداً الوفاء بالتعهدات الدولية، ثم أعلن أن السلطة الجديدة تؤمن بالناتو وملتزمة به.
احتاج هذا الاستقرار إلى اختبارٍ كي تظهر حدوده. فمع تصاعد العنف بين القبارصة اليونانيين والأتراك، اتجهت تركيا في يونيو 1964 إلى التدخل عسكرياً في الجزيرة. لكن الرئيس الأمريكي ليندون جونسون أرسل في الخامس من ذلك الشهر إلى رئيس الوزراء عصمت إينونو يحذره من هذا التدخل العسكري. ذكّر جونسون بأن استخدام الأسلحة الأمريكية يخضع لاتفاق المساعدة، وأبلغ أنقرة بأن واشنطن لا توافق على استخدامها في العملية المقترحة. ثم أثار الرئيس الأمريكي مسألة أكثر حساسية عندما أشار إلى أن حلفاء تركيا لم يناقشوا ما إذا كانوا ملزمين بالدفاع عنها، إذا أدى التدخل إلى مواجهة مع السوفييت.
وافق إينونو على تأجيل العملية. وأثار مضمون الرسالة داخل تركيا نقاشاً أوسع عن حدود التحالف مع الولايات المتحدة ومقدار ما يتيحه من استقلال في القرار. فالدولة التي لجأت إلى الغرب طلباً للضمان اكتشفت أن الضمان نفسه تحكمه مصالح الحلفاء وحدود استخدام السلاح وشروط اتخاذ القرار.
إذا كانت الأطلسية قد أعادت منذ أواخر الأربعينيات تحديد موقع الدولة الأمني، فإن سؤال حدود الأمة وعلاقة الجمهورية بالمجتمعات التركية خارجها كان قد ظهر قبل ذلك داخل القومية التركية. وظل حاضراً مع ترسخ التحالف الغربي في الأعوام التالية.
كان هذا السؤال قد وضع الدولة والقوميين الطورانيين في مواجهة قبل ذلك بسنوات. ففي سنة 1944 طالت التحقيقات والمحاكمات عدداً من قوميي التيار الطوراني. وكان ذلك بالتوازي مع موقف سياسي رسمه الرئيس عصمت إينونو ضد تحويل القرابة مع الشعوب التركية خارج الجمهورية إلى مشروع يتجاوز حدود الدولة ويصطدم بجيرانها، وفي مقدمتهم الاتحاد السوفييتي.
بيد أن البيئة التي حاكمت فيها أنقرة الطورانيين تغيرت سريعاً بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن أصبح الاتحاد السوفييتي مصدر التهديد الخارجي الأشد. هنا التقى القوميون والدولة عند معاداة الاتحاد السوفييتي والشيوعية، لكن ظل الخلاف قائماً في تعريف ما وراء الحدود. وظهر أثر هذا التحول في اللغة المستخدمة لوصف المجتمعات التركية خارج الجمهورية، واكتسب تعبيران متقاربان وظيفتين مختلفتين.
الأول تعبير “ديش توركلار”، (الأتراك في الخارج)، وأشار إلى مجتمعات تركية تعيش خارج الجمهورية في أوضاع شديدة التباين. أما الثاني، فهو تعبير “إسير توركلار” (الأتراك الأسرى)، وكان حكماً سياسياً قبل أن يكون وصفاً جغرافياً، وقد استُخدم خاصةً مع الشعوب الواقعة تحت الحكم السوفييتي أو الأنظمة الشيوعية.
كان ألب أرسلان توركيش من الشخصيات التي منحت جانباً من هذا التراث القومي شكلاً سياسياً وتنظيمياً أوسع. إذ خدم بين عامي 1955 و1957 في واشنطن ضمن الوفد التركي في اللجنة الدائمة للناتو، بعدما تلقى تدريباً عسكرياً في الولايات المتحدة الأمريكية. جمعت تجربته بذلك بين الانتماء إلى الحركة القومية والعمل داخل المؤسسة العسكرية في مرحلة ترسخ الارتباط الأمني التركي بالغرب.
وبعد خروجه من المؤسسة العسكرية وعودته إلى تركيا، اتجه توركيش إلى السياسة الحزبية، فانضم سنة 1965 مع عدد من رفاقه إلى حزب الأمة القروي الجمهوري، ثم انتخب رئيساً له في العام نفسه. ومنذ ذلك الوقت بدأ إعادة تشكيل الحزب على حركة قومية أكثر تنظيماً، تسعى إلى توسيع حضورها خارج دوائر المجلات والجمعيات، وتستقطبُ جيلاً جديداً من الناشطين والشبان.صاغَ توركيش منظومة فكرية وسياسية سمّاها “دوكوز إيشيك” (المصابيح التسعة)، لتمنحَ هذا البناء القومي إطاراً فكرياً أوسع. ونشر صيغتها الأولى سنة 1965 ثم تبناها الحزب في السنوات التالية. قامت المنظومة على تسعة مبادئ، القومية والمثالية والأخلاقية والعلمية والمجتمعية والريفية، والحرية والشخصانية، والتنموية والشعبوية، ومبادئ التصنيع والتقنية. اتسع المشروع هنا من سؤال الهوية والأصل إلى تصور للدولة والمجتمع والاقتصاد، وأصبحت قوة تركيا وتنميتها جزءاً من تعريف المهمة القومية نفسها.
ومع اتساع الحركة القومية سياسياً وتنظيمياً، انتقل جانب من النقاش من حدود الأمة إلى مضمون الثقافة التي تجمعها. وكان عالم النفس الاجتماعي التركي إيرول غونغور من أبرز من صاغوا هذا السؤال. إذ نظر إلى الأمة جماعةً تتشكل عبر خبرة تاريخية وثقافة مشتركة، ومنحَ النسب موقعاً أقل مركزية في تعريف الانتماء القومي. وقد ربط غونغور هذا التصور بمسألة التحديث، فرأى أن الأخذ بالعلم والتقنية لا يقتضي محاكاة الغرب ثقافياً، وأن المجتمع يستطيع تحديث مؤسساته مع الحفاظ على استمراره التاريخي. ومن هذا المنطلق، احتل الإسلام موقعاً أساساً في تصوره للثقافة التركية، لما تركه عبر قرون من أثر في الأخلاق والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والفنون.
لم يبق هذا الربط بين القومية والدين محصوراً في كتابات مفكرين مثل غونغور. ففي مطلع السبعينيات أخذ يتبلور داخل اليمين القومي اتجاه أوسع، وجد أحد أبرز منابره في تأسيس “أيدينلار أوجاغي” (منتدى المتنورين) سنة 1970. جمع المنتدى أكاديميين وكتاباً قوميين محافظين، وسعى إلى تقديم إطار فكري لليمين عندما كان الصراع مع اليسار يشتد داخل المجتمع. وفي هذا الوسط أصبحت القومية والدين والتاريخ عناصر متداخلة في تفسير الهوية التركية، وبدأت تظهر صياغات تسعى إلى جمعها داخل تصور واحد.
مع اقتراب قطاعات من اليمين القومي من صيغة التركيب التركي الإسلامي، ظلت الاختلافات داخل المجال القومي واضحة. وبعد انقلاب 1980، الذي أطاح بالحكومة والبرلمان في ظل تصاعد العنف السياسي بين اليمين واليسار، اكتسبت بعض عناصر هذا التصور مساحة أوسع داخل التنشئة الرسمية. وألزم دستورُ 1982 بتعليم الثقافة الدينية والأخلاق في المدارس تحت رقابة الدولة.
وبينما اتجه جانب من النقاش القومي في الداخل إلى العلاقة بين القومية والدين، أعاد تفككُ الاتحاد السوفييتي سنة 1991 مسألةَ الشعوب التركية خارج الجمهورية إلى الواجهة في سياق مختلف. فالجمهوريات التي حضرت عقوداً في الصحافة القومية التركية تحت عناوين مثل الأتراك في الخارج والأتراك الأسرى، خرجت من إطار الجماعات الواقعة خلف حدود قوة معادية، وظهرت دولاً مستقلة لها حكومات وحدود وسياسات خارجية ومصالح خاصة.
أصبحت أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان أطرافاً تتعامل معها تركيا مباشرة، وهو ما فرض على الخطاب القومي أن يختبر أفكاره داخل واقع سياسي جديد. وقد ظهر هذا التحول في مواقف ألب أرسلان توركيش، ففي مداخلاته أمام البرلمان التركي انتقد ضعف استعداد وزارة الخارجية للتعامل مع الجمهوريات المستقلة حديثاً، ودعا إلى بناء تعاون سياسي واقتصادي وثقافي منظم معها.
ومع هذا التغير، ظهرت مؤسسات مثل المنظمة الدولية للثقافة التركية سنة 1993، واستمرت قمم الدول الناطقة بالتركية، ثم وقعت تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان اتفاق نخجوان سنة 2009 الذي أنشأ مجلس تعاون للدول الناطقة بالتركية. حمل المجلس منذ 2021 اسم “منظمة الدول التركية”، وتعرف نفسها منظمةً حكومية للتعاون بين الدول، وتستند وثائقها إلى السيادة وسلامة الأراضي والحدود المعترف بها دولياً، إلى جانب التاريخ واللغة والثقافة المشتركة.
بهذه الصيغة اكتسب العالم التركي حضوراً مؤسسياً داخل سياسة الدولة، ضمن قواعد السيادة والتعاون بين الحكومات. وبقي اهتمام الحركات القومية أوسع من الإطار الذي تستطيع مؤسسات التعاون بين الدول تمثيله، فيما حوّلت أنقرة جانباً من القرابة اللغوية والتاريخية إلى مؤسسات واتفاقات وقمم ومشروعات تعاون.
ففي مطلع الستينيات، أخذ الاعتراض الإسلامي على التغريب يضع الانتماء إلى الحضارة الإسلامية في مركز تعريف أوسع للأمة وموقع الدولة. وكان الشاعر سزائي قراقوتش، صاحب مجلة “ديريليش” (البعث) التي بدأ إصدارها سنة 1960، من أبرز من منح هذا التصور لغة حضارية تتجاوز العرق والحدود القومية.
يقول الباحث في الفقه الإسلامي بجامعة شرناق محمد جنكيز إنّ مشروع البعث عند قراقوتش كان تركيباً يقوم على الحضارة والأمة والدولة. ففي دراسته “ديريلش شاعري سزاي قراقوتشون [. . .]” (الدولة الإسلامية في تصور شاعر البعث سزاي قراقوتش) المنشورة سنة 2022، يرى جنكيز أنّ الأمة الإسلامية في تصور قراقوتش لا تتأسس على العرق أو اللغة، بل تأتي من الدولة قوةً حاميةً تتداخل مع الحضارة والأمة.
ومن ثم يضع قراقوتش المسلمين داخل رابطة حضارية وسياسية أوسع من الحدود القومية الحديثة.
اقترب نجم الدين أربكان من المساحة نفسها عبر طريق مختلف. كان مهندساً وأستاذاً جامعياً ورجل صناعة قبل دخوله البرلمان نائباً مستقلاً عن مدينة قونية سنة 1969، ثم أسس في يناير 1970 حزب النظام الوطني. ومنذ البداية احتل الاقتصاد مكاناً أساساً في رؤيته، فربط الاستقلال السياسي بقاعدة صناعية وطنية، ودافع عن الصناعات الثقيلة، وانتقد الاعتماد على رأس المال والتقنية الأجنبيين، وجعلَ القدرة على الإنتاج جزءاً من قدرة الدولة على تقرير خياراتها. واقترن هذا الاستقلال في مشروعه بتصور يمنح التعاون مع البلدان الإسلامية مكاناً أوسع في علاقات تركيا الخارجية.
سرعان ما واجه مشروعه السياسي حدود النظام الذي أراد العمل داخله. إذ رُفعت دعوى حل حزب النظام الوطني في مارس 1971، ثم أغلقت المحكمة الدستورية الحزب في مايو بسبب أنشطة رأتها مخالفة لمبدأ العلمانية وقانون الأحزاب. وبعد عام عاد رفاق أربكان إلى العمل الحزبي عبر حزب السلامة الوطني، وتولى هو قيادته سنة 1973.
بدأ الانتقال إلى داخل الدولة يتضح بعد انتخابات 1973، حين دخل حزب السلامة الوطني ائتلافاً مع حزب الشعب الجمهوري بقيادة بولنت أجاويد. وهي تجربة جمعت حركة إسلامية محافظة بحزب قاده أجاويد نحو يسار الوسط، مع الاختلاف الواسع بينهما في قضايا الهوية والمجتمع. أصبح أربكان نائب رئيس الوزراء، ودخلت حركة الرؤية الوطنية تجربة إدارة الدولة والعمل داخل مؤسساتها إلى جانب شريك سياسي مختلف عنها.
وبعد انتهاء الائتلاف مع حزب الشعب، انتقل حزب السلامة الوطني إلى تحالفات اليمين. فشارك سنة 1975 في حكومة “الجبهة القومية”، وهي ائتلاف قاده زعيم حزب العدالة سليمان ديميريل، وجمع الحزبيْن مع حزب الحركة القومية وحزب الثقة الجمهوري. ثم شارك حزب السلامة الوطني سنة 1977 في حكومة ثانية حملت الاسم نفسه، وضمت أحزاب العدالة والحركة القومية. فأظهرت التجربتان قدرة الرؤية الوطنية على العمل داخل كتلة يمينية أوسع، مع احتفاظها بتصورها الخاص للاقتصاد والهوية وعلاقة تركيا بالعالم الإسلامي.
أوقف انقلاب 12 سبتمبر 1980 هذا المسار، مع حل الأحزاب وحظر النشاط السياسي وامتداد الاعتقالات والمحاكمات إلى تيارات مختلفة، بينها الإسلاميون والقوميون. وانقطعت بذلك التجربة الحزبية للرؤية الوطنية حتى إعادة فتح المجال السياسي بعد ذلك بسنوات قليلة.
ومع صعود تورغوت أوزال وحزبه الوطن الأم سنة 1983، اجتمع محافظون وقوميون وليبراليون وقطاعات من يمين الوسط داخل صيغة سياسية جديدة. كانت للحزب خلفية دينية ومحافظة، لكنه بنى مشروعه على اقتصاد السوق والتصدير والقطاع الخاص والاندماج الأوسع في الاقتصاد العالمي. لكن اتخذت المحافظة في تجربته لغة تختلف عن مشروع أربكان الذي أعطى الاستقلال الاقتصادي والصناعة الثقيلة وزناً أكبر.
عاد أربكان إلى الحكم في يونيو 1996 رئيساً لحكومة ائتلافية يقودها حزب الرفاه، بعد أكثر من عقدين على تجربته الأولى في السلطة. لكن تركيا التي عاد إليها كانت أشد تشابكاً مع المؤسسات الغربية، فإلى جانب عضوية البلاد الراسخة في الناتو، كانت تركيا قد دخلت في يناير 1996 باتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي. وكان لها مؤسسةٌ عسكرية ذات حضور سياسي قوي ووزارة خارجية وجهاز إداري أمني بتقاليد راسخة. وفي هذه البيئة تحرك أربكان نحو توسيع العلاقات مع البلدان الإسلامية.
لكن المساحة التي حاول أربكان توسيعها خارجياً تزامنت مع تضييق هامش حركته في الداخل. إذ كانت العلاقة بين حكومته والمؤسسة العسكرية تتجه إلى مواجهة متصاعدة على العلمانية وموقع الدين في المجال العام. وأصدر مجلس الأمن القومي، الذي ضم قيادات سياسية وعسكرية، في 28 فبراير 1997 سلسلة توصيات تركز على العلمانية والتعليم ومواجهة ما وصفته المؤسسة العسكرية بالتيارات الرجعية، وتصاعد الضغط على الحكومة في الأشهر التالية.
في خضم هذا الضغط جلس أربكان في إسطنبول يوم 15 يونيو 1997 إلى قادة سبع دول، يشاهد فكرة رافقته عقوداً وهي تغادر خطب حركة الرؤية الوطنية، وتدخل عالم الدبلوماسية بين الحكومات. اجتمعت تركيا وبنغلاديش ومصر وإندونيسيا وإيران وماليزيا ونيجيريا وباكستان لإعلان تأسيس مجموعة الدول الثماني النامية. كانت جميعها دولاً ذات أغلبية مسلمة، ورأى أربكان في جمعها خطوة نحو شبكة أوسع من التعاون تمنح العالم الإسلامي قدرة أكبر على الإنتاج والتجارة واتخاذ القرار.
لكن الوثيقة التي خرجت من القمة حملت أثراً آخر للدولة التي وصل إليها أربكان. تحدث الإعلان عن التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتوسيع التجارة والتصنيع ونقل التقنية وزيادة وزن الدول النامية في الاقتصاد العالمي. وأبقى التزامات الأعضاء في المنظمات والاتفاقات الدولية الأخرى قائمة، وفتح الباب أمام انضمام دول نامية جديدة، ووضع منظمة المؤتمر الإسلامي ضمن المؤسسات التي يمكن التعاون معها. وبعد ثلاثة أيام من قمة إسطنبول، وفي ظل تصاعد الضغط العسكري والسياسي على حكومته منذ قرارات 28 فبراير، قدم أربكان استقالته من رئاسة الحكومة. ثم أغلقت المحكمة الدستورية حزب الرفاه في يناير 1998 وفرضت حظراً سياسياً عليه وعلى عدد من قياداته.
عمّقت هذه التطورات الانقسام داخل الحركة الإسلامية السياسية بين جناح تمسك بخط الرؤية الوطنية، وجناح تجديدي سعى إلى إعادة صياغة العلاقة مع الدولة والغرب والاقتصاد. وبعد إغلاق حزب الفضيلة، بقيادة رجائي كوتان، سنة 2001 افترق المساران. أسس التقليديون حزب السعادة، بينما أسس رجب طيب أردوغان وعبد الله غل ورفاقهما حزب العدالة والتنمية.
قدم حزب العدالة والتنمية نفسه تحت تسمية الديمقراطية المحافظة، وأعاد ترتيب العلاقة بين المحافظة والسوق والغرب والدولة. وصف برنامجه الانتخابي سنة 2002 العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي أنها نتيجة طبيعية لمسار التحديث التركي، وأكد استمرار مساهمة البلاد داخل الناتو وتطوير التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الصفحات نفسها منح العلاقات مع الدول الإسلامية أهمية خاصة، ودعا إلى تقوية منظمة المؤتمر الإسلامي. بهذا أصبحت المحافظة قادرة على توسيع المجال الإسلامي من داخل شبكة العلاقات الغربية القائمة.
وهنا ظهر أحمد داود أوغلو ليمنح هذا الاتساع لغة استراتيجية أكثر انتظاماً. كان أوغلو أستاذاً للعلاقات الدولية قبل انتقاله إلى العمل مستشاراً ثم وزيراً للخارجية، ونشر سنة 2001 كتابه “ستراتيجيك درينليك” (العمق الاستراتيجي). جعل فيه التاريخ والجغرافيا مصدرين لقدرة الدولة، ورأى أن تركيا تحمل روابط ومصالح تمتد إلى مناطق متعددة تتجاوز حدودها السياسية المباشرة.
كان أوغلو يرفضُ حصرَ تركيا في إقليم واحد، معرفاً إياها بالدولة المركز، كما تقول الباحثة في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية التركية بجامعة أنقرة حاجي بيرم بتول أوزيلماز كيراز، في دراستها “تورك دِش بوليتيكاسندا مركز [. . .]” (نحو تركيا دولةً مركزيةً في السياسة الخارجية) المنشورة سنة 2021. تقول إنّ موقع تركيا، في رؤية أوغلو، يدفعها إلى التحرك في الشرق والغرب ومختلف المجالات التي تنتمي إليها. وتلفت الباحثة إلى أن هذا النشاط الإقليمي لم يُطرح بديلاً عن الروابط الغربية الموروثة، إذ اقترن بمواصلة مسار الاندماج الأوروبي والحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب حضور أوسع في المناطق المحيطة.
إلى جوار مسار التوجه نحو العالم الإسلامي، كان مسار آخر للاستقلال يتشكل داخل تركيا، يمكن تسميته بالتصور الأوراسي. حافظ التصور على مسافة أكبر من فكرة الأمة الإسلامية، وأعطى الدولة والسيادة والقوة الصلبة وزناً أعلى، وبدأ يبحث عن التوازن خارج الغرب من بوابة روسيا وأوراسيا أكثر مما يبحث عنه عبر وحدة العالم الإسلامي.
كان الشاعر والروائي والمفكر التركي أتيلا إلهان من الأصوات التي صاغت هذا الاعتراض مبكراً من داخل اليسار القومي الكمالي. ففي سنة 1972 نشر كتابه “هانقي باتي” (أي غرب)، واضعاً في عنوانه سؤالاً عاد بأشكال مختلفة في العقود التالية. يقول الباحثان في العلوم السياسية فاتح سويلمز من جامعة غازي، وتشيغدم إردم من جامعة أنقرة حاجي بيرم، إنّ فكر إلهان كان تركيباً جمع الكمالية والاشتراكية والقومية الاستقلالية. وفي دراستهما “أتيلا إلهان وه أولوسال [. . .]” (أتيلا إلهان وفكر اليسار الوطني) المنشورة سنة 2020، يقولان إنّ إلهان أعاد قراءة الكمالية عبر الاستقلال الوطني ومناهضة الإمبريالية والتنمية، وربط الاستقلال السياسي بالقدرة الاقتصادية، فيما رأى في تقليد الغرب باباً للتبعية والاغتراب الثقافي.
وجدت الأسئلة التي أثارها هذا النقد سياقاً أكثر توتراً في التسعينيات، عندما واجهت الجمهورية صراعاً مسلحاً مع حزب العمال الكردستاني، وتحولات عميقة في شمال العراق بعد حرب الخليج، وصعوداً للإسلام السياسي وصل بحزب الرفاه إلى الحكم، إضافة إلى موجة من الخصخصة والانفتاح الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، أخذ المسار الأوروبي يضع أمام تركيا إصلاحات تمس حقوق الأقليات والقضية الكردية والعلاقات المدنية العسكرية.
ويربط المتخصص في العلوم السياسية سليمان تشاغري غوزل في دراسته “أولوصالجِلِغِن أونتولوجيسيني أنلاماك” (فهم أنطولوجيا القومية الجمهورية) المنشورة سنة 2021، تبلور تعبير “أولوصالجِلك” تياراً مستقلاً ببيئة التسعينيات، حين تشكل حول القلق من الرجعية والانفصالية العرقية. قبل أن يدخل مع الألفية الجديدة مرحلةً أكثر حدةً مع الإصلاحات المرتبطة بالاتحاد الأوروبي. ويضع غوزل في مركز هذا التيار الكمالية والعلمانية ومناهضة العولمة والإمبريالية والدفاع عن الدولة القومية.
وهنا ظهر اختلاف مهم عن القومية التي حملها ألب أرسلان توركيش وحزب الحركة القومية في الحرب الباردة. فقطاعات القومية الجمهورية الخارجة من اليسار الكمالي جعلت مقاومة الهيمنة الأمريكية عنصراً أساساً في تعريف الاستقلال. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي استطاعت هذه الأوساط النظر إلى روسيا الجديدة شريكاً محتملاً في موازنة الغرب، بعدما كانت طوال عقود التهديدَ الذي ساعد على تثبيت الموقع الأطلسي لتركيا.
من هذا التحول في النظر إلى روسيا خرجت لدى بعض التيارات صيغة أوراسية أكثر تنظيماً، وكان دوغو برينجك، وحزبه الذي حمل لاحقاً اسم حزب الوطن، من أبرز ممثليها سياسياً. ويعد الباحث في العلاقات الدولية بجامعة غيرسون سليم قورت، في دراسته “تورك أفراسيجليغي” (الأوراسية التركية) المنشورة سنة 2026، حزب الوطن من أوائل الأحزاب التركية التي تبنت الفكر الأوراسي بتنظيم منذ التسعينيات.
يقول قورت إنّ كتاب برينجك “أفراسيا سِتشيني” (الخيار الأوراسي) المنشور سنة 1996، كان إطاراً نظرياً لهذا الاتجاه. فالكتاب يقسم النظام الدولي بين قوى غربية تسعى إلى إضعاف الدول وتقسيمها، ودول تواجه هذا الضغط، ويطرح تعاون تركيا وروسيا وإيران والصين وسيلةً لمقاومة الهيمنة وتوسيع استقلال القرار الخارجي.
لكن برينجك لا يختصر معنى الأوراسية داخل تركيا. إذ ترى ليرنا يانيك، أستاذة العلوم السياسية في جامعة قادر هاس، في دراستها “أفراسيا يي تارتشماك” (مناقشة أوراسيا) المنشورة سنة 2019، أنه من الصعب الحديث عن أوراسية تركية واحدة بالمعنى الذي تمثله الأوراسية الروسية. فالمصطلح في تركيا لم يتطور عقيدة متماسكة ذات أصول فكرية محددة، إنما استخدمته مؤسسات الدولة والمفكرون والأحزاب أداة لصوغ هوية سياسية إقليمية تبرر مصالح سياسية واقتصادية وإستراتيجية متباينة.
تقول ليرنا أيضاً إنّ بعض المفكرين وظّفوا المصطلح للانفتاح على الجمهوريات التركية، وربطه آخرون بالتقارب مع روسيا. واستخدمه محافظون لبناء مجال نفوذ في الأراضي العثمانية السابقة، بينما اتخذته دوائر قومية غطاء للتيارات المناهضة الغربَ.
وقد ظهر مقدار حساسية هذه الأفكار في مارس 2002 حين تحدث الجنرال تونجر كيلينتش، الأمين العام لمجلس الأمن القومي، في ندوة بمجمع أكاديميات الحرب في إسطنبول بعنوان “توركيه نين إترافندا باريش [. . .]” (كيف يمكن إنشاء حزام سلام حول تركيا؟). كان أستاذ الاقتصاد إيرول مانيسالي قد انتقد قبله مسار العضوية الأوروبية وما رآه أثراً لشروطه في قضايا السيادة والأمن، فوافقه كيلينتش على جانب من تشخيصه ودعا إلى توسيع خيارات تركيا نحو روسيا وإيران، مع إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية داخل الحساب.
بدت الكلمات ثقيلة بسبب الموقع الذي صدرت منه. فتركيا كانت قد حصلت في قمة هلسنكي سنة 1999 على صفة الدولة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وكانت حكومة بولنت أجاويد تعمل على الاقتراب من شروط بدء المفاوضات. وفي صباح اليوم التالي غادرت عبارة كيلينتش قاعة الندوة إلى عناوين الصحف، وقدمتها بعض التغطيات دعوةً إلى البحث عن بديل لأوروبا.
لم تنتهِ دلالة هذا التوجه عند الجدل الذي أثارته تصريحات كيلينتش وهو في منصبه. فبعد تقاعده أصبح كيلينتش أوضح في الحديث عن تعاون يجمع تركيا وروسيا والصين وإيران في المجال الأوراسي. ومع ذلك بقيت بعض هذه التصورات تبحث عن إعادة توزيع علاقات تركيا على مراكز قوة متعددة، وهو ما يجعل الاستقلال وتنويع الشراكات مفهومين أدق من افتراض قطيعة جاهزة مع الغرب.
سرعان ما انتقل الخلاف من الكتب والندوات إلى قلب الدولة. إذ رافق مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سلسلة إصلاحات، أُقرت تباعاً ضمن ما عُرف بحزم التوافق، وأثرت على موقع المؤسسة العسكرية في النظام السياسي، وكان مجلس الأمن القومي واحداً من أكثر المؤسسات تأثراً بها. ثم سنة 2003 فتحت حزمة التوافق السابعة الطريق أمام تعيين أمين عام مدني للمجلس وقلصت وتيرة اجتماعاته، قبل أن يتولى أول مدني المنصب في أكتوبر 2004.
وفي الوقت الذي كانت فيه العلاقة مع أوروبا تعيد تشكيل بعض توازنات الداخل، كانت العلاقة مع الولايات المتحدة تدخل اختباراً مختلفاً. فقد شاب التوتر العلاقة بين أنقرة وواشنطن مع دخول التعاون العسكري بين الدولتيْن إلى قلب انقسام برلماني علني. إذ رفضَ البرلمان التركي وجود قوات أمريكية على الأراضي التركية عشيةَ غزو العراق في مارس 2003. شارك في التصويت على القرار 533 نائباً، صوّت 264 نائباً تأييداً له و250 رفضاً و19 امتناعاً، وبقيت دون الأغلبية المطلوبة بثلاثة أصوات. وتعددت دوافع الرافضين بين معارضة الحرب والخشية من آثارها في العراق والمسألة الكردية والحسابات الحزبية والرأي العام.
بعد أربعة أشهر جاءت واقعة منحت هذا المزاج رمزاً أقوى. ففي الرابع من يوليو، داهم جنود أمريكيون مقراً للقوات الخاصة التركية في السليمانية شمالي العراق واحتجزوا أحد عشر عسكرياً تركياً ووضعوا أكياساً على رؤوسهم. بقيت “حادثة الأكياس”، كما سميت، في الذاكرة العسكرية والقومية إهانةً لحليف يعمل في الميدان نفسه، واستخدمها ضباط وكتاب قوميون لاحقاً دليلاً على أن العلاقة مع أمريكا دخلت منطقة أكثر توتراً.
بحلول سنة 2007 خرج جانب من هذا القلق إلى الشارع. ففي أنقرة وإسطنبول وإزمير ومدن أخرى جذبت مسيرات الجمهورية حشوداً كبيرة مع احتدام أزمة انتخاب رئيس الجمهورية. حمل المتظاهرون صور مصطفى كمال والأعلام التركية ودافعوا عن العلمانية والنظام الجمهوري، وظهرت إلى جانب ذلك شعارات تنتقد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتطالب بتركيا مستقلة تماماً. وبذلك دخلت النزعة الاستقلالية القومية أواخر هذه المرحلة ولها حضورٌ يتجاوز دوائرها الفكرية والعسكرية، دون أن تتحول إلى موقف موحد من الغرب أو إلى خيار أوراسي مكتمل.