
إصلاح روبوت شبيه بالبشر في بكين، أغسطس (آب) 2026 (فلورنس لو/ رويترز)
سكوت سينغر، زميل ومدير مشارك لـ”مبادرة الصين في الذكاء الاصطناعي” في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
بافلو زفينيورودسكي، محلل بحوث أول في “برنامج التكنولوجيا والشؤون الدولية” في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
ترجمة عن “فورين أفيرز” في الـ 12 من أكتوبر (تشرين الأول) 2026.. اندبندنت عربية
ملخص
تحول الصين الروبوتات المعززة بالذكاء الاصطناعي إلى ركيزة استراتيجية تجمع التصنيع والبرمجيات والبيانات، في رهان قد يمنحها أفضلية واسعة في الاقتصاد والدفاع وسباق الذكاء الاصطناعي العام. وفي المقابل، يهدد ضعف القاعدة الصناعية الأميركية واعتمادها المتزايد على المكونات الصينية بتآكل تفوق واشنطن البرمجي، ما لم توسع التصنيع وتؤمن سلاسل إمداد بديلة وتستثمر في الكفاءات والشراكات الدولية.
لم يعد العداء الجامايكي يوسين بولت أسرع رياضي في ألعاب القوى. ففي الواقع، لم يعد صاحب هذا اللقب إنساناً أصلاً، بل روبوت صيني شبيه بالبشر يدعى “تيانغونغ ألترا”. ففي أغسطس (آب) الماضي، قطع الروبوت مسافة 100 متر في 9.39 ثانية، أي أسرع بنحو عُشري الثانية من الرقم القياسي العالمي لبولت، كما كان أداؤه أسرع بأكثر من الضعف مقارنة بأدائه هو نفسه قبل عام. وتصدر السباق عناوين وسائل الإعلام العالمية وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي إلى حد كبير بسبب ما كشفه عما لا تزال الروبوتات عاجزة عن فعله، وفي هذه الحالة كان ذلك إبطاء سرعتها، إذ واصل “تيانغونغ ألترا” اندفاعه بعد خط النهاية وارتطم بحاجز أمان. لكنه أظهر أيضاً التقدم المذهل الذي أحرزته صناعة الروبوتات في الصين، وتقلص الفجوة بين قدرات البشر والتكنولوجيا الجديدة.
وباتت إنجازات الصين في مجال الروبوتات في صلب استراتيجيتها الوطنية المتطورة للذكاء الاصطناعي. ففي حين تركز واشنطن و”وادي السيليكون” بصورة رئيسة على توسيع نطاق النماذج اللغوية الكبرى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الرقمية، تركز بكين على الجمع بين نقاط قوتها في البرمجيات والعتاد لتطوير روبوتات تدمج القدرات الإدراكية المتقدمة للذكاء الاصطناعي بالحركة الجسدية المستقلة. وغالباً ما توصف هذه الروبوتات في الصين بأنها “ذكاء اصطناعي مجسد”، وقد تتمكن في نهاية المطاف من تشغيل المصانع وأداء الأعمال اليدوية، بل وحتى الحلول محل الجنود البشر في ساحات القتال. وإذا اكتسبت الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قدراً كافياً من الاستقلالية لتنفيذ مهام معقدة في العالم المادي، فقد تصبح تكنولوجيا عامة الاستخدام، شأن الكهرباء أو الإنترنت، قادرة على تغيير طبيعة العمل المادي في قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وبالنسبة إلى بكين، يمكن لصناعة قوية للروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تخدم عدداً من أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية. فقد تخفف الضغوط الديموغرافية الناجمة عن شيخوخة السكان من خلال تقليص الحاجة إلى العمال وتوفير الرعاية لكبار السن. ويمكنها أن تعزز القدرات العسكرية الصينية بدرجة كبيرة عبر أتمتة عمليات الاستطلاع والخدمات اللوجيستية والعمليات القتالية. والأبرز أن بعض كبار المفكرين الصينيين يعتقدون أن الروبوتات قد تكون مفتاح الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، أي أنظمة قادرة على أداء معظم المهام بمستوى يماثل البشر أو يفوقهم. وقد تكون استثمارات الصين في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالغة الأهمية، خصوصاً إذا واجهت شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة حالياً في “وادي السيليكون”، التي تركز على زيادة حجم البيانات والقدرة الحاسوبية المستخدمة في تدريب النماذج الكبرى، صعوبة في تحويل مكاسبها الرقمية إلى تقدم في العالم المادي.
وقد يرى المشككون أن الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تزال من قبيل الخيال العلمي. لكن مع التطور السريع في تقنيات الروبوتات، تراهن الصين على أن بعض أكثر التطورات تأثيراً في الذكاء الاصطناعي ستتوقف على إتقان التعامل مع العالم المادي. وإذا صح هذا الرهان، ولو جزئياً، فسيصبح التفوق الأميركي في النماذج المتقدمة أقل أهمية بكثير مما يفترضه كثر في واشنطن. وعندها ستكون القدرة على تصنيع الروبوتات ونشرها في قطاعات مثل التصنيع والخدمات اللوجيستية وتوليد ما يكفي من البيانات لتدريبها باستمرار هي الأهم، وهي كلها مجالات لا تستثمر فيها الولايات المتحدة حالياً بما يكفي. ولكي تنافس، تحتاج واشنطن إلى توسيع قطاعها الصناعي والعمل مع شركاء حول العالم طوروا مزايا في أجزاء رئيسة من سلسلة إمداد الروبوتات. وبينما تندفع الصين قدماً، تحتاج الولايات المتحدة إلى التعامل بجدية مع الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإلا فإنها تخاطر بالتخلف عن الركب.
رهان على الذكاء الاصطناعي المجسد
تسعى الحكومة الصينية إلى قيادة التحول نحو عالم من الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وقد أدرجت بكين “الذكاء الاصطناعي المجسد” ضمن ما تسميه “صناعات المستقبل”، إلى جانب شبكات الجيل السادس والتكنولوجيا الكمومية، وجعلته أولوية في الخطة الخمسية الـ15، وهي الخطة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد حتى عام 2030. وفي مواجهة ارتفاع بطالة الشباب، واستمرار أزمة سوق العقارات، وضعف الاستهلاك المحلي، وشيخوخة السكان وتراجع أعدادهم، ترى بكين في الذكاء الاصطناعي المجسد محركاً جديداً للنمو يمكنه تعويض هذه الضغوط، إلى جانب دفع حدود التطور التكنولوجي.
وقد تتحول الابتكارات الرامية إلى معالجة التحديات الداخلية سريعاً إلى ميزة جيو-اقتصادية. فالصين تسيطر بالفعل على عقد رئيسة في سلسلة الإمداد الناشئة للذكاء الاصطناعي المجسد. فعلى سبيل المثال، تنتج الشركات الصينية نحو 80 في المئة من مجسات “ليدار” LiDAR، أي تقنية الكشف عن الضوء وتحديد المدى، في العالم، وهي التقنية التي تقوم عليها الخرائط ثلاثية الأبعاد والملاحة الذاتية في السيارات ذاتية القيادة وروبوتات المستودعات وأدوات الزراعة الدقيقة. وإذا أصبحت الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي عنصراً أساساً في الاقتصاد العالمي بالقدر الذي تأمله بكين، فستصبح الدول معتمدة على سلاسل الإمداد الصينية للروبوتات بقدر اعتمادها اليوم على الصين في المعادن الحيوية، وهو ما منح بكين نفوذاً هائلاً في الاقتصاد العالمي.
وتمتد الفوائد الاستراتيجية للروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري. ففي فبراير (شباط)، خلص “المعهد الصيني للقيادة والسيطرة”، وهو جمعية علمية وطنية مرتبطة بالدولة، إلى أن الذكاء الاصطناعي المجسد قد يتيح لشبكات من الأنظمة ذاتية التشغيل العاملة في الجو والبر والبحر والفضاء تبادل المعلومات، واستباق تطورات ساحة المعركة، وتنفيذ ضربات دقيقة في الوقت الفعلي. ومن شأن ذلك أن يعزز بدرجة كبيرة قدرة “جيش التحرير الشعبي” على تنسيق عمليات مشتركة في تضاريس متنوعة، مثل محيط الجزر والنتوءات الصخرية المتنازع عليها في بحر جنوب الصين.
والأهم أن عدداً متزايداً من العلماء البارزين في الصين يرى أن الذكاء الاصطناعي المجسد قد يتيح مساراً ربما جرى إغفاله للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام. فقد كتب تشانغ بو، العميد المؤسس لـ”معهد الذكاء الاصطناعي” في جامعة تسينغهوا وأحد رواد أبحاث الذكاء الاصطناعي، أن الذكاء لا يعتمد على الإدراك وحده، بل أيضاً على القدرة على التعلم من العالم المادي واتخاذ القرارات داخله. ويرى تشانغ أن الذكاء الاصطناعي المجسد يستطيع التغلب على أوجه القصور في الذكاء الاصطناعي التقليدي وتسريع التقدم نحو الذكاء الاصطناعي العام. وطرح تشو بوين، مدير “مختبر شنغهاي للذكاء الاصطناعي” وكبير علمائه، وهو أحد أبرز معاهد أبحاث الذكاء الاصطناعي في البلاد، رأياً مماثلاً، إذ يرى أن نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى الروبوتات لفهم العالم المادي. ويمكن لقاعدة التصنيع الصينية، التي لا تضاهيها أي قاعدة صناعية أخرى، أن تصبح ساحة تدريب للذكاء الاصطناعي مع تغذية أنظمته ببيانات مستمدة من العالم الحقيقي. وكلما حصلت هذه الأنظمة على مزيد من البيانات عن كيفية التعامل مع بيئات واقعية معقدة، تحسن أداؤها في البيئات الجديدة وتسارعت وتيرة تطورها.
ولا يعني رهان بكين على الذكاء الاصطناعي المجسد ابتعادها من البرمجيات أو تنازلها في سباق البرمجيات مع واشنطن. فالمختبرات الصينية الرائدة، مثل “ديب سيك” و”زد. أي آي” Z.ai، توسع نطاق نماذجها اللغوية الكبرى بالزخم نفسه الذي تعمل به نظيراتها الأميركية. وبدأ كثير منها استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة أبحاث الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي تتبعها الشركات الأميركية، مما يقربها من المرحلة التي يسميها خبراء التكنولوجيا “التحسين الذاتي المتكرر”، حين يصبح ذكاء اصطناعي عالي القدرة قادراً باستمرار على بناء ذكاء اصطناعي أكثر قدرة وحدوث ما يعرف بـ”انفجار الذكاء”. وما يميز بكين من واشنطن هو الجهد المتزامن الذي تبذله لتطوير الذكاء الاصطناعي في العالم المادي، وهو مجال تتقدم فيه بفارق كبير على الجميع.
رهان يبدأ من الروبوتات
ولتسريع تطوير الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وجهت بكين المسؤولين المحليين إلى تجربة سبل لتعزيز الابتكار وتوسيع الإنتاج. واستجابت حكومات المقاطعات بسرعة، مستفيدة من خبرتها في تفسير أولويات القيادة المركزية وتنفيذها. وتنافست المقاطعات والمدن الغنية ذات المنظومات التكنولوجية المتقدمة، ومنها بكين وغوانغدونغ وشنغهاي وتشجيانغ، بشدة على احتلال موقع الصدارة على المستوى الوطني. وأنشأت صناديق مخصصة لرأس المال المغامر، وأطلقت برامج للدعم، وأقامت مرافق تدريب متخصصة لدعم شركات الروبوتات المحلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتحاكي هذه المقاربة الاستراتيجية التي اعتمدتها بكين بنجاح في تطوير تقنيات مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية. ففي إطار توجيهات عامة صادرة من بكين، قدم مسؤولو المدن والمقاطعات للشركات دعماً سخياً وإعفاءات ضريبية وشروطاً تفضيلية لاستئجار الأراضي. وأدى تنافس الحكومات المحلية على تنفيذ استراتيجية بكين إلى فائض كبير في الطاقة الإنتاجية وهدر واسع للموارد، لكنه أسهم في الوقت نفسه في ظهور شركات قادرة على المنافسة عالمياً، من بينها “بي واي دي”، التي أصبحت أكبر شركة لصناعة السيارات الكهربائية في العالم.
لكن تمويل طفرة في الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي سيكون أصعب مما كان عليه تمويل طفرة السيارات الكهربائية والألواح الشمسية. فقد أرهق التراجع المستمر منذ خمسة أعوام في سوق العقارات موازنات الحكومات المحلية. ولم تعد هذه الحكومات قادرة على الاعتماد على بيع حقوق استخدام الأراضي للمطورين لملء خزائنها، مما أفقدها أحد مصادرها الرئيسة للإيرادات وقلص الأموال المتاحة لتشجيع نمو صناعات جديدة. وباستثناء المناطق الأكثر ثراءً، لا تتوافر أموال كثيرة لقطاع الروبوتات.
ومع صعوبة الحصول على التمويل الحكومي، اتجهت شركات الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى أسواق المال. ففي أغسطس (آب) الماضي، طرحت شركة “يونيتري” Unitree، وهي من أكبر منتجي الروبوتات الشبيهة بالبشر في الصين، أسهمها للاكتتاب العام في بورصة شنغهاي. وجمعت الشركة نحو مليار دولار في طرحها العام الأولي، وكان الإقبال على الاكتتاب في أسهمها كبيراً إلى درجة أنها قفزت بأكثر من 450 في المئة في أول أيام التداول. لكن على رغم أن الأسواق العامة تستطيع تعويض جزء من الفجوة التي خلفها تقلص الدعم الحكومي، فإن نطاقها محدود. فلم تطرح سوى حفنة من شركات الروبوتات أسهمها للاكتتاب العام، وتجعل الجهات التنظيمية الصينية هذا المسار أكثر صعوبة، إذ تشترط على الشركات إثبات وجود إيرادات مستقرة ومبيعات تجارية قبل السماح لها بالإدراج. ويعود حذر الجهات التنظيمية جزئياً إلى أن هذه التكنولوجيا لم تثبت بعد جدواها التجارية على نطاق واسع.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات إلى أن هذه التكنولوجيا أصبحت أكثر جاذبية وقد تنتشر بسرعة. فعلى رغم أن معظم مبيعات “يونيتري” من الروبوتات الشبيهة بالبشر خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 كانت لقطاعي التعليم والبحث، فإن أكثر من ثلثي مبيعات روبوتاتها الرباعية الأرجل، وهي في الأساس كلاب روبوتية، كانت مخصصة لاستخدامات استهلاكية وصناعية، مثل مراقبة المواقع الصناعية بحثاً عن أخطار تتعلق بالسلامة أو مرافقة كبار السن الذين يعانون الوحدة، بعدما كانت هذه الاستخدامات تمثل أقل من ثلث المبيعات عام 2022. وإذا وجهت شركات الروبوتات الأموال التي تجمعها من الدعم الحكومي والطروحات العامة الأولية والمبيعات، فستدخل أعداد أكبر من الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى الاستخدام التجاري خلال الأعوام القليلة المقبلة. ومع حدوث ذلك، قد يبدأ المصنعون في أنحاء الصين شراء هذه الروبوتات لخطوط إنتاجهم، مما يولد الإيرادات والبيانات المستمدة من العالم الحقيقي التي تحتاج إليها شركات الذكاء الاصطناعي المجسد، مثل “يونيتري”، لتطوير منتجاتها بسرعة أكبر.
إلى العالم المادي
ركز “وادي السيليكون” إلى حد كبير على نهج واحد لتطوير الذكاء الاصطناعي يقوم على تطوير برمجيات قادرة على تحسين أدائها بصورة متزايدة، ولا سيما وكلاء الذكاء الاصطناعي، بحيث تنجز مهام رقمية متزايدة التعقيد. وأتاح تحسن البرمجة للنماذج اللغوية الكبرى العمل باستقلالية أكبر وحل مسائل أكثر صعوبة، بما في ذلك براهين رياضية تبدو مستحيلة. لكن على رغم هذا التقدم الهائل، لا تزال الاستثمارات في دمج الذكاء الاصطناعي بالعالم المادي محدودة. ويسود بدلاً من ذلك اعتقاد أن التطور في البرمجيات سينتقل في نهاية المطاف إلى تطبيقات وقدرات ملموسة على أرض الواقع.
وقد يكون هذا الافتراض خاطئاً. فحتى إذا استطاعت نماذج الذكاء الاصطناعي أداء أعمال مهندسي البرمجيات والمحاسبين والمستشارين والمحامين، فقد لا تتمكن بسهولة من أداء مهام في العالم المادي. فالأنظمة الرقمية وحدها لا تستطيع تشغيل خطوط الإنتاج أو حصاد المحاصيل أو استخراج المعادن أو خوض الحروب، كما لا يمكنها بسهولة جمع بيانات تعكس كيفية تنفيذ هذه المهام المادية. ومن المرجح أن تتطلب أتمتة هذه القطاعات كلاً من أكثر النماذج البرمجية تطوراً وكميات هائلة من البيانات المتعلقة بالتفاعلات المادية. ولذلك، حتى إذا واصلت واشنطن تصدر العالم في مجال البرمجيات، فقد تتمكن الصين من تضييق الفجوة بسرعة أو حتى تجاوز الولايات المتحدة من خلال نشر الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد المادي وجمع كميات أكبر من البيانات المستمدة من العالم الحقيقي.
وكلما طال أمد إهمال واشنطن قطاع الروبوتات، اتسعت الفجوة بينها وبين منافسيها. ومع أن الشركات الأميركية تتصدر عالمياً بعض حلقات سلسلة توريد الروبوتات المعززة بالذكاء الاصطناعي، إذ تصمم “إنفيديا”، على سبيل المثال، الرقاقات التي تمثل “أدمغة” هذه الأنظمة، فإن عدد الشركات الأميركية التي تصنع روبوتات متكاملة لا يزال أقل بكثير من نظيره في الصين. وتعاني هذه الشركات ارتفاع كلف الإنتاج ونقصاً أكبر في الكفاءات الهندسية. ومع ذلك، يمكن للاستثمارات التي تعتزم واشنطن ضخها في القطاعات الأساس للصناعة الأميركية أن تسهم في تعزيز قدرتها على المنافسة في مجال الروبوتات المعززة بالذكاء الاصطناعي. ويمكن للحكومة الأميركية دعم هذا التوجه من خلال إطلاق برامج تدريبية في الهندسة الميكانيكية والأتمتة والروبوتات، بما يضمن تدفقاً مستمراً من الكفاءات المتخصصة، إلى جانب تقديم حوافز ضريبية للشركات التي تصنع منتجاتها داخل الولايات المتحدة.
يمكن لقاعدة التصنيع الصينية أن تصبح ساحة تدريب للذكاء الاصطناعي
ويزداد اعتماد صناعة الروبوتات الأميركية على المكونات والعتاد الصينيين، وهي مشكلة ستصبح أكثر حدة على المدى الطويل. ويثير هذا الاعتماد خطر تمكن الموردين الصينيين من الوصول إلى بيانات حساسة تخص المستخدمين الأميركيين، ويجعل واشنطن عرضة لاستخدام نقاط الاختناق الاقتصادية كسلاح. ومع ازدياد اندماج الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الأميركي خلال الأعوام المقبلة، يمكن لأي قيود صينية على تصدير مكونات رئيسة أن توقف خطوط التجميع الأميركية وتمتد آثارها إلى كل قطاع يعتمد على هذه الأنظمة.
ويدرك صناع السياسة أخطار الإفراط في الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية. ففي يوليو (تموز) الماضي، حظرت “لجنة الاتصالات الفيدرالية” الأميركية استيراد الروبوتات الأجنبية المتطورة، على أمل إيجاد مساحة في السوق تستطيع الشركات الأميركية أن تنافس فيها الصين. ومن اللافت أن قواعد اللجنة تستثني استيراد الروبوتات لأغراض تطوير المنتجات الأميركية، ولا تحظر بالكامل استيراد المكونات الصينية. وهذه بداية جيدة، لكن أسئلة سياسية أكثر صعوبة لا تزال تنتظر، خصوصاً إذا حاولت واشنطن إقصاء الصين بصورة أشد من صناعة الروبوتات الأميركية. فأي انفصال سريع عن العتاد الصيني قد يربك إنتاج الروبوتات محلياً في الولايات المتحدة من خلال تقييد الوصول إلى بعض المكونات الضرورية، بما فيها المجسات والبطاريات الرئيسة. والحل الأفضل هو أن تستورد واشنطن بصورة انتقائية المكونات الصينية الضرورية، بالتوازي مع تطوير بدائل لها وتعميق التعاون مع دول تملك خبرة راسخة في الروبوتات الصناعية، مثل ألمانيا واليابان. ويمكن ربط الاتفاقات مع هذه الدول بمبادرة “باكس سيليكا” Pax Silica، التي تقودها الولايات المتحدة وتركز على التعاون في سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، أو صوغها على غرارها، بما يضمن حصول المصنعين الأميركيين على العتاد بشروط تنافسية ومن مصادر موثوقة.
وتحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى شركائها لمساعدتها في توسيع قدرتها على الوصول إلى بيانات التدريب. فالشركات الصينية تستطيع الاستفادة من بيانات مستمدة من العالم الحقيقي توفرها القاعدة الصناعية الضخمة في البلاد والانتشار الواسع للروبوتات، مما يمنحها ميزة في البيانات لا يستطيع أي منافس بمفرده مضاهاتها. لكن بعض شركاء الولايات المتحدة يملكون مجموعات بيانات فريدة. فأوكرانيا، على سبيل المثال، راكمت خلال حربها مع روسيا ملايين الصور وإطارات الفيديو الملتقطة من ساحات المعارك والمرفقة بشروح توضيحية. وفي وقت سابق من هذا العام، أبدت كييف استعدادها لمشاركة هذه البيانات مع شركائها لمساعدتهم في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي لديهم. ويمكن لواشنطن أن تعمل مع كييف على وضع إطار لمشاركة هذه البيانات مع الشركات الأميركية، بما يساعدها على تسريع تطوير روبوتات للدفاع الوطني.
ومن المرجح أن يفتح دمج الذكاء الاصطناعي بالعالم المادي الباب أمام مزايا اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية هائلة للدولة التي تنجح في ذلك على أفضل وجه. وفي الوضع الراهن، ستعود هذه المزايا في المقام الأول على بكين. وإذا أرادت واشنطن مواصلة المنافسة، فعليها أن تجعل الريادة في هذه التكنولوجيا التحويلية أولوية وطنية، لا أمراً ثانوياً. وإلا فقد تجد الولايات المتحدة نفسها قريباً تطور أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم، فيما تجني الصين ثمار تطبيق تلك النماذج في العالم المادي.
سكوت سينغر، زميل ومدير مشارك لـ”مبادرة الصين في الذكاء الاصطناعي” في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
بافلو زفينيورودسكي، محلل بحوث أول في “برنامج التكنولوجيا والشؤون الدولية” في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
ترجمة عن “فورين أفيرز” في الـ 12 من أكتوبر (تشرين الأول) 2026