ما من لغة نقية بما يكفي للتعبير عن موت من نحب. فنحن نتألم في محاولتنا أن نبقي على قيد الحياة لا الحياة التي تشاركناها فحسب، بل كذلك كليّة الحياة الداخلية لمن أحببناهم ـ كيف كانوا يفكرون، كيف كان يصغون، ما الذي كان على المحك بالنسبة إليهم ـ وليس إحساسنا بهذه الحياة الداخلية فحسب، بل كذلك الطرق التي لا تعد ولا تحصى التي كانوا ينتمون بها إلى زمانهم ومكانهم. فمن أجل أجيال سيطرت عليها الحرب، في هذا العالم الذي يزداد فيه الانسلاخ عن المكان ونزع الملكيات، حيث لا يموت كثيرون في الأماكن التي ولدوا فيها لنكرّم تعقيد منافيهم ومغزاها.
يجعلنا التاريخ نخاف على روحنا الأخلاقية. فما من شيء لن يفعله إنسان بآخر، ما من شيء لن يفعله إنسان لأجل آخر. وعلينا أن نضفي طابعًا شخصيًا على ما يجرّده التاريخ من طابعه الشخصي. فما الذي يعنيه أن تكون تجربة المرء الأكثر خصوصية والأكثر عمقًا ـ الكارثة التي تشكّل حياة المرء ـ هي أيضًا التجربة الأكثر حميمية لآلاف الآخرين؛ المعارك، الحصار، الغيتو، مخيم اللاجئين؟ وأي متسع يمكن إيجاده لحزننا الخاص عندما يوضع في مقابل خسائر لحقت بأمم بأكملها؟ هجرة اليد العاملة، والمنفى السياسي، والمنفى المناخي، والنزع الجماعي للملكيات بمختلف أنواعه. وإلى أين ننتمي؟ إلى حيث ولدنا، أو إلى حيث ندفن، إلى حيث وُلد أطفالنا، إلى حيث جرى التخلي عنا، إلى حيث جُرحنا، إلى حيث أُنقِذنا، إلى حيث يجدنا الحب؟
خلال الحرب العالمية الأولى، تعلّم الجنود أن يحتفظوا بكتاب مقدس في جيب الصدر في ستراتهم العسكرية. لا لأجل العزاء، بل لأنه كان كتابًا ثخينًا بما يكفي لصدّ رصاصة. ولعل ذلك، في آخر الأمر، نوع من العزاء.
قصص تُروى على أرض المعركة، على متن قارب نجاة، في جناح مستشفى في أثناء الليل. وفي مقهى سيختفي قبل الصباح. يسترق شخص ما السمع. يصغي شخص ما، منتبهًا بكل جوارحه. أو لا أحد يصغي. تُروى القصة لشخص ينزلق إلى النوم، أو إلى اللاوعي، من دون أن يستيقظ أبدًا. تروى القصة لناجٍ سيروي بدوره القصة لطفل سيكتبها، لتقرأها امرأة في منتصف الليل وهي موصولةٌ إلى آلة غسيل الكلى في مستشفى يبعد خمسة عشر ألف ميل، وستدرك بقراءتها شيئًا جوهريًا في ذاتها.
مساء أحد، صباح شتوي، غسقُ أبريل. الاستيقاظ في غرفة مظلمة للغاية بسبب المطر حتى لنعتقد أن الليل قد حل. الحزن، والفقد، والندم ليس نهاية القصة، بل منتصف القصة. والذاكرة لا تنظر إلى الوراء، بل تنظر إلى الأمام.
| العاصمة البولندية وارسو في عام 1944 |
عام 1944، في وارسو، خربش الجنود الألمان أرقامًا بالطلاء الأبيض على المباني، ومن ثم هدموا المدينة بشكل منهجي، بينما كان الجيش السوفياتي يراقب وينتظر على الجانب الآخر من نهر فيستولا. وبعد الحرب، عاد البولنديون إلى وارسو، وبينما كانوا يعيشون وسط الأنقاض، بدؤوا بإعادة البناء. وقد واجهت المدن المدمرة في أنحاء أوروبا الخيارات ذاتها. هل ينبغي إبقاء الخرائب نُصب العيون، مثل الكاتدرائية في كوفنتري، مع تشييد مبان جديدة بجوارها، لتكون نصبًا تذكاريًا دائمًا؟ أم ينبغي إخفاء الأنقاض (بمن فيها من موتى)، وبناء مدينة جديدة وحديثة فوقها؟ أو ربما ينبغي، كما قرر البولنديون، استنساخ المدينة القديمة، وإعادة بنائها في المكان ذاته، بأدق تفاصيلها ـ كل إفريز، كل عمود إنارة، وعتبة نافذة ـ كفعل تحد ويأس؛ الرد الأشرس على حقيقة أننا لا نستطيع إعادة الماضي، ولا نستطيع إعادة الموتى. وفي هذا الاستنساخ كان ثمة نوع من الرعب؛ استدعاءٌ للأرواح، وبوحٌ عالي الصوت بشك مروع لا إجابة له: أن النسخة طبق الأصل قد تمحو تحديدًا ما كان يُفترض بها أن تخلّد ذكراه.
في خمسينيات القرن العشرين، في كندا، في أثناء تشييد ممر سانت لورنس المائي، أُخليت البلدات والقرى في السهول الفيضية على طول نهر سانت لورنس إخلاءً دائمًا. وقد عرضت لجنة الطاقة الهيدروكهربائية في أونتاريو أن تنقل منازل الناس إلى بلدات شُيِّدت حديثًا، باستخدام ناقلة المنازل الجبارة “هارتسهورن”. أما المنازل التي تركها الناس وراءهم، فقد أُضرمت فيها النيران. وعرضت اللجنة أيضًا أن تنقل رفات الموتى من المقابر التي ستغمرها المياه. لكن معظم الناس اختاروا أن يتركوا الموتى حيث هم من باب الاحترام. ولعقود بعد ذلك، رفض الناس السباحة في النهر خوفًا من أن يطفو الموتى إلى سطح الماء. كما لا يزال في الإمكان رؤية الأرصفة والأساسات الحجرية لتلك البلدات، وهي تطفو كالأشباح تحت سطح النهر.
بالمثل، في ستينيات القرن العشرين، في مصر والسودان، في أثناء تشييد السد العالي في أسوان، نُزعت ملكية أمة النوبة بأكملها تقريبًا ونُقلت إلى مكان آخر، بينما اختفى الموطن النوبي تحت واحدة من أكبر البحيرات الاصطناعية في العالم. وقد غمرت المياه عددًا لا يحصى من المواقع الأثرية. غير أن مبادرة اليونسكو أنقذت معابد أبو سمبل الهائلة من مياه الفيضان، ففُكِّك الموقع بأكمله، ورُقِّمت كل كتلة حجرية، ونُقلت، طنًا تلو طن، إلى ارتفاع مائتي قدم، حيث أعيد تجميع المعابد وإعادة إنتاج المناظر الطبيعية المحيطة بها بإتقان لا تشوبه شائبة. وهذا العمل الهندسي الفذّ خلق وهمًا، خديعةً بلغت من الكمال حدًّا جعلها بمثابة خيانة؛ إذا كان في الإمكان خداع المرء ليصدق أنه يقف في الموقع الأصلي، فإن أبو سمبل، الذي أعيد تشييده لغاية جديدة، لم يعد مقدسًا.
| نقلت اليونسكو معبد أبو سمبل من موقعه في النوبة جنوب مصر كي لا تغمره بحيرة السد العالي |
لم يكن النوبيون قادرين أبدًا على العودة إلى منازلهم، أو أراضيهم، أو مناظرهم الطبيعية على ضفاف النيل. لكن الأكثر من ذلك أن موطنهم الذي غمرته المياه تلاشى عن وجه الأرض. وفي أزمنة أخرى وأمكنة أخرى، كان بشر آخرون قد خسروا موطنهم وهم نيام، فكانوا ينامون في بلد ويستيقظون في آخر، من دون حتى أن يتقلبوا في أسرّتهم، حيث يُعاد رسم الحدود وتعاد تسمية البلدان في أثناء الليل.
إن ما نحمله معنا حين نجبَر على ترك كل شيء خلفنا هو اللغة، والذاكرة، وأجسادنا. وأن نتأمل في كيف أننا نتذكر بيننا وبين أنفسنا وكيف أننا في المقابل نخلّد الذكرى في العلن، كجماعة أو كبلد، وأن نتأمل في الفارق بين الحزن الشخصي والحزن التاريخي، فذلك يعني أن نسعى إلى فهم خدع التاريخ المستمرة، والاستنساخ وإعادة التسمية، والكذبة المرئية والحقيقة غير المرئية، والحقيقة المرئية والكذبة غير المرئية. فالذاكرة تطارد خرائب التاريخ، باحثةً عن معنى.
الأدب يحمل الأحياء والموتى. إنه يرتبط بالحب، بالتحول العميق، يتشبث بأماكن الخزي، يتجمع في أماكن الخفاء، والندم، والكارثة؛ إنه يتشبث بالضمير. لكن الفن ليس تعبيرًا عن الذات، إنه التعبير عما يتجاوز الذات.
يسعى الأدب جاهدًا إلى شيء بعيد عن المتناول. أما العمل الأقل شأنًا منه، الذي يسعى إلى الأقل، ويحقق هدفه الأقل، فليس حيًا بالطريقة ذاتها؛ إنه يتلاعب بالتجربة، ويُشتَق منها بدلًا من مواجهتها؛ ومن دون ذلك الاشتباك، حيث يكون كل شيء على المحك بالنسبة إلى كل من الكاتب والقارئ، لا يكون ذلك الشيء مولِّدًا. وهذا الفن الأقل شأنًا، مثل محاكاة زائفة، لن يكون أبدًا محور رغباتنا. بالمثل، في بقاع العالم ذات الامتيازات، يمكن النظر إلى الشهية بوصفها بديلًا، محاكاة زائفة للجوع.
فكيف نميز بين ما هو أصلي وما هو محاكىً؟ إن عمل المحاكي أكثر مدعاة للاستهجان من عمل المزوِّر، فالمزور يقرّ بقيمة الأصلي بدلًا من أن يمحوه بالتقليد. ولهذا السبب، الزهرة البلاستيكية الرخيصة، المصنوعة بطريقة بدائية، أكثر حقيقيةً من التقليد المتطور الذي يخدعنا لنظن أنه حقيقي. فالأولى لا تدّعي أنها حقيقية، لا تدّعي أنها شيء آخر غير ما هي عليه، وبالتالي تذكّرنا، تضمن أننا نتذكر، ما هو حقيقي. أما الثاني، فغايته كلها هي أن يخدعنا، أن يجعلنا ننسى ما هو حقيقي. إنه يسعى إلى أن يحل محلّ ما هو حقيقي.
تتكون إعادة الإنتاج من القديم والجديد معًا. فالمزور يستخدم أصباغًا ومواد ترجع إلى زمن الأصلي. أما المحاكاة فتتكون من الجديد فحسب. لقد أعيد بناء وارسو باستخدام الرسومات، واللوحات، وغيرها من السجلات البصرية، بالإضافة إلى مزيج من البناء الحجري الأصلي والأحجار المنقولة من مواقع أخرى. ونمت أشجار جديدة حيث كانت تنتصب الأشجار القديمة. كما أُجريت تعديلات طفيفة لتلائم الاستخدام الحديث، لكن بصريًا نهضت المدينة القديمة من بين أنقاضها، وهو إنجاز مذهل لعمل قاصم للظهر وعزيمة راسخة، وبيان قوي في مواجهة النوايا السوفياتية.
في وارسو، كان الدافع للقيام باستنساخ منهجي لما دُمِّر منهجيًا بمثابة فعل مواجهة مع التاريخ، لا دحضًا له. وحين دخل الناجون الشوارع المعاد خلقها، وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الماضي والمستقبل على حد سواء. فهنا كان ثمة متسع للموتى والأحياء معًا. والمدينة المعاد خلقها كانت تمثّل كيان الدولة الديمقراطية؛ وحتى هذا الرمز كان قديمًا وجديدًا في آن واحد، لأنه أصبح الآن رمز كيان دولة نجت من طمس شبه تام.
لا شيء يثير حنق الطاغية أكثر من الأمل. وما كان متأصلًا في إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن مجرد الرغبة في تذكر الموتى، بل كذلك الأمل في أن يتذكرنا الموتى. والتأكيد على أننا لم نفقد إنسانيتنا، وأننا، والعالم، بعد كل ذلك الانحطاط، ربما لا نزال قابلين للتمييز أخلاقيًا.
والآن، بعد أكثر من نصف قرن، ابتكرنا تكنولوجيا لا تترك أي متسع للأموات. إنه عالم من الحاضر الأبدي، عالم من المحاكاة، حيث الماضي سائل بقدر المستقبل. إن “الديب فيك” (التزييف العميق)، تلك التكنولوجيا التي تستخدم التعلم الآلي لإنشاء مقاطع فيديو زائفة شديدة الواقعية، يمكنه إعادة خلق الشخص المستهدف حتى بعد وفاته. وبوسعه أن يجعلنا نتذكر ما لم يحدث قط. فلن يكون لدينا بعد الآن أي ضمان على أننا نتذكر الموتى. والموتى لن يتذكرونا بعد الآن؛ سنكون قد أصبحنا غير قابلين للتمييز.
إن محو الأشخاص من الصور الفوتوغرافية ـ وهو التكتيك المفضل لدى ستالين ـ يبدو الآن بدائيًا في مداه، كما أنه كان في المقام الأول يركز على الماضي. أما “الديب فيك” فيمكنه الإفساد على نطاق يبلغ من الضخامة ما يجعل مداه عابرًا للزمن. فبوسعه تزييف الماضي، والحاضر، والمستقبل، مختلِقًا ومستنتِجًا أحداثًا لن تحدث قط، لكنها مع ذلك ستحوم في الجو مثل نبوءة. وحتى الثقب الأسود يصبح ظاهرًا من خلال طيّ الفضاء المجاور له. و”الديب فيك”، خصوصًا مع استمرار التكنولوجيا بتضخيم قوتها، سيستمر بالتملص من إدراكنا، وقريبًا لن يترك أثرًا يدل على قواه التشويهية، رغم أنه بلا ريب سيحرّف الفضاء الأخلاقي المحيط به. وكما هي الحال دائمًا، فإن عواقب التكنولوجيا ليست نتيجة للتكنولوجيا ذاتها، بل نتيجة لقوانيننا وإرادتنا. فكل خديعة تجعل إرادتنا تتآكل.
إن خداع “الديب فيك” يتطلب مئات الصور الفوتوغرافية للشخص المستهدف، وسيتطلب أقل من ذلك مع تطور التكنولوجيا. وربما سنعود إلى البورتريه المصنوع يدويًا لتمثيل أنفسنا؛ وربما، في العلن، سنخفي وجوهنا.
مؤخرًا، طُمِرت كبسولة زمنية عميقًا في جليد أنتاركتيكا (القارة القطبية الجنوبية). وقد حُسب عمق الكبسولة وموقعها بعناية؛ بدقة قدر الإمكان في ظل الحالة الراهنة لمناخنا المتغير بسرعة. وفي داخلها كان ثمة رسائل إلى المستقبل. غير أن كتابة مثل تلك الرسائل كانت بمثابة سقوط شديد الانحدار إلى الزمكان. رسائل لن تُفتح قبل ألف عام. وحتى بعد مائة عام، سيتلاشى الحدس الأكثر حكمة وتحفظًا متحولًا إلى خيال. فليس بوسع الكتابة باتجاه المستقبل أن تنتج سوى شكل من أشكال الذاكرة.
في أنتاركتيكا، يمكن لصوت بشري ـ اعتمادًا على درجة حرارة الهواء، واتجاه الرياح، وخاصية الجليد في كسر الصوت ـ أن يُسمَع على بعد ميلين تقريبًا. وثمة أماكن قليلة على الأرض يوجد فيها مثل هذا الصمت. لكن ثمة طرق أخرى، إذا كانت لدينا الرغبة والإرادة، لسماع أصوات عن بعد، حتى بعد أن يتلاشى الصمت. ويمكن العثور على تلك الطرق في تبادلنا الأفكار والمشاعر مع الأدب، مع الفن؛ خصوصيةٌ عميقة، لكنها في الآن ذاته صوت عقل واحد، وروح واحدة، تخاطب عقلًا وروحًا آخرين. ما من افتداء في التاريخ. الموتى يبقون حيث دُفنوا. لكن الذاكرة تعرف أن الموتى سيطفون على سطح النهر. الذاكرة تعرف أن الموتى في وسعهم أن يقرؤوا.
بين يديك، جوعي.
هامش:
(*) آن مايكلز (1958ـ ): روائية وشاعرة كندية تُرجمت أعمالها إلى أكثر من خمس وأربعين لغة. من أعمالها: الديوان الشعري “كل ما رأيناه” (2017)؛ كتاب “تدرج لا متناهٍ” غير التخييلي (2018)؛ رواية “قطع هاربة” (1996) التي حُولت إلى فيلم سينمائي، ورواية “محتَجز” (2023). حازت على جائزة أورانج للرواية، وجائزة “الغارديان” للرواية، وترشحت لجائزة البوكر. تركّز أعمالها على التاريخ، والذاكرة الفردية والجماعية، وآثار الحروب، والنجاة من خلال الفن.
رابط النص الأصلي:
https://www.laphamsquarterly.org/memory/mortal-soul-moral-soul?fbclid=IwY2xjawTnsIRwZG9mBWV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR5t-CM_OhjIPEQZk5Q8wMWkWBu7Pv9JhCIOM2DC8bk3aEdvP6Dxy-5Tnhs6hg_aem_eHdeIWMLTF8CuCPW1xDKUg