صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة “ترجمان”، كتاب أفلاطون والتقليد الأسطوري في الفكر السياسي Plato and the Mythic Tradition in Political Thought، من تأليف تاي-يوون كيوم، وترجمة حازم نهار.
يعيد الكتاب النظر في العلاقة بين الأسطورة والعقل، انطلاقًا من مراجعة الصورة الشائعة لأفلاطون بوصفه مؤسِّسًا لمشروع فلسفي يقوم على إقصاء الأسطورة. وتجادل المؤلفة بأنّ الأساطير التي ضمّنها أفلاطون محاوراته تمثّل جزءًا أصيلًا من مشروعه الفلسفي، وأنّ أثرها امتدّ إلى مفكرين بارزين في الفلسفة الحديثة. ومن خلال تتبّع هذا الإرث، تطرح سؤالًا يتجاوز تاريخ الأفكار: كيف يمكن التعامل مع السرديات والرموز التي تشكّل فهم البشر لأنفسهم وعالمهم، وتؤثّر في حياتهم السياسية، من دون التسليم بسلطتها أو إنكار حضورها؟
وينطلق من التمييز بين “الأسطورة الأدبية”، بوصفها حكاية صيغت في قالب تخييلي، و”الأسطورة العميقة”، بوصفها إطارًا ضمنيًا للمعنى يوجّه تصوّرات الناس ويحدّد ما يعدّونه طبيعيًا أو ممكنًا أو مشروعًا. ولا تقتصر هذه الأطر على المجتمعات القديمة، بل تستمرّ داخل الثقافة والسياسة الحديثتين، وتتجلّى في الصور النمطية والسرديات الجماعية والافتراضات الموروثة. لذلك، لا يكفي دحض معلومة خاطئة للتخلّص من تأثيرها؛ إذ تستمدّ هذه الأطر قوّتها من ارتباطها بالهويّة والعاطفة والعادات الإدراكية. وتبحث المؤلِّفة في قدرة الأساطير الأدبية على بلوغ هذه المستويات العميقة وإعادة تشكيلها، بما يتيح للتفكير النقدي إمكانات لا يوفّرها الاستدلال المباشر وحده.
يتألف القسم الأول من الكتاب، “الحدود الفلسفية والسياسية”، من ثلاثة فصول، تتناول المؤلفة في أوّلها ثلاث أساطير وردت في كتاب الجمهورية، هي أسطورة المعادن، وأسطورة الكهف، وأسطورة إر؛ وتدرسها بوصفها حلقات مترابطة ضمن مشروع فلسفي يبحث في الطبيعة الإنسانية ودور التربية في تشكيلها. وتكشف عن نمط مشترك بينها، يتمثّل في الانتقال من حالة شبيهة بالحلم تحت الأرض إلى الاستيقاظ على واقع جديد. ويساعد هذا البناء في إعادة النظر في طبيعة الفرد ومدى قابليتها للتحوّل بالتعليم والممارسة. فالأساطير لا تخاطب عامة المواطنين فحسب، بل تساهم أيضًا في تشكيل فهم الفلاسفة لذواتهم وأدوارهم. وتكمن مفارقتها في أنّها تمنح تصوّراتٍ معينةً قوةً تأسيسيةً، مع إبقائها قابلة لإعادة الصوغ؛ وبذلك تجمع بين توفير الاستقرار الضروري للتعلّم وفتح المجال أمام تجاوز المسلّمات.
وينتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى توماس مور وفرانسيس بيكون، متتبّعًا حضور الأساطير المؤسِّسة في كتابَي يوتوبيا وأتلانتس الجديدة. فقصص نشأة المجتمع ومؤسساته تحدِّد قيمه وهويّته، وتمنح نظامه السياسي الاستمرارية، وتوفّر بيئة حاضنة للنشاطَين الفلسفي والعلمي. لكنّ هذه الوظيفة المحافظة لا تستنفد دلالتها؛ إذ يتيح بناؤها الأدبي المفارقة والتجريب وإعادة التأسيس. ويبرز بيكون خصوصًا بوصفه مفكرًا يدرك قدرة الصور المألوفة على تقريب الأفكار الجديدة وتهيئة المجتمع لتقبّل المعرفة. فالتقدّم العلمي يحتاج إلى شروط ثقافية واجتماعية تحفظ منجزاته، ويحتاج أيضًا إلى طرائق عرض توضح حدود المعرفة وتحفِّز على المشاركة في تطويرها، بدلًا من الاكتفاء بتلقّي نتائجها.
أما الفصل الثالث “أسطورةٌ من عصر التنوير: لايبنتز وحدود العقل”، فيتناول “الحكاية الصغيرة” التي يختتم بها لايبنتز كتابه الثيوديسيا، الذي يبحث في العدالة الإلهية ومشكلة الشر. وتعرض الحكاية عوالم ممكنة داخل “قصر الأقدار”، لتوضيح اعتقاد مفاده أنّ عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة. وتتناولها المؤلفة بوصفها معالجة للتوتر بين طموح العقل إلى المعرفة الشاملة ومحدودية القدرة البشرية على بلوغها. فالأسطورة تمنح تصورًا تخييليًّا لما يتعذّر الإحاطة به فعليًا، وتكشف في الوقت نفسه الطابع البشري والمشروط لهذا التصوّر. ومن ثمّ، تصبح وسيلة لتشخيص حدود المعرفة وإبراز الحاجة إلى أطر مؤقّتة تتيح استمرار البحث، مع إظهار أثر الهويّة والارتباط بالعالم في أحكام الإنسان واختياراته.
وفي القسم الثاني، “الأسطورة والحداثة”، تتناول المؤلِّفة “المثالية الألمانية”، وتتتبّع مشروع “الميثولوجيا الجديدة” لدى فريدريش فيلهلم جوزيف شيلينغ وفريدريش شليغل ويوهان كريستيان فريدريش هولدرلين وغيرهم، وهو المشروع الذي سعى إلى معالجة التوتّر بين تماسك الجماعة وحرية أفرادها، من خلال رموز وتعبيرات جمالية مشتركة تصل بين العقل والشعر. وتُبرز طموح هذا المشروع إلى تجاوز الانقسام بين الفلاسفة وغير الفلاسفة، بما يتيح للأفراد المشاركة في إنتاج عالمهم الرمزي. فالميثولوجيا المنشودة عمل جماعي متجدّد، يرتبط بتحقيق الحرية والمساواة وتنمية قدرات الإنسان. وتضع هذه القراءة المشروع في سياق أسئلة الحداثة وتجربة الثورة الفرنسية، وترفض اختزاله في نزعة أدبية معزولة أو عدّه مقدّمة حتمية للشمولية.
ويبلغ البحث ذروة توتّره مع إرنست كاسيرر، الذي واجه توظيف الفاشيّة للأساطير والطقوس والسرديات العنصرية. فعلى الرغم من نقده للأسطورة السياسية الحديثة، ظلّ يحتفي بأساطير أفلاطون وبقدرتها على خدمة التحرّر الفكري. وتوضح المؤلفة أنّ الأسطورة الفلسفية، حين تعي حدودها وتظلّ مفتوحة للتأويل والمراجعة، تستطيع تفكيك الأفكار الجامدة التي ترسّخها، لكنّ التمييز بين الأساطير المحرِّرة والأساطير المقيِّدة يظلّ مهمة صعبة، لا تحسمها وصفة نظرية جاهزة، بل يتطلّب يقظةً نقديةً متواصلةً إزاء تحوّل المعاني إلى عقائد مغلقة.
وتخلص المؤلِّفة إلى أنّ السياسة لا تستطيع الاستغناء تمامًا عن الأطر التخييليّة التي تمنح التجربة الإنسانية معناها. ويتمثل المطلوب في الاعتراف بقوّتها، وفحص مخاطرها، وإعادة صوغها عندما تعوق الحرية تجارب الآخرين أو تحجبها. ويقتضي ذلك ثقافة يقظة لا تترك صناعة الرموز والسرديات حكرًا على أصحاب السلطة.
تتجلّى أهمية الكتاب في توسيع فهمنا للعلاقة بين الفلسفة والأسطورة، وإبراز دور النقد والخيال في مراجعة التصوّرات التي تنظّم حياتنا المشتركة. ومن هذا المنظور، تصبح إعادة تأويل الرموز والسرديات السياسية مسؤولية ثقافية تتطلّب يقظة مستمرة، كي تظلّ مصدرًا للمعنى قابلًا للمراجعة، وألّا تتحوّل إلى سلطة تقيّد التفكير وتضيِّق مساحة التعبير عن تنوّع التجارب الإنسانية.