وفي حالة نوبل، يأتي الاعتراف بالتحيّز الأوروبي من داخل المؤسسة المانحة نفسها. فقد قال رئيس لجنة جائزة نوبل للآداب، أندرس أولسون، عام 2019: “كان لدينا منظور أكثر تمركزًا حول أوروبا في النظر إلى الأدب، والآن ننظر إلى جميع أنحاء العالم”. وقبل ذلك بعشر سنوات، أقرّ بيتر إنغلوند، الأمين الدائم للأكاديمية السويدية آنذاك، بأن اللجنة السرية كانت “مركزية أوروبية” للغاية في اختيار الفائزين، وأن أعضاءها يميلون، بحكم كونهم أوروبيين، إلى تبنّي نظرة أوروبية للأدب، معتبرًا هذا التحيّز الأوروبي مشكلة تستدعي الوعي بها والعمل على الحدّ منها.
ومع ذلك، لم تحظَ اللغة العربية بهذه الجائزة منذ انطلاقها قبل 125 عامًا إلا مرة واحدة. وهو أمر ملفت يثير سؤالًا مشروعًا: ألم تُنجب الثقافة العربية، طوال هذه العقود، أدباء تتوافر في منجزهم الإبداعي ورؤاهم التنويرية وتجاربهم التجديدية المقوّمات التي تبحث عنها الجهة المانحة في السويد؟ سؤال نطرحه على عدد من الكتّاب والروائيين والشعراء، لاستطلاع آرائهم في أسباب هذا الحضور العربي المحدود في سجلّ الجائزة:
| أحمد الخميسي- نادية هناوي |
نادية هناوي – باحثة وأكاديمية (العراق):
لسنا بحاجة إلى أن نأخذ المعايير من العنصر الأبيض
ليس مستغربًا أبدًا أن تحظى بجائزة نوبل للآداب 2026 كاتبة بيضاء من أصول أوروبية، فالنهج الاستعماري لم ينتهِ أو يندثر بعد، بل هو في أوجه، ممثلًا بصراع الشرق والغرب. وما القول بما بعد الكولونيالية ونهاية الحقبة الاستعمارية سوى مسميات مفكرين وفلاسفة يتطلعون إلى تغيير العالم من وجهات نظرهم الخاصة. إذ لم تُمنح هذه الجائزة لأي كاتب من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلا لأغراض تخدم النهج الاستعماري وتدعمه. عربيًا، يمكننا أن نضع لأنفسنا جائزة عالمية، إذ لسنا بحاجة لأن نأخذ المعايير من العنصر الأبيض، وإنما المهم أن يعرف العالم أجمع ما وصل إليه الأدب العربي خلال العقود المنصرمة من تقدم وتطور. إذ ما من شك في أن لدينا من الكتّاب والمفكرين والمبدعين الكثير الكثير، ومن المخجل أن تتردد المؤسسات الثقافية الحكومية وغير الحكومية في العمل على مثل هذا المشروع، لما فيه من خدمة جليلة للثقافة العربية التي هي من أعرق الثقافات العالمية.
ومن الأسماء التي أرشحها لهذه الجائزة، الشاعر أدونيس، الكاتب سهيل إدريس، الروائي والناقد نبيل سليمان، الناقد إبراهيم السعافين، الشاعر كاظم الحجاج، الشاعرة بشرى البستاني، الشاعر والناقد منصف الوهايبي، الشاعرة سعدية المفرح، الروائي واسيني الأعرج، الناقد كمال أبو ديب، والقائمة تطول فيمن خدموا الأدب العربي وأثروا الثقافة العربية بما هو جديد ومتجدد. هؤلاء هم الذين نفخر بهم وبأن الأمة العربية أنجبتهم، وليس الفخر بالجوائز المسيّسة التي تخدم أجندات وتتحكم بها أيديولوجيات تصب في صالح الغرب الاستعماري. ولا يفوتني أن أذكر أن جوائزنا الأدبية هي الأخرى لا تخلو من مثل هذه الأجندات، ومن ثم لا يُعتدّ بها في تقييم الأدب العربي وتحديد طبيعة التطورات والتحولات التي طرأت عليه خلال العقود الأخيرة.
أحمد الخميسي- قاص وأكاديمي (مصر):
جائزة الإبداع الحقيقية هي تأثيره في النفوس
جائزة نوبل في الآداب هي مزيج من الرؤية والموقف السياسي ثم الأدب بحد ذاته. لذلك رأينا أسماء حصلت على تلك الجائزة وهي لا تستحقها أصلًا وقد بدأت الجائزة منذ ظهورها بالموقف السياسي عندما كان الأديب الروسي الكبير ليف تولستوي حيًا ولم ينل الجائزة وأعطيت لشاعر عديم القيمة تقريبًا لا يذكر أحد اسمه الآن. بطبيعة الحال لدينا أدباء عرب يستحقون الجائزة، في سورية هناك حنا مينة، وفي السودان الطيب صالح، وفي مصر أدباء يستحقونها عن جدارة غير نجيب محفوظ، إلا أن علينا أن ندرك أن الجائزة لا تعطى للأدب وحده بشكل خالص ولذلك سنرى أن عددًا كبيرًا من المبدعين العظماء في أفريقيا وآسيا لم يحصلوا على تلك الجائزة بسبب مواقفهم السياسية التي تتعارض مع مواقف جائزة نوبل، وهذا أمر مفهوم، إذ لا تخلو جائزة من وجود موقف سياسي يعزّز منحها لهذا الأديب دون غيره. المشكلة أيضًا تكمن في سيطرة اللغات الأوروبية على حركة الأدب العالمي وعلى الترجمة. ولا شكّ في أن أديبًا يكتب بالإنكليزية سيكون أقرب إلى الجائزة من كاتب صومالي على سبيل المثال. من ناحية أخرى، فإننا نبالغ في قيمة الجائزة وأهميتها ونظل نغلق أعيننا عليها وعلى من حصلوا عليها وحينما نفتش في قائمة من حازوا على الجائزة سنجد أسماء لا علاقة لها بالأدب أحيانًا، منها أديب إسرائيلي لم يكن في روايته شيء سوى كراهية العرب. والواضح أن علينا أن نقلل من اهتمامنا أو تضخيمنا لحجم الجائزة ودورها وأن نواصل الإبداع وجائزته الحقيقية هي تأثيره في النفوس.
| نوفل نيّوف – رلى الجردي |
رلى الجردي- روائية وشاعرة وأكاديمية (لبنان/ كندا):
انعدام المساواة مع المرشّحين الأوروبيّين والأميركيّين مسألة بنيوية واضحة
إذا نظرنا جيّدًا في طبيعة اللّجنة، موقعها الجغرافي- الثقافي وآليّة اختيار المرشّحين للجائزة، نرى أنّ النتائج نادرًا ما تصبّ في مصلحة مبدعي ومبدعات بلدان الجنوب العالمي وليس العالم العربيّ فقط، وذلك لأسباب عديدة. تبدأ عمليّة الاختيار بالتوجّه إلى الهيئات والجمعيات الأدبيّة والشعريّة الرسميّة البارزة في العالم العربي، وهذه تمثّل عادة جهات حكوميّة رسميّة أو غربيّة وتلقى الدعم المادي والمعنوي منها. لكنّ الموقف الأخلاقي والإنساني والوطني، الذي قلّما تأخذه لجنة جائزة النوبل بعين الاعتبار، حدا بكثير من الكتّاب إلى مقاطعة مثل هذه الجمعيّات والمؤسسات (ومنها مؤسسة جائزة الرواية العربيّة في دبيّ بسبب التطبيع مع إسرائيل). هناك أيضًا شِلل أدبيّة مستقلّة تقدّم نفسها على أنّها سدنة الأدب وتكرّم من يوافق على توجّهاتها، فتبقى هياكل مغلقة ليس فيها آلية نقد حقيقيّة. وبالمقابل فإنّ قلّة من المبدعات والمبدعين في العالم العربي استطاعوا أن يقدّموا نقدًا عميقًا، ما بعد حداثويّ، متحيّزًا للقيم الإنسانيّة الشاملة، ولكن قلّما تُسأل هذه القلّة المهمّة عن رأيها أو يُطلب منها ترشيح أسماء لهذه الجائزة. السؤال الذي يطرح نفسه: هل استطاع أعضاء لجنة الجائزة تأمين دقّة التقييم والنقد والمراجعة فيما يخصّ الترشيحات؟
نعرف أن اللّجنة في السويد تتوجّه أيضًا إلى أساتذة جامعيّين لأخذ ترشيحاتهم، وهنا نسأل كيف يتم اختيارهم؟ من هم؟ إذا تمّت العمليّة بشفافيّة وديمقراطيّة هناك أمل أكبر بصوابيّة هذه الترشيحات. لكن هذا لا يعني أنّ الذين يتمّ ترشيحهم سينتقلون إلى اللائحة القصيرة، فانعدام المساواة مع المرشّحين الأوروبيّين والأميركيّين مسألة بنيوية واضحة.
هذه السّنة حازت الكاتبة والشاعرة الأميركيّة آن كارسون على الجائزة وهي أهل لها، لكن غيرها أيضًا يستحقّها ورُبّما لم يُرشّح. قرأتُ كتاب كارسون، “سيرة ذاتيّة للأحمر” (1998)، حيث حاكت من خيوط التراث الإغريقي الأسطوريّ رواية شعرية معاصرة. أرادت لجنة الجائزة أن تكرّمها على تطوير التراث، مضمونًا وشكلًا، وتخطّيها للتجنيس الأدبيّ. من حيث المضمون، تتحوّل أسطورة هيركليس في رواية كارسون إلى سرديّة الرّغبة والألم في علاقة حبّ مثليّة. تُفرغ كارسون الصّراع من محتواه الكولونيالي الكلاسيكيّ، إذ تقدّم هيركليس لا كمستعمر يسرق ماشية غيريون القيّمة المطليّة باللّون الأحمر، بل كرجل أناني يسلب قلب غيريون ويخيّب آماله. في هذه الرّمزيّة، تتغيّر ذات غيريون وهويّته من خلال الاحتلال العاطفي والجسدي (لا احتلال الموارد) الذي يقوم به هيركليس. رغم أهميّة العمل، أشار بعض النقّاد إلى تفكّك السّرد في بعض المقاطع، والتصنّع من خلال إقحام كارسون لتعابير كلاسيكيّة قديمة ومفردات أكاديميّة نخبويّة في الرواية ما يجعل جمهورها الأساسيّ من الأكاديميّين.
ما أحاول أن أقوله هنا هو أنّ كارسون قدّمت نتاجًا أدبيًّا شعريًّا يستحق الجائزة رغم هذه الملاحظات. ولكن غيرها أيضًا يستحق الجائزة خارج وداخل كندا مثل ديون براند، إحدى أهم شاعرات كندا، المولودة في ترينيداد-توباغو، والتي قدّمت أعمالًا باهرة. في العالم العربي، من المغرب إلى المشرق، هناك أيضًا الجديرون والجديرات بهذه الجائزة.
في سنة 2016 حين اختير بوب ديلان لجائزة نوبل للأدب استأت من هذا الاختيار ومن الأسباب التي قدّمتها اللجنة. كنت أفكّر بزياد الرّحباني الذي قدّم كتابة وشعرًا ومسرحًا وموسيقى ما هو أهمّ وأعمق وأبعد أثرًا ممّا قدّمه ديلان. لكن، من هي الجهات والهيئات الرسميّة التي سترشّح فنّانًا وكاتبًا شيوعيًّا مثل زياد، وداعمًا للمقاومة العلمانيّة والدينيّة ضدّ إسرائيل؟ بالنّسبة إلى بوب ديلان، لم تأبه اللّجنة إلى دعمه الأعمى للكيان الصهيوني ورفضه لنداء المجتمع المدني الفلسطينيّ بالمقاطعة، إذ بدت إسرائيل له دولة صغيرة حسنة تستحقّ الحياة والحماية ضدّ جيرانها المعتدين. هذا ما عبّر عنه في أغنيته “بلطجيّ الحارة” الذي صدر في ألبوم سنة 1983. يبدو أنّنا نحن والفلسطينيّون هم “بلطجيّة” الحارة. لنتذكّر أنّ الألبوم صدر بعد سنة أو أقل من اجتياح إسرائيل للبنان، وقتلها لآلاف الفلسطينيين واللبنانيّين ثمّ ارتكابها مجزرة صبرا وشاتيلا.
الخلاصة، إنّ المبدعات والمبدعون سيصدرون أعمالهم إلى النّور مع ودون الجوائز التي تمنحها هيئات تعكس مفاهيم التفوّق وآليات النقد الغربيّة وسياساتها الليبراليّة.
نوفل نيّوف – مترجم وأديب وأكاديمي (سورية):
انحياز أيديولوجي سياسي قويّ وهيمنة أوروبية واضحة لثقافة الغرب ودول الشمال
يظل تحكيم جائزة نوبل في الأدب موضع سؤال قديم/ جديد مستمر عامًا بعد عام. سؤال لا يقلق العرب وحدهم، طبعًا! فلم تعد “الأعذار” البالية مقبولة أو تستر عريًا، باللجوء إلى: عائق اللغة، وضعف حركة الترجمة، والفارق الثقافي/ الحضاري ومعايير الحداثة في الغرب ودول الجنوب عمومًا… فمنذ تأسيس الجائزة عام 1901، يطغى على الموضوعية مزاج أعضاء اللجنة السويدية السياسي والشخصي، الضيّق الصريح، ونتج عن ذلك ما سُمّي بـ”مقبرة المنسيّين” للعبقريات الأدبية الأصيلة، عندما راحت الجائزة تُمنح لكتّاب لم يعد يذكرهم اليوم أحد، أمثال: سولي برودوم (أول من فاز بها)، أو رودولف أوكن، أو بول هايسه. بينما تجاهلت لجنة التحكيم السويدية عبقريات أدبية عظيمة: ليف تولستوي، هنريك إبسن، فرانز كافكا، جيمس جويس، خورخي بورخيس… إلخ. هناك دراسات أكاديمية تاريخية وإحصائية تبيّن أن أكثر من نصف الفائزين بجائزة نوبل قد طواهم النسيان “وسقطوا من الذاكرة الأدبية الحية”.
خلال 125 سنة من عمر جائزة نوبل، فاز بها عن جدارة كاتب عربي وحيد هو المصري نجيب محفوظ عام 1988. طبيعي ألا يكون المعيار في منح هذه الجائزة قوميًّا أو عرقيًّا أو دينيًّا… غير أن ثلاثة أدباء مصريين تنويريين مرموقين، قبل نجيب محفوظ، هم طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي، مثلًا، لم تلتفت إليهم اللجنة السويدية. مثلما لم تلتفت حتى إلى أدباء عرب كبار، أشهرهم، على سبيل المثال، ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران (كان يحمل الجنسية الأميركية)، والجزائريون الفرانكوفونيون محمد ديب ومالك حداد وآسيا جبار…
لقد اتخذ تاريخ جائزة نوبل صفة تفضيل وترجيح ظالمة تبلورت في شكل انحياز أيديولوجي سياسي قويّ/ هيمنة أوروبية واضحة لثقافة الغرب ودول الشمال على حساب الأدب والثقافة في دول الجنوب العالمي… لعل أوضح صور ذلك الانحياز تتجلّى في الموقف من كوكبة نجومها من أبرز الأعلام في سماء الأدب العالمي والروسي في القرن العشرين، سواء قبل ثورة 1917 الشيوعية أم بعدها: ليف تولستوي، أنطون تشيخوف، مكسيم غوركي، ليونيد أندرييف، ألكساندر بلوك، نيكولاي غوميليوف، أندريه بيلي، ميخائيل بولغاكوف، أندريه بلاطونوف وفالنتين راسبوتين… وحتى فوز أربعة من الأدباء الروس (إيفان بونين، بوريس باسترناك، ميخائيل شولوخوف وألكساندر سولجينيتسين) بجائزة نوبل كان، من وجهة نظر اللجنة السويدية، موظفًا لغايات سياسية تصب في مصلحة أيديولوجيا الغرب حينها، وإن كان ذلك التوظيف لا ينقص من القيمة الفنية المتفاوتة لتلك الأعمال الأدبية الفائزة بنوبل. مؤسف أن هذا التدخّل السياسي يتعدّى أحيانًا، حتى اليوم، حدود المنطق والمسموح، كأن تذهب جائزة نوبل 2015، مثلًا، إلى الصحافية البيلوروسية سفيتلانا أليكسيفيتش، مع كل احترام لها وتقدير، في حياة مواطنها الكاتب الكبير فاسيلي بيلوف، أو الروسي فالنتين راسبوتين (الثلاثة يكتبون بالروسية).
أبعدوا السياسة والسياسيين عن جائزة نوبل!
| دلال جويد – عبد الهادي السعيد |
عبد الهادي السعيد – شاعر (المغرب):
أربعة مقابل واحد – متلازمة ستوكهولم الثانية
لقد ابتكرنا، نحن العرب، “متلازمة ستوكهولم الثانية”. كلما تجاهلتنا الجائزة، ازددنا تعلقًا بها. نحتج على أحكامها في أكتوبر/ تشرين الأول، ونعود في أكتوبر الموالي لنلتمس منها حكمًا جديدًا. رهائن بلا خاطف، وسجناء بلا سجن، نتولى بأنفسنا تجديد اعتقالنا كل سنة، إذ نتوجه إلى ستوكهولم بخيالنا، ونعود منها بخيبة جديدة، ثم نبدأ الاستعداد لرحلة العام الجديد.
وللمصادفة طرافتها: ففي العام الذي شهدت فيه العاصمة السويدية حادثة احتجاز الرهائن الشهيرة، كان طه حسين في ملفات النوبل، باقتراح من إبراهيم مدكور، أمين عام مجمع اللغة العربية في القاهرة آنذاك. ولم يفز عميد الأدب العربي بالجائزة، ثم رحل في ذلك العام، شهرين بعد واقعة الخطف، وأيامًا بعد إعلان النتائج، وكأن ستوكهولم قررت في ذات الوقت أن تمنح العالم متلازمة نفسية، والأدب العربي سببًا وجيهًا للإصابة بها.
في أيلول/ سبتمبر 2011، حددت شركة المراهنات البريطانية “لادبروكس” حظوظ أدونيس في الفوز بالجائزة بأربعة لصالحه مقابل واحد لصالح توماس ترانسترومر، واضعة إياه على رأس القائمة. لكن الجائزة ذهبت إلى الشاعر السويدي، وهكذا خسر أدونيس الجائزة وربح المراهنون الذين لم يراهنوا عليه.
في نظري، لا ينبغي أن ننشغل طويلًا بما تفعله أكاديمية ستوكهولم بأدبنا. السؤال الأجدى والأكثر إلحاحًا وإحراجًا كذلك هو ما نفعله نحن بهذا الأدب قبل أن يصل إليها. الطريق إلى ستوكهولم يمر بمحطات شتى: ترجمة ونشر ونقد وجامعات وشبكات ثقافية تعمل لسنوات طويلة من أجل تقديم الكاتب إلى قارئ عالمي. أما نحن، فكثيرًا ما نبدأ حملتنا حين تعلن الشركة البريطانية أسعار المراهنات، وننهيها حين تعلن الأكاديمية اسم الفائز. وبين الإعلانين، نكون قد منحنا الجائزة من الاهتمام ما لم نمنحه للكتاب أنفسهم.
لقد أخذنا علمًا بهوية من اقترح طه حسين للنوبل أكثر من مرة، عندما رُفعت السرية تواليًا عن وثائق كل دورة بعد مرور خمسين عامًا عن تاريخها. أما من رشح أدونيس أو لم يرشحه، فسنعرف ذلك بحدود 2062…
إلى ذلك الحين، علينا أن نتحرر من أسر مؤسسة لم تأسرنا، فالأكاديمية السويدية لم تحتجز أدبنا، ولم تمنعنا من قراءته أو تقديره أو تقديمه إلى العالم. وهي أيضًا لم تحتجزه بالمعنى الحرفي للكلمة: لنتذكر ما روته سلمى الخضراء الجيوسي في زيارتها لستوكهولم في ثمانينيات القرن الماضي: لم تكن مكتبة الأكاديمية السويدية تتوفر سوى على أربعة كتب عربية صغيرة، مترجمة إلى الإنكليزية!
دلال جويد- شاعرة وكاتبة (العراق/ بريطانيا):
الأدب العربي يواجه فجوة كبيرة في الانتشار الدولي
أعتقد أنّ نوبل ليست مقياسًا وحيدًا للأدب وأحيانًا ليست مقياسًا محايدًا للإبداع، فالحصول على نوبل يتطلب ما هو أكثر من الإبداع، لأننا نعرف أن الكاتب لا يصل إلى نوبل بموهبته وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى أن تترجم أعماله، وأن تقرأ نقديًا، وأن تدخل في حوار مع ثقافات أخرى. والأدب العربي يواجه فجوة كبيرة في الانتشار الدولي، مقارنة بالأدب المكتوب بالإنكليزية والفرنسية والألمانية. وقد أقرت مؤسسة نوبل نفسها، في استعراض تاريخي للجائزة، بصعوبة تقييم الأدب المكتوب بلغات غير أوروبية. وبرأيي أن الثقافة العربية أنجبت أدباء يستحقون نوبل، وأن موضع الإشكال هو العلاقة بين منجزنا الأدبي والعالم الذي يمنح الاعتراف. فقد قدّم الأدب العربي الحديث، في الشعر والرواية والقصة، تجارب عميقة ومغايرة، جريئة فنيًا، قادرة على تجديد اللغة وتوسيع أفق الرؤية، وهي جديرة بمكانها في المشهد الأدبي الإنساني.
وحضور الكاتب خارج لغته تصنعه منظومة كاملة: الترجمة والنشر والتوزيع والنقد، ومؤسسات ثقافية تعرف كيف تقدّم آدابها إلى القارئ العالمي. ولنا في هذه المنظومة نصيب من المسؤولية، يظهر في ضعف مؤسساتنا الثقافية، وفي ترجمات لا ترقى إلى أدبنا، وفي العداء القائم بين أدبائنا لأسباب أيديولوجية وأحيانًا نفسية أو اجتماعية، فكم رأينا من الشماتة بأدونيس لعدم فوزه بالجائزة وكذلك في عادتنا القديمة في الاحتفاء بالكاتب بعد أن يكتشفه الآخرون، فنحن في الغالب لا نعرف بعضنا ولا نقرأ لبعضنا.
فعلى سبيل المثال يحضرني في الأدب العراقي محمد خضير، الذي أعاد بناء البصرة باللغة والذاكرة والتخييل، وجعل القصة شكلًا فنيًا ومعرفيًا يتجاوز حكاية الأحداث. وأذكره لأن تجارب كبيرة مثل تجربته تستحق قراءة عالمية أوسع، نالت الجوائز أم لم تنلها.
ويبقى فوز نجيب محفوظ عام 1988 اعترافًا مهمًا بالأدب العربي، أما غياب الجائزة عن غيره فلا أجد ما يثبت أنه مؤامرة أو انحياز متعمد، وأرى أن تفسيره في وقائع الترجمة والنشر والتلقي.
والسؤال الأجدر بالطرح: كيف يصل أدبنا إلى العالم بالحجم الذي يستحقه؟ فأدبنا العظيم يثبت نفسه بنصوصه، وما يحتاجه أن يُقرأ في العالم، وأن يحاور آداب الآخرين حوارًا متكافئًا.
| راضية الشهايبي – روضة الحاج |
روضة الحاج- شاعرة وكاتبة (السودان):
قبل أن نسأل نوبل، علينا أن نسأل أنفسنا
في بالي الكثير من الأسماء العربية التي تستحق نوبل، إذ لا أعتقد أن الثقافة العربية عاجزة عن إنجاب أدباء يستحقونها، بقدر ما أعتقد أن المجتمع الأدبي العربي يجب أن يمتلك القوة الكافية لفرض حضوره وتأثيره في النظرة العالمية إلى أدبه. ففي زمن تتعاظم فيه قوة المجتمعات المدنية، تبرز أهمية أن يكون للأدب أيضًا مجتمعٌ متماسك، قادر على بناء مرجعياته، وتقديم مبدعيه، والتأثير في دوائر الاعتراف والجوائز الكبرى.
لكن هذه القوة لن تُبنى إذا ظل المجتمع الأدبي العربي أسيرًا لتصنيفاته السياسية والدينية والفكرية؛ فالانتماءات تتقدم أحيانًا على القيمة الإبداعية ذاتها. إذ كثيرًا ما تؤثر في التوصيات والتحكيم والتلقي، فتضعف استقلالية الحكم الأدبي، وتُبقي الاعتراف محكومًا باعتبارات تتجاوز النص نفسه. وهذه ليست مشكلة عربية حصرًا، لكنها تصبح أكثر إعاقة حين يكون المجتمع الأدبي مشتتًا وعاجزًا عن بناء قوة ثقافية مشتركة مؤثرة.
إن الأدب العربي لن يكتسب موقعًا عالميًا أكثر رسوخًا ما لم يتسامَ أدباؤه ونقاده ومؤسساته على هذه الانقسامات، ويحتكموا، في المقام الأول، إلى القيمة الفنية والابتكار والقدرة على إثراء التجربة الإنسانية.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية الترجمة كعنصر رئيس فنحن بحاجة إلى حركة ترجمة جادة ومنتظمة، وإلى حضور نقدي وتراكمي في الفضاء الثقافي العالمي وبحاجة للحضور في المحافل الدولية وبناء شبكات النشر والتواصل الثقافي فكلها شروط أساسية لوصول أدبنا إلى العالم. لكنني أعتقد أن الحلقة الأضعف تظل في قدرتنا على بناء مجتمع أدبي يحتكم إلى الأدب أولًا، ويجعل من قيمته الفنية معيارًا لا تزاحمه الولاءات والتصنيفات. فقبل أن نسأل لماذا لا تمنحنا نوبل اعترافًا أوسع، علينا أن نسأل: هل منحنا أدبنا، داخل فضائنا الثقافي، الاستقلال والإنصاف اللذين نطالب العالم بهما؟
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحوّل نوبل إلى محكمة نهائية لقيمة الأدب، أو أن نجعل غيابها دليلًا على غياب الاستحقاق. فالجائزة، على أهميتها، تظل اختيارًا تحكمه اعتبارات أدبية ومؤسسية وتاريخية وتحيزات أيضًا ولا يمكنها أن تختزل خريطة الإبداع العالمي كلها.
راضية الشهايبي- شاعرة وروائية (تونس):
كلما سطع نجم أدبي في مجتمعنا قزّمناه وشكّكنا في كفاءته
أولًا، العرب مهتمون بترجمة الأدب الأجنبي إلى العربية أكثر من اهتمامهم بترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية وإن اهتم البعض أو مؤسسات الترجمة بالأدب العربي وترجمته للغات أخرى فهي لا تحسن تسويقه. وطبعًا آخر اهتماماتهم ترجمة الشعر العربي وتسويقه بدعوى أن الزمن هو زمن الرواية وها إننا نرى جائزة نوبل تعطى لشاعرة.
ثانيًا، قد يكون الإشكال سياسيًا ولو أني أتمنى أن تحيد كل اللجان عن أي اتجاهات سياسية أو دينية أو عرقية.
ثالثًا، المجتمع العربي ما زال يعاني من عقلية مرضية داؤها الغيرة والعرقلة لذلك كلما سطع نجم أدبي شعرًا أو رواية قزّموه وشككوا في كفاءته.
لذلك لا نشتغل على أسماء مُستحَقة ونساعدها كي تبرز وتترشح لمثل هذه الجوائز.
| سرجون كرم |
سرجون كرم- شاعر وأكاديمي (لبنان/ ألمانيا):
شريحة واسعة من الوسط الأدبيّ تسعى لربط نفسها بالمركزيّة الأوروبيّة
لا بدّ من الإشارة أوّلًا إلى ظاهرة مثيرة للانتباه تسبق الإعلان عن جائزة نوبل للآداب كلّ عام، ألا وهي أنّ العالم العربيّ يبدو موحّدًا في التوقّع والانتظار، كما يبدو موحّدًا في تحويل عدم منح الجائزة لأديب عربيّ إلى حدث شبه سياسيّ. طبعًا، ينبغي أن يستند التوقّع الإيجابيّ إلى مجهود أدبيّ يعتبره الوسط الثقافيّ جديرًا بالتقدير والاعتراف.
والنقطة الثانية أنّ العالم العربيّ حظي عام 1988 بجائزة نوبل، التي مُنحت للأديب المصريّ نجيب محفوظ، في حين أنّ هناك دولًا أخرى ذات تعداد سكّانيّ كبير، وتجارب اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة لافتة، لم ينل أيّ من أدبائها هذه الجائزة حتى الآن، ومنها البرازيل والأرجنتين وإندونيسيا وباكستان وفيتنام وإيران. ومع ذلك، يبدو أنّ العالم العربيّ يتوحّد كلّ عام في إعلان المظلوميّة، طارحًا السؤال على الآخرين: لماذا لا يحظى الأدب العربيّ بالاهتمام والتقدير على المستوى العالميّ؟ وأعتقد أنّ الوسط الثقافيّ العربيّ ينبغي أن يطرح هذا السؤال على نفسه أوّلًا.
إنّ المقالات والتعليقات التي كُتبت في هذا الموضوع تُعدّ بالآلاف، ويتمحور معظمها حول فكرة أنّ آثار الاستعمار في إنتاج المعرفة وتحديد معايير الاعتراف الثقافيّ ليست مجرّد فرضيّة. فبعضها يتّهم اللجنة المانحة بالتحيّز للأدب الأوروبيّ والأميركيّ، ومنها ما يُرجع الأسباب إلى نقص ترجمة الأعمال الأدبيّة، أو تقاعس دور النشر العالميّة عن تسويقها، أو تقاعس المؤسّسات الثقافيّة العربيّة عن أداء دورها، أو إلى الأوضاع المتأزّمة في العالم العربيّ، وما تتركه من أثر في حياة الكتّاب وأعمالهم. وربّما تسهم هذه الأسباب مجتمعةً في تفسير جانب من المشكلة. لكنّ هناك نقطة مهمّة لا يطرحها الوسط الثقافيّ العربيّ على نفسه بالقدر الكافي.
فلو ألقينا نظرة على الموضوعات التي تناولها كتّاب حصلوا على الجائزة في السنوات الأخيرة، لوجدنا من بينها التاريخ والذاكرة الفرديّة والجمعيّة، والاستعمار والمنفى، وهشاشة الإنسان، واللغة والابتكار الفنّيّ، إلى جانب موضوعات أخرى تتعلّق بالتجربة الإنسانيّة والتحوّلات الاجتماعيّة. وسيأتي من يقول إنّ في العالم العربيّ كاتبات وكتّابًا، وشاعرات وشعراء، يعالجون هذه الموضوعات أيضًا. وإذا بحثنا عن الأسماء التي تتكرّر في هذا السياق، وجدنا أنّها تكاد تكون واحدة في معظم اللوائح التي تنشرها وسائل الإعلام العربيّة والغربيّة، وكأنّ هؤلاء يمثّلون وحدهم المشهد الأدبيّ العربيّ. يُضاف إلى ذلك أنّ أعمال عدد منهم مترجمة إلى لغات أجنبيّة، كالإنكليزيّة والفرنسيّة وغيرها، الأمر الذي يجعل من الصعب تفسير غيابهم عن الجائزة بنقص الترجمة وحده.
عندما منحت الأكاديميّة السويديّة جائزة نوبل للأديب التنزانيّ عبد الرزّاق قرنح عام 2021، برّرت قرارها بقدرته على التوغّل المتعاطف الذي لا يساوم في آثار الاستعمار ومصير اللاجئ في الفجوة بين الثقافات والقارّات، أو بـ”اختراقه الصادق والرحيم لآثار الاستعمار…”، حسب بعض الترجمات العربية لنشرة الأكاديميّة السويديّة. وعليه، أطرح سؤالًا قد يبدو قاسيًا: هل ينقص بعض الأعمال العربيّة التي تتكرّر أسماؤها في قوائم المرشّحين شيء من الصدق؟ أعني بذلك أنّ الكاتب قد يكتب وقلمه على الورقة، لكنّ عينه على الغرب، وعلى ما يتوقّع أن يلقى لديه اهتمامًا واعترافًا. فليس كافيًا أن يتابع الأديب الأخبار الثقافيّة الغربيّة، ويقرأ عن موجاتها الاجتماعيّة وأسئلتها، ثمّ ينقل هذه الموضوعات إلى قصائده ورواياته. كما أنّ معالجة موضوع عربيّ لا تضمن وحدها أصالة النصّ إذا ظلّت أدواته ورؤيته خاضعتين لنموذج مستعار لم يُعَد تشكيله من داخل التجربة التي يكتب عنها.
ولا يخفى أنّ عددًا من الكتّاب العرب، وربّما شريحة واسعة من الوسط الأدبيّ، يسعى إلى ربط نفسه بالمركزيّة الأوروبيّة بطرق مختلفة، وهذا حقّهم بالطبع. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ هذه المركزيّة لا تكتفي بتحديد ما يُقرأ ويُترجم، بل تسهم أيضًا في تحديد المصطلحات والمعايير التي يُعرَّف الأدب من خلالها، ثمّ تُنقل هذه المعايير إلى ثقافات أخرى. وقد تستطيع، في بعض الحالات، أن تصنع صورة لكاتب عربيّ أو غير عربيّ تتوافق مع تصوّراتها، ثمّ تعيده إلى مجتمعه محاطًا بامتيازات الاعتراف الغربيّ، ليتحدّث إلى أبناء ثقافته من موقع يكاد يشبه موقع المستشرق. وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا يُمنح الاعتراف الغربيّ لكاتب يُقدَّم بوصفه بديلًا عن تجربة غربيّة، ما دام الأدب الغربيّ نفسه قادرًا على التعبير عن تلك التجربة؟ وبعبارة أخرى، لماذا يُحتفى بالبديل، إذا كان الأصل موجودًا؟
ولا أعرف كيف ستكون ردّة فعل الساحة الثقافيّة العربيّة لو مُنحت جائزة نوبل لأديب سودانيّ أسود البشرة. هل ستحتفي به بوصفه انتصارًا للأدب العربيّ أو الأفريقيّ، أم ستجد نفسها مضطرّة إلى إعادة النظر في تصوّراتها عن هويّة الأدب العربيّ وحدوده، وعن العلاقة بين الانتماء الثقافيّ والاعتراف العالميّ؟ إنّ هذا السؤال لا يتعلّق بأصل الكاتب أو لون بشرته في حدّ ذاتهما، بل بما تكشفه ردود الفعل المحتملة عن تصوّراتنا للهوية الثقافيّة، وعن الحدود التي نرسمها، أحيانًا من دون وعي، لما نعدّه أدبًا عربيًّا جديرًا بالتمثيل والاعتراف.
ومن هنا يبرز سؤال أوسع: إلى أيّ حدّ يستطيع الكاتب أن يحتفظ باستقلال تجربته حين يصبح الاعتراف الخارجيّ جزءًا من تصوّره عن ذاته وعن موقعه الأدبيّ؟ فهل تعبّر الحداثة الشعريّة العربيّة عن أصالة التجربة العربيّة، رغم استناد بعض مبادئها إلى نماذج غربيّة؟ وهل تُتّخذ مهاجمة التراث العربيّ أحيانًا وسيلةً لإثبات الحداثة أمام مؤسّسات الاعتراف الغربيّ، أم أنّها نابعة من مراجعة فكريّة وجماليّة حقيقيّة؟ إنّ السؤال ليس في الاقتباس من الغرب بحدّ ذاته، بل في طبيعة هذا الاقتباس وفي الطريقة التي يتحوّل بها إلى جزء من التجربة الأدبيّة.
وفي هذا السياق، يمكن التوقّف عند بعض التحوّلات الحادّة في مواقف الكتّاب، حين تنتقل مواقفهم من ضفّة فكريّة إلى أخرى، ثمّ يُعاد تقديم هذه التحوّلات بوصفها دليلًا على حداثتهم أو أصالتهم. ومن الأمثلة التي يمكن طرحها هنا الانتقال من مدح الخميني إلى القول إنّ الشعر الأصيل لا يوجد إلّا في النصوص التي تكتبها النساء. ولا تكمن المسألة في حقّ الكاتب في مراجعة مواقفه، بل في السؤال عمّا إذا كانت هذه المراجعات نابعة من تحوّل فكريّ فعليّ أم أنّها تُقدَّم أحيانًا بما يتوافق مع توقّعات ثقافيّة معيّنة.
وربّما يقول قائل إنّ حصول نجيب محفوظ على الجائزة كان بمثابة جائزة ترضية لمصر بعد معاهدة كامب ديفيد. لكنّ هذا التفسير، مهما راج في بعض الأوساط، لا يغيّر حقيقة أنّ محفوظ ظلّ في كتابته قريبًا من مجتمعه، ومن مشكلاته وتحولاته، وأمينًا لتجربته الروائيّة. لم يكن يكتب من أجل أن يقدّم للغرب صورةً يريد أن يراها عن مصر، بل انطلق من عالمه الاجتماعيّ الذي يعرفه ويعاينه. وهذه، في رأيي، هي النقطة التي تستحقّ التأمّل عند الحديث عن نوبل وعن الأدب العربيّ، بدل الاكتفاء بتكرار السؤال عن سبب عدم فوز كاتب عربيّ آخر.