د. خالد العزي*.المصدر: النهار
في ظل التقارب الأميركي الجديد مع روسيا من جهة، ومع الصين من جهة أخرى، يثير الحديث عن اقتراح روسي لعقد لقاء يجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، على هامش قمة “أبيك” المقررة في الصين في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الدولية واحتمالات بلورة تفاهمات كبرى تتناول الحرب الأوكرانية ونزع السلاح النووي. فمثل هذا اللقاء، إن تحقق، لن يكون مجرد اجتماع بين ثلاث قوى كبرى، بل قد يعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام الدولي، ويطرح تحدياً جديداً أمام أوروبا التي تخشى تراجع دورها في رسم القرارات المصيرية.
ماكرون يدق ناقوس الخطر أمام الأوروبيين
كما يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان محقاً في تحذيره من التقارب المحتمل بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، معتبراً أن أوروبا تواجه مرحلة دقيقة تستدعي إعادة تقييم موقعها وعلاقاتها الدولية. فالمسألة، وفق هذا التصور، لا تتعلق بإمكان إقصاء القارة الأوروبية أو تجاوز قدراتها السياسية والفكرية، بل بمحاولات تهميش دورها أو الضغط عليها لدفعها إلى القبول بترتيبات لا تكون شريكاً أساسياً في صياغتها، بما قد يتيح لهذه القوى تحقيق مصالحها على حساب الآخرين.
ويستند هذا القلق إلى ما يُعرف بـ«تحالف الأضداد»، أو صراع الأضداد، وهو مفهوم فلسفي ديالكتيكي يشير إلى التناقض بين القوى أو الظواهر، وما ينشأ عنه من حركة وتغيير وتطور.
وفي السياق الدولي، يمكن أن تتقاطع مصالح قوى تختلف في أنظمتها وتوجهاتها، لكنها قد تجد في التفاهمات الظرفية وسيلة لتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب أطراف أخرى. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تحذيرات ماكرون في أثينا بوصفها دعوة أوروبية إلى الانتباه لمخاطر إعادة توزيع النفوذ العالمي من دون مشاركة فعلية للقارة، خصوصاً في الملفات التي تتحمل أوروبا جانباً كبيراً من أعبائها السياسية والاقتصادية والأمنية.
إعادة خلط الأوراق في صراع القوى الكبرى
تبرز روسيا في هذه المعادلة بوصفها طرفاً يستخدم أوراق الضغط المتاحة، وفي مقدمتها الطاقة والحرب الأوكرانية، لتعزيز موقعه التفاوضي مع الأوروبيين. فموسكو لا تزال تسعى إلى توسيع هامش تحركها، فيما تتحمل الدول الأوروبية تكاليف متزايدة نتيجة استمرار الحرب ودعم كييف.
على صعيد آخر، تواجه أوروبا تحدياً اقتصادياً مصدره الصين، التي توسع حضورها التجاري والصناعي في الأسواق العالمية، مستفيدة من قدرتها التنافسية وتكاليف الإنتاج المنخفضة، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن مستقبل الصناعات الأوروبية وفرص العمل.
أما الولايات المتحدة في عهد ترامب، فتضيف إلى الضغوط الأوروبية بُعداً سياسياً وأمنياً. ويتعامل الرئيس الأميركي مع التحالفات بمنطق الصفقات وتوزيع الأعباء، ويطالب الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي، فيما يلوّح باستخدام الرسوم الجمركية وسيلةً للضغط التجاري. ويضع هذا النهج الأوروبيين أمام معادلة معقدة: كيف يحافظون على الشراكة الأميركية من دون أن يتحولوا إلى طرف تابع يكتفي بتنفيذ القرارات التي تُصاغ خارج مؤسساتهم؟
وتزداد هذه المعضلة وضوحاً في الملف الأوكراني، الذي يشكل نقطة خلاف بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، ولا سيما باريس وبرلين، اللتين تؤكدان ضرورة استمرار دعم أوكرانيا. فالتقارب الأميركي المحتمل مع موسكو يثير مخاوف أوروبية من التوصل إلى تفاهمات بشأن مستقبل الحرب من دون مشاركة كافية من الدول التي تتحمل تبعاتها المباشرة. وفي الوقت نفسه، لا تبدو كييف مستعدة للتخلي عن خياراتها الأساسية، كما لا تظهر موسكو استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، ما يبقي الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة.
أوروبا أمام اختبار الاستقلالية
في النهاية، تكشف هذه التطورات عن نظام دولي تتقدم فيه المصالح الاستراتيجية وحسابات القوة على اعتبارات التحالف التقليدي. فروسيا والصين تسعيان إلى توسيع نفوذهما، والولايات المتحدة تعمل على إعادة ترتيب أولوياتها، فيما تجد أوروبا نفسها أمام اختبار استقلالية قرارها وقدرتها على التأثير.
وبين منطق الصفقات ومحاولات إعادة توزيع النفوذ، يبقى التحدي الأوروبي الأساسي هو الانتقال من موقع المتأثر بالتفاهمات الدولية إلى موقع الشريك القادر على صياغتها والدفاع عن مصالحه.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية