
قبل أيام أطلق رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي السوري، عمر سامر الحلبي، تعهداً بنقل هذا “الصندوق الأسود” إلى الضوء، بعد نحو سنة من الجدل الناجم عن “العتمة” التي غلّفت عمله. فالسوريون على موعد مع تقييم أولي لأصول الصندوق وموارده وعلاقته بالمالية العامة للدولة، وأطر الحوكمة والرقابة التي تحكمه، ومع مجلس إدارة جديد معلن له، بعد 90 يوماً.
يقدّم تعهد الحلبي وعداً بالإجابة على جانب كبير من الأسئلة التي أثارتها التغطيات والنقاشات الصحافية حول هذه المؤسسة. ويحدد موعداً معلناً يتيح الانتقال بالنقاش من التخمينات إلى التقييم مرفوع الجهالة لمعلومات معلنة. لكن يبقى الحكم على الأفعال، مما يجعل السؤال الأبرز بهذا الخصوص: ما الذي يجب أن تفصح عنه المراجعة التي تعهد بها الحلبي حتى تسمح بحكم منصف على التجربة؟
لكن قبل محاولة الإجابة على هذا السؤال، نحتاج لتوطئة مرتبطة بفرضية طرحها ستيفن هايدمان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية “سميث” بولاية ماساتشوستس، في تصريح لوكالة “رويترز” قبل أكثر من سنة، ومفادها أن فكرة إنشاء صندوق سيادي سوري “سابقة لأوانها”. وهي فرضية تبناها عدد من النشطاء والمراقبين السوريين وبنوا جانباً من انتقاداتهم لتجربة الصندوق السيادي السوري، عليها. وبالقياس إلى تجارب لدول أسست صناديق سيادية في فترات زمنية قريبة من تاريخ استقلالها أو تاريخ خروجها من نزاع، نستطيع القول إن سوريا بعد سقوط الأسد إحدى التجارب الأسرع زمنياً في تأسيس صندوق سيادي -خلال أقل من 7 أشهر- فيما تأتي أقصر مدة زمنية تالية في تجربة تيمور الشرقية بعد استقلالها عن إندونيسيا بثلاث سنوات -عام 2005- لتتراوح المدد الزمنية للتأسيس في بقية التجارب بين 5 إلى 10 سنوات. ومع التحقق من صحة الفرضية من ناحية المقارنة بالتجارب المماثلة، يبقى السؤال: هل إنشاء صندوق سيادي في مرحلة مبكرة من بناء الدولة، إجراء غير سليم؟ بمعنى، أن التقدم زمنياً في بناء الدولة، شرط لتحقيق متطلبات إنشاء صندوق سيادي يحقق الغاية منه؟
بالعودة إلى مبادئ سانتياغو الـ24 التي وُضعت عام 2008 بتيسير من صندوق النقد الدولي، والتي تُعتبر مبادئ وممارسات طوعية صُممت لتنظيم حوكمة صناديق الثروات السيادية وإدارة مخاطرها، لا نجد شرطاً بعدد محدد من السنوات بعد الاستقلال أو انتهاء النزاع يسبق إنشاء صندوق سيادي. فشروط نجاح هذه الصناديق، وفق مبادئ سانتياغو، ترتبط بسلامة الإطار القانوني، ووضوح الأهداف والتمويل، والحوكمة والرقابة وإدارة المخاطر. وهنا ننوه إلى أن الموقع الرسمي للصندوق السيادي السوري يقول إن تجربته مستوحاة من مبادئ سانتياغو.
يحيلنا ما سبق إلى سؤال آخر: متى يكون الصندوق مناسباً لدولة خارجة من نزاع؟ لا نجد في مبادئ سانتياغو شروطاً متعلقة بانتظار اكتمال التعافي قبل إنشاء صندوق سيادي. لكن يمكن التقاط جملة عناصر من تلك المبادئ تتيح الحكم على مدى ملاءمة التجربة لبلد خارج من نزاع. أبرزها: سلامة الأساس القانوني ووضوح الهدف وإعلانه، ومدى الانسجام مع الموازنة العامة واحتياجات التعافي، ووجود مسؤوليات واضحة ورقابة فعلية على القرار، والإفصاح وقياس الأداء، ومقدار توافق سياسة الاستثمار وإدارة المخاطر مع الموارد والقدرة على تحمل الخسائر.
ومن النقاط الملفتة التي تقرّها الوثيقة التمهيدية لمبادئ سانتياغو أن الصناديق حديثة التأسيس قد تحتاج إلى فترة انتقالية مناسبة قبل تطبيق بعض المبادئ، خصوصاً الإفصاح المالي وإدارة المخاطر، من دون تحديد مدة زمنية ثابتة. وهو ما يجعل المرحلة السابقة التي مرّ بها الصندوق السيادي السوري والتي تميزت بعدم الإفصاح، مفهومة في سياق المراحل التأسيسية للصناديق السيادية. ويؤشر تعيين الحلبي وتعهده المعلن مؤخراً إلى أن هذه المرحلة في خواتيمها.
وهو ما يحيلنا إلى السؤال الأهم: ما الذي يجب أن تكشف عنه المراجعة التي أعلنها رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي السوري، كي نتمكن من الحكم بإنصاف على هذه التجربة؟
نبدأ بأصول الصندوق. إذ نحتاج لتفصيل هذه الأصول سواء أكانت شركات أو عقارات أو حصص يديرها الصندوق، والإجابة على الأسئلة المتعلقة بها: كيف انتقلت إليه؟ هل ملكيتها نهائية أم مرتبطة بتسويات ومطالبات لم تُحسم؟
ومن ثم، نحتاج لتقييم يميّز بين قيمة الممتلكات والسيولة المتاحة والالتزامات المترتبة عليها. والأهم، توضيح العلاقة بالموازنة: ماذا تخصص الدولة للصندوق؟ وماذا يعيد إليها؟ هل يقترض أو يقدم ضمانات؟ ومن يتحمل خسائر استثماراته؟
كذلك، نحتاج لتفاصيل عن هيكله الإداري وأسماء صريحة ومعلنة لأعضاء مجلس إدارته وصفاتهم وخلفياتهم المهنية وصلاحياتهم، ولآليات الرقابة على أدائهم ومحاسبتهم.
إن توفرت أجوبة وتفاصيل تملأ فراغ المعلومة في الأسئلة والنقاط سابقة الذكر، يمكن القول إن تعهد الـ90 يوماً الذي أطلقه الحلبي سيكون نقطة بداية معيارية تصلح لتقييم أداء الصندوق والإجابة على السؤال المتعلق بهدفه المعلن وفق الموقع الرسمي له: هل تمكن الصندوق السيادي من أن يكون محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية المستدامة في سوريا؟