«السوق الموازية للمعلومات السياسية» تزدهر في العالم العربي أكثر من أي وقت مضى. المتحدثون الرسميون والقادة والمسؤولون معظمهم لا يتحدثون بما يكفي. وإن تحدّثوا فإنهم يطرحون عبارات إنشائية، ويقدمون مواقف ثابتة ومكرورة. فهم لا يجيبون عن كثير من الأسئلة التي تشغل المجال السياسي، وتحتاج إلى إيضاحات، بل يكتفون بإدارة الغموض بدلاً من إجلائه.
وفي ظل هذا الغموض، وشحّ المعلومات الموثوقة المنسوبة إلى مصادر معنية، وحاجة الجمهور المتزايدة إلى معرفة المواقف والآراء الرسمية، نشأت طبقة واسعة من المتحدثين غير الرسميين؛ سأسمّيهم هنا «العرّافين»؛ وهؤلاء ستجدهم في عدد كبير من الدول العربية، التي تشهد تطورات ساخنة ومتسارعة.
المتحدثون غير الرسميين، أو «العرّافون»، يزدادون باطّراد في السياسة العربية، ويجبرون فجوة المعلومات التي تتسع؛ بعضهم من المسؤولين المتقاعدين، أو القادة السابقين، أو الصحافيين والكُتّاب والإعلاميين «المقربين من دوائر السلطة»، ولذلك أسباب معلومة، وله أيضاً تداعيات سلبية وخطيرة.
لتلك الظاهرة بعدها التاريخي بكل تأكيد؛ فنحن نذكر هذا الصحافي اللامع والكاتب المُتميز، الذي كان مقاله بمنزلة «بيان رسمي»، أو قراءة دقيقة في عقل صانع القرار الأول في بلاده.
ولتلك الظاهرة أيضاً أمثلة في دول أخرى؛ في الصين مثلاً، ستجد رئيس تحرير صحيفة يُنظر إليه كناطق غير رسمي باسم سلطة الحزب الحاكم. وفي روسيا، هناك قادة عسكريون سابقون سيَعدّ الجمهور ما يقولونه إنما يعكس وجهة نظر الكرملين عن تطورات الحرب مع أوكرانيا. وفي إسرائيل، ثمة موقع إخباري، سينظر إليه المحللون بوصفه تعبيراً عن مواقف المؤسسة العسكرية، والأمر نفسه يمتد إلى الولايات المتحدة، حيث تظهر منصة رقمية وكأنها تعلن ما لا تريد الرئاسة أن تعلنه منسوباً إليها.
تلك أمثلة من أمم أخرى، وهي ملحوظة بكل تأكيد، لكنها قليلة ومحدودة الأثر والمهمة، بحيث لا يمكن وصفها بأنها «سوق موازية للمعلومات السياسية»، أما في العالم العربي، فالأمر يأخذ منحىً مختلفاً؛ فجهاز الاتصال السياسي غالباً ما يكتفي بإصدار بيانات مُعلبة ومحفوظة، بعبارات تتم استعارتها عادة من الإفادات الرسمية السابقة، وكأن السياسة صارت بركة راكدة، لا تتحرك فيها المياه، ولا يتغير فيها اتجاه التيار.
سيجد جهاز الاتصال السياسي في بعض الدول العربية الكثير من الذرائع التي تقوده إلى استخدام طبقة «العرّافين» بإسراف؛ فهم – من وجهة نظره – يسدّون قدراً من الفراغ المعلوماتي، ويقدمون إجابات عن أسئلة يفور بها الشارع، ويمكّنونه من ممارسة «الإنكار الإيجابي» في حال الحاجة لذلك، ويمنحونه فرصة إطلاق «بالونات الاختبار»، من دون تكلفة أو خوف من المساءلة.
«العرّافون» أيضاً لديهم ذرائعهم. فهم يقومون بدور في تفسير الأحداث، وإزالة الغموض، وتلبية حاجة الجمهور إلى المعرفة، ويعالجون آثار التحفظ الرسمي، ويراكمون الثقة في أدوارهم، ويستفيدون من قربهم من صُناع القرار، لـ«خدمة السياسة الوطنية»، أو إيصال الرسائل إلى الأطراف المعنية، من دون أعباء على السلطة الرسمية.
والجمهور بدوره ليس لديه الكثير من الخيارات، فالوقائع مُتسارعة ومُعقدة، واليقين غائب، والقدرة على اتخاذ القرارات الفردية والجماعية محدودة، والأسئلة كثيرة، وجهاز الاتصال الحكومي لا يلبي بالقدر الكافي، فليس هناك مفر من اللجوء إلى ما يقوله «العرّافون».
والإعلام، بشقيه «التقليدي» و«الجديد»، معذور طبعاً في استثماره لظاهرة «العرّافين». ولم لا؟ لا توجد معلومات كافية، وردود المصادر الرسمية شحيحة، والتفسيرات المُشبعة نادرة، بينما الجمهور لا يتوقف عن السؤال. وهنا ستعمد الاستوديوهات التحليلية في التليفزيون الإخباري إلى استضافة «العرّافين»، وإفساح المجال لما يصدر عنهم، ثم اعتماده كمرجعيات في فهم الأحداث والمواقف. الصحف أيضاً ستفعل ذلك، ومعها المنصات الإلكترونية، ومواقع «التواصل الاجتماعي»، وتلك الأخيرة ستستثمر دينامياتها الفائقة في تعميم الرسائل، وتأجيج التفاعل معها، قبل أن يضيف إليها المستخدمون تأطيراً وسياقات، ومنتجات مرئية، ولقطات أرشيفية، وبعض الأوهام من صنع الذكاء الاصطناعي، بما يُضاعف أثرها، ويُكرس أهميتها، لترقى إلى مراتب الحقائق.
وستتجمع تلك التفاعلات كلها لتخلق مشهداً من التحفظ الرسمي في مقابل اليقين غير الرسمي؛ وهو الأمر الذي سيُضعف القيمة المؤسسية للخطاب السياسي، وسيكشف التحول الجوهري في طبيعة السلطة الإعلامية.
الجميع في هذا التحول التاريخي في السلطة الإعلامية لديهم ذرائعهم إذن، لكن مع ذلك فإن المخاطر ستظل كبيرة؛ إذ ستتآكل المساءلة الضرورية للمسؤول، وسيتفاقم ضعف جهاز الاتصال الحكومي، وستقع أزمات الفهم الخاطئ، وما يترتب عليه من مواقف غير مدروسة أحياناً. وأخيراً وليس آخراً، فإن بعض «العرّافين» سيتحولون إلى فاعلين سياسيين مستقلين، وقادة اعتباريين، ونحن لن نعرف لاحقاً كيف سنتعامل معهم… عرّافون أم مسؤولون بلا مناصب؟
