ملخص
ما الذي يتبقى من الحب حين تعجز العلاقة التي يفترض أن تكون ملاذاً للحنان عن التعبير عنه؟ وكيف يمكن لابنة أن تقترب من أمها حين يصبح الموت وشيكاً، بعدما أمضت سنوات طويلة في محاولة الابتعاد عنها؟ وهل تستطيع الكتابة أن تمنح شكلاً لتجربة ظلت، طويلاً، عصية على الفهم والتسمية؟
تشكل هذه الأسئلة المدخل إلى كتاب “سيرة ذاتية لجسدي” للروائية البلجيكية ليزه سبيت الذي صدر أصله باللغة الفلمنكية البلجيكية وصدرت ترجمته الفرنسية حديثاً بقلم إيمانويل تارديف عن منشورات “أكت سود (2026). في هذا العمل، تغادر سبيت فضاء الرواية لتخوض غمار كتابة السيرة الذاتية، مستندةً إلى تجربة شديدة الحميمية: إصابة أمها بالسرطان واقترابها من الموت، وما تثيره هذه المواجهة من أسئلة مؤجلة حول علاقة لم تنجح يوماً في العثور على لغتها الخاصة.
لكن الكتاب لا يكتفي بتسجيل وقائع المرض أو استعادة تفاصيل الفقد الوشيك. إنه محاولة للعودة إلى الذات عبر الآخر، وللاقتراب من الأم في اللحظة التي توشك فيها المسافة الفاصلة بين الكاتبة وأمها أن تصبح نهائية. ولئن كان مرض الأم لا يستحضر الخوف من الموت وحده، فإنه يفتح أبواب الطفولة، معيداً إلى الحاضر ما ظل عالقاً في الذاكرة من جروح وصمت وحنان مبتور، جاعلاً من فعل الكتابة رحلة في تاريخ العلاقة بين الأم وابنتها، ومحاولة لفهم ما تركته هذه العلاقة في الجسد والنفس، قبل أن ينفد الوقت المتاح للفهم والمصالحة.
تبدأ الحكاية في نهاية العام 2021، حين تتلقى الكاتبة رسالة إلكترونية جماعية من أمها تخبر فيها أبناءها بإصابتها بمرض خطير. تكشف الرسالة عن ورم خبيث في المريء، إلى جانب أورام أخرى تستدعي مزيداً من الفحوصات. غير أن طريقة إعلان المرض ليست تفصيلاً عابراً. ففي اللحظة التي يصبح فيها التواصل المباشر أكثر ضرورةً من أي وقت مضى، تختار الأم رسالة مكتوبة تحفظ المسافة بينها وبين أبنائها. كأن الخبر يصل محملاً بتاريخ العلاقة نفسها: صعوبة في المواجهة، وتحفظ في التعبير، وعجز عن قول ما ينبغي قوله حين تشتد الحاجة إلى الكلمات.
أمام هذه الصدمة، تنقسم سبيت بين ذات تعيش التجربة وذات تراقبها وتسعى إلى تدوينها. تلتقط المكان والضوء والأشياء المحيطة بها، وحتى انعكاس وجهها على زجاج واجهة متجر، كأنها تحاول تثبيت لحظة أخذ فيها العالم يتغير دون أن تتمكن من استيعاب ما يحدث. تصبح التفاصيل الصغيرة وسيلتها للإمساك بتجربة تتفلت من الفهم، فيما تمنحها الكتابة مسافة تتيح لها النظر إلى ألمها دون أن تدعي القدرة على السيطرة عليه.
المرض والطفولة
ومن هذه اللحظة بالذات، يتشعب السرد بين الحاضر والماضي، ويقود خبر المرض الكاتبة إلى طفولتها، حيث تتكشف ملامح أسرة لم يكن الحنان فيها أمراً بديهياً. فقد كانت مظاهر المودة، كالعناق والقبل، محاطة بالمنع أو مثقلة بشعور غامض بعدم الاستحقاق. وفي هذا المناخ، عاشت الأم معاناتها مع إدمان الكحول وصعوبة التواصل مع أبنائها، فيما لم يتمكن الأب، رغم حضوره، من توفير الاستقرار العاطفي الذي يحتاج إليه الأطفال، وسط التوتر والعنف والاختلال الأسري.
هكذا وجد الأبناء الأربعة أنفسهم أمام عبء يفوق أعمارهم، كأن عليهم أن يتعلموا باكراً رعاية أنفسهم والتعامل مع أزمات الكبار، بدلاً من أن يجدوا في الأسرة مساحة آمنة للنمو. وفي استعادة سبيت لتلك الطفلة التي تحاول التمسك بالحياة داخل بيئة لا تمنحها ما يكفي من الطمأنينة، تعود إلى المرأة التي صارتها، لتفحص آثار تلك السنوات في نظرتها إلى ذاتها وفي قدرتها على بناء علاقات حميمية.
على رغم ذلك، لا ترسم الكاتبة صورة أحادية لأمها، ولا تحول استعادة الماضي إلى محاكمة نهائية لها. فإلى جانب القسوة والغياب، تحضر تفاصيل الحياة اليومية كإعداد الطعام، وخياطة الملابس، واصطحاب الأولاد إلى المدرسة والمكتبة، والاهتمام بشؤونهم الكبيرة والصغيرة، والاحتفاظ بصورهم ورسائلهم. لا تمحو هذه الذكريات الجروح، لكنها تمنع اختزال الأم في مصدر للألم وحده. فالشخص الذي أخفق في منحنا الحنان قد يكون، في الوقت عينه، قد منحنا أشكالاً أخرى من الرعاية، حتى وإن عجزنا عن إدراكها أو الاعتراف بها.
في هذه المنطقة الملتبسة تكمن إنسانية الكتاب. فهو يقول لنا إن الحب لا ينعدم بالضرورة حين يعجز عن الظهور، والحنين لا يتناقض دوماً مع الألم، كما إن الرغبة في الاقتراب ممن جرحنا لا تعني إنكار ما وقع علينا من أذى.
لا تبحث سبيت عن براءة كاملة لأمها، ولا تقدم نفسها ضحيةً تستعيد الماضي من موقع الاتهام؛ إنها تحاول فهم العلاقة في تناقضاتها، والإصغاء إلى ما بقي فيها من مشاعر لم تجد طريقها إلى التعبير بعد. فالعودة إلى الطفولة ليست استعادة لما حدث فحسب، وإنما إعادة ترتيب للذاكرة، بحثاً عما أخفته التناقضات العائلية بين القسوة والرعاية، والنفور والتعلق.
في هذا السياق، يغدو الجسد كما يشير العنوان المحور الدلالي الأبرز للعمل. فجسد الأم ينهكه السرطان، ويتحول تدريجاً إلى جسد هش يقترب من نهايته، فيما تحمل الابنة في جسدها آثار تاريخ طويل من القلق واضطراب العلاقة بالذات. وبين الجسدين تنشأ صلة تتجاوز الكلمات؛ إذ توقظ هشاشة جسد الأم لدى ابنتها أسئلة قديمة عن جسدها الخاص، وعن الطريقة التي تعلمت بها أن تسكنه وتتعامل معه.
الجسد والذاكرة
تربط سبيت بين الجسد والذاكرة، كأن ما تعجز اللغة عن قوله يجد طريقه إلى الجسد، في صورة نفور من الذات أو صعوبة في تقبل القرب الجسدي والعاطفي. ولا تقدم الكاتبة تفسيراً طبياً أو نفسياً حاسماً لهذه الصلة، بل تستكشفها انطلاقاً من تجربتها الشخصية، محاولةً قراءة ما تركته الطفولة في علاقتها بنفسها وبالعالم. فالجسد ليس وعاءً محايداً للحياة. إنه سجل يحمل آثار ما عجز الوعي عن استيعابه، وما حاولت الذات إبعاده أو نسيانه. هذا ما علمنا إياه موريس ميرلو-بونتي حين أكد أن الإدراك ينطلق من الجسد، فمن خلاله نعيش العالم. الحركة واللمس والرؤية تشكل وعينا بالعالم وعلاقتنا به وتبني علاقتنا بالآخرين. فهو أساس وجود الذات في العالم وشرط كل تجربة إنسانية، وهو الوسيط الذي ندرك من خلاله وجودنا ونعبر عن علاقتنا بذواتنا وبالآخرين.
في ضوء هذه الرؤية، يكتسب التقارب بين جسد الأم وجسد الإبنة دلالة تتجاوز التشابه في المعاناة. فتساقط الشعر ومشاركة الأم بعض آلامها يبدوان كأنهما محاولة أخيرة لتقليص المسافة بينهما، وربما للتعبير، عبر الجسد، عما ظل عصياً على القول. غير أن هذا الاقتراب لا يضمن المصالحة، ولا يمحو تاريخاً طويلاً من الألم؛ إنه يكشف، بالأحرى، أن فهم الآخر قد يبدأ أحياناً من الاعتراف بهشاشتنا نحن، ومن إدراك أن ما نخشاه في جسده يوقظ ما نخفيه في أجسادنا.
أما الكتابة، فتؤدي وظيفة مزدوجة، إنها توثق الوقائع، وتختبر في الوقت عينه حدود اللغة وقدرتها على احتواء التجربة. فثمة لحظات تشعر فيها الكاتبة أن شيئاً ما انقلب في داخلها، دون أن تستطيع تحديده أو العثور على الكلمات المناسبة لقوله. وتصبح الفجوة بين ما يعاش وما يمكن التعبير عنه إحدى المسائل الرئيسة في الكتاب. فالكتابة التي نلجأ إليها لفهم أنفسنا قد تكشف، على نحو مفارق، أن بعض التجارب تتجاوز قدرتنا على الفهم والصياغة.
لذا، تعتمد سبيت على التفاصيل الدقيقة والشذرات المتناثرة، هنا وثمة، وتعود إلى يوميات طفولتها لتجمع بقايا تجربة لا تستقر في سرد خطي مستقيم أو تفسير شامل. إنها تقترب من الماضي عبر نتف الذاكرة وشظاياها، دون أن تزعم امتلاك صورة مكتملة عنه.
لكن هذه الرغبة في تسجيل كل شيء تطرح سؤالاً أدبياً مشروعاً: هل يكفي الكشف عن التجربة بكل تفاصيلها لمنحها عمقاً فنياً، أم أن الاختيار والتركيز ضروريان لتحويل الاعتراف الشخصي إلى بناء سردي متماسك؟ فالتفاصيل قد تفتح أبواباً للفهم، لكنها قد تجعل السرد متشعباً أيضاً، تاركةً بعض الأسئلة دون معالجة كافية.
لا تقدم ليزه سبيت إجابة نهائية على أسئلتها، ولا تدعي أن الكتابة قادرة على تحويل الألم إلى معرفة مكتملة أو إلى شفاء مضمون. إنها تسجل المحاولة بما تنطوي عليه من تردد وعجز وتناقض. ومن هذه الناحية، لا تبدو الكتابة علاجاً ينهي المعاناة بقدر ما هي ممارسة تتيح النظر إليها، وتمنح ما ظل مسكوتاً عنه فرصة للظهور.
الإصغاء إلى الألم
غير أن هذا الإصغاء إلى الألم يكتسب دلالة خاصة حين يفرض المرض مواجهةً مختلفة مع الزمن، إذ تتغير علاقتنا به، ويغدو الحاضر أكثر كثافة، والمستقبل أقل يقيناً، والماضي حاضراً بثقله في الوعي. فما كان يمكن تأجيله في الماضي على أمل أن تأتي فرصة أخرى للكلام، يصبح الآن مهدداً بأن يفقد إمكانه إلى الأبد. لم تعد المصالحة مشروعاً يمكن ترتيبه وفق إيقاع مريح، له بداية ووسط ونهاية؛ فالموت الوشيك يقوض وهم الوقت المتاح، ويضع الإبنة أمام حقيقة أن بعض الكلمات قد لا تجد فرصة أخرى للخروج.
لكن الاقتراب من الأم لا يعني استعادة الطفولة أو إصلاح كل ما أفسده الدهر. فالمرض لا يعيد السنوات الضائعة، ولا يمنح الأم وابنتها فجأة القدرة على التعبير عما عجزتا عن قوله طويلاً. جل ما يتيحه هو فرصة لإعادة النظر في المسافة التي حافظت عليها الإبنة، وفي الحب الذي ظل ملتبساً، حاضراً من دون أن يجد دوماً شكلاً يستطيع الآخر التعرف إليه.
في “سيرة ذاتية لجسدي”، تتحول تجربة شخصية شديدة الخصوصية إلى تأمل في الذاكرة والجسد والزمن والعلاقات العائلية، وفي الهوة التي قد تفصل الحب عن القدرة على التعبير عنه.
لا تقدم سبيت في كتابها صورة مثالية للأمومة، ولا تنتهي إلى مصالحة سهلة تمحو آثار الجروح. لكنها بكل جرأة تعترف بأننا قد نحب من آذانا، ونشتاق إلى من عجز عن منحنا الحنان، ونرغب في الاقتراب ممن أمضينا سنوات في الابتعاد عنه.
ولعل السؤال الذي يظل مفتوحاً يتجاوز مسألة نجاح الإبنة في ترميم علاقتها بأمها، ليصل إلى معنى الحب حين تضيق فسحة الوقت ويغدو الماضي عصياً على التغيير. تأتي إجابة سبيت في صورة الكتاب نفسه، بمعنى أن الكتابة قد تكون فعلاً أخيراً من أفعال الاقتراب، ومحاولةً لتحويل العجز عن الإصلاح إلى رغبة في الفهم. إنها لا تعيد ما ضاع، لكنها تمنح التجربة شكلاً يمكن تأمله، وتسمح للحب بأن يظهر، ولو متأخراً، في الكلمات التي لم تستطع العلاقة أن تقولها.
الكتابة هنا سيرة جسد، وسيرة علاقة، وذاكرة عائلة تحاول أن تفهم نفسها قبل أن يغلق الموت أبوابها. وفي قلبها تقف إبنة تبحث عن لغة تصل بها إلى أمها، لا لتبرئ الماضي أو تمحوه، وإنما لتقول ما ظل مؤجلاً لفترة طويلة: إن العلاقة التي عجزت عن التعبير عن الحب لم تكن بالضرورة خالية منه، وإن الكتابة، وإن جاءت متأخرة، تستطيع أن تضيء عتمة الصمت، وأن تمنح ما تعذر قوله فرصة أخيرة للحياة.
