ملخص
المتابع للمشهد السياسي الأميركي اليوم يعلم أنه ليس كل ما تستطيع الولايات المتحدة تدميره، فهي تريد إسقاطه بالضرورة، وليس كل تصعيد عسكري يعني أن القرار السياسي حسم باتجاه تغيير هذا النظام، ففي الحال الإيرانية لا تكمن الخيارات في حجم القوة التي تستطيع واشنطن استخدامها، كما يبدو في حربها مع طهران، ولكنها تتجلى في الغاية التي تريد الوصول إليها، وهي غاية شديدة الالتباس وتتحرك في منطقة رمادية.
ثمة خطأ في قراءة الحروب، يظهر جلياً عندما نتعامل مع الهدف المعلن على أنه الخطة الحقيقية، وينتهي عندما نفترض أن كل ما ينتج من الحرب كان مقصوداً منذ البداية.
يقال إن قوة الخطاب السياسي لا تقاس بما يقدمه من إجابات، بل بقدرته على الصمود أمام الأسئلة الصعبة، وفي قراءة متأنية للمشهد الحالي، لا يمكن الجزم من خلال الخطابات الأميركية بأن ترمب اتخذ قراراً نهائياً بخوض حرب لا تنتهي إلا بإسقاط النظام الإيراني، وفي المقابل لا يمكننا اختزال الحرب في أنها مجرد وسيلة لانتزاع تنازلات إيرانية.
وهنا تتوسع دائرة السؤال، فهل نحن بصدد حرب حقيقية لإسقاط النظام؟ أم حرب لصناعة حال جديدة وشروط جديدة في المنطقة؟ وهل تريد أميركا حقاً إسقاط النظام الإيراني أم إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
تساؤلات إستراتيجية لا يمكن تخطيها، خصوصاً أن محورها يدور حول تساؤلات أبعد من تصريحات البيت الأبيض المباشرة، وهي أن آلة الحرب على طهران وإسقاطها سيكون الشرق الأوسط ساحتها، أكثر مما ستكون إيران نفسها.
في الحروب التي تهدف إلى إسقاط نظام دولة ما، قد لا تكون الحرب القرار النهائي بالضرورة، إذ يمكن الدفع بالنظام نحو حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي، وإضعاف مؤسساته مع إبقاء باب التصعيد مفتوحاً، وهذا يحقق لواشنطن تحولاً إستراتيجياً كبيراً، من دون أن تضطر إلى تنفيذ أية عملية تقليدية لتغيير النظام، فهل فعلت أميركا هذا ما دام هدفها إسقاط النظام كما تدعي؟
هذه الفرضية لا تعني أن الولايات المتحدة تملك خطة سرية محكمة لإنتاج الفوضى، أو أن كل تطور في الحرب يجري وفق تصميم أميركي مسبق، بل تعني أن علينا التمييز بين ما تريد واشنطن تحقيقه، وما تستطيع تحقيقه فعلياً على أرض الواقع.
المتابع للمشهد السياسي الأميركي اليوم يعلم أنه ليس كل ما تستطيع الولايات المتحدة تدميره فهي تريد إسقاطه بالضرورة، وليس كل تصعيد عسكري يعني أن القرار السياسي حُسم باتجاه تغيير هذا النظام، ففي الحال الإيرانية لا تكمن الخيارات في حجم القوة التي تستطيع واشنطن استخدامها، كما يبدو في حربها مع طهران، ولكنها تتجلى في الغاية التي تريد الوصول إليها، وهي غاية شديدة الالتباس وتتحرك في منطقة رمادية، وهذه المنطقة الرمادية التي تتحرك فيها السياسة الأميركية تجعل السؤال قائماً: هل تسعى واشنطن إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي وتقليص نفوذها الإقليمي؟ أم تريد الذهاب إلى أبعد من ذلك؟ وأقصد بأبعد من ذلك تمدد هذه الحرب إلى ساحة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، على وجه التحديد، وإرباكه كما يحدث الآن.
خلال فترة ليست ببعيدة، ألحقت الحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة بإيران أضراراً كبيرة في المنشآت العسكرية وبنيتها الصاروخية والبحرية، وفرضت على طهران خسائر قيادية واقتصادية وعسكرية مرتفعة، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار النظام أو تحقق هذا الهدف، وإضعافه إلى درجة تجبره على تغيير سلوكه، وهنا ينبغي قراءة المواقف الأميركية بعيداً من افتراض أن جميع الأهداف المعلنة تصب تلقائياً في غاية واحدة، فقد ركزت الأهداف الأميركية على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ومنع امتلاك السلاح النووي، وتقليص قدرة طهران على تهديد الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مراحل أخرى اتسع الخطاب ليشمل إضعاف الجمهورية الإسلامية، ودعوة الإيرانيين إلى الاستيلاء على الحكم.
لكن وجود خطاب يدعو إلى تغيير النظام لا يثبت وحده أن إسقاطه أصبح شرطاً نهائياً لا تقبل واشنطن بديلاً عنه، وهذا يتيح لنا طرح السؤال الإستراتيجي الحقيقي: هل يمكن أن تنتهي الحرب من دون إسقاط النظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تكون قد غيّرت الشرق الأوسط بدرجة أكبر مما غيرت إيران نفسها؟
الواقع نعم، ستستثمر الولايات المتحدة من حربها مع إيران في ذلك، ونقل محاولة إضعاف طهران إلى إعادة تشكيل حسابات دول الخليج، وزيادة اعتماد بعض الشركاء على الشراكة الدفاعية مع واشنطن، إضافة إلى أن المخاوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية قد تؤدي إلى مراجعة العقود الدفاعية، وتوسيع الانتشار العسكري، وتعزيز التعاون الأمني، وهذه نتائج محتملة يمكن مراقبتها وقياسها، أكثر من جدية واشنطن في القضاء على تغول النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة.
ما لم تضعه واشنطن في حساباتها ومكاسبها المحتملة، أن منطقة الخليج العربي قد يزيد اعتمادها على الشراكة الدفاعية مع أميركا، في المدى القصير، لكن هذا سيدفعها في المدى الأطول إلى البحث عن ترتيبات أكثر استقلالاً، إذا رأت أن الوجود الأميركي لم يمنع الأزمة، أو أنه أسهم في توسيعها، وقد تنقلب هذه المكاسب المحتملة إلى أعباء، فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز سيرفع الأخطار على أسواق الطاقة في العالم، ولن يقتصر على إيران أو الولايات المتحدة.
وبين هدف أميركي متقلب، ورؤية إسرائيلية تعتبر بقاء النظام الإيراني تهديداً وجودياً، يظهر الاختلاف الأوضح في الهدف الأميركي والرؤية الإسرائيلية، ويؤكد بنيامين نتنياهو ذلك، فقد نقلت عنه “واشنطن بوست” في الـ 22 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري قوله “إن الطريقة الوحيدة لإزالة هذا التهديد نهائياً هي إسقاط النظام في إيران، وإن ذلك هو توجيهه للجيش والموساد والأجهزة الأمنية”، والتصريح ذاته تناولته وسائل إعلامية تحت عبارة “إما نحن أو هم”.
وفي ضوء تصريح نتنياهو هذا، سيضاف إلى هذه الأسئلة سؤال لا يقل أهمية: إذا كانت إسرائيل تعلن أن إسقاط النظام الإيراني هو غايتها، بينما تظل الحسابات الأميركية أقل وضوحاً في هذه الحال، فمن سيطلق الرصاصة الأولى حين تدق طبول الحرب؟ الرصاصة التي تنهي النظام الإيراني، كما روّجت لها أميركا وصفّقت لها إسرائيل؟ وهل ستبادر إسرائيل بضربة جديدة، واضعة الولايات المتحدة أمام واقع عسكري يصعب تجاهله، أم ستكون المبادرة أميركية؟ أم أن الطرفين سيحاولان دفع الآخر إلى تحمل مسؤولية البداية؟
الحقيقة أن التصريحات وحدها لا تكفي لمعرفة من سيبدأ أو متى؟ لكنها أسئلة إستراتيجية تفرضها الفجوة بين وضوح الخطاب الإسرائيلي وعدم وضوح القرار الأميركي، فنتنياهو يعلن هدفاً سياسياً صريحاً، بينما يبقى الاختبار الأميركي متعلقاً بما إذا كان ترمب يتبنى الهدف نفسه؟
إن السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس فقط من سيبدأ الحرب ومن سيطلق الرصاصة؟ بل يكمن في ما إذا كانت هذه الحرب ستنتهي وقد أزالت مصدر التهديد، بدلاً من توسيع ساحتها في المنطقة؟
