تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • كبرنا… ولكن من قال إن اللعب للصغار؟ تعلمنا أن نعمل ونتحمل المسؤوليات وندفع الفواتير، لكننا لم نتعلم كيف نتخلى عن رغبتنا في أن نلعب
  • أدب وفن

كبرنا… ولكن من قال إن اللعب للصغار؟ تعلمنا أن نعمل ونتحمل المسؤوليات وندفع الفواتير، لكننا لم نتعلم كيف نتخلى عن رغبتنا في أن نلعب

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

هلا الخطيب كريّم صحافية لبنانية ودكتورة محاضرة في الجامعة اللبنانية @halasco.. اندبندنت عربية

ملخص

من ألعاب الطاولة التي جمعت العائلات في ملاجئ الحرب اللبنانية إلى مدن الملاهي والألعاب الرقمية، لم يتوقف الكبار عن اللعب، لكنهم غيّروا أشكاله وتسمياته، فما الذي يحدث في أدمغتنا عندما نلعب؟ ولماذا نشعر أحياناً بالذنب حيال متعة لا تحقق مردوداً إنتاجياً؟ وكيف يتحول اللعب من وسيلة للتسلية والتواصل إلى أداة علاجية، وأحياناً إلى سوق تستثمر في حنيننا إلى الطفولة؟

منذ أكثر من 10 أعوام كنت أقود السيارة في أحد شوارع بيروت واستوقفني رجل يبيع الطائرات الورقية الملونة، يطيّرها على علو تسمح للسيارات المارة أن تراها. اصطادتني ألوانها فتوقفت إلى جانب الطريق، واشتريت واحدة، يومها وجدت نفسي أكتب نصاً مليئاً بأحلام الطيران والركض في الحقول بعنوان “يا ورق وخيطان”، لكنني ختمته “اشتريت الطائرة والابتسامة لا تفارق وجهي وجسدي وروحي… اشتريتها بحجة نارام وننار طفليْ أخي الصغيرين… من يحتاج إلى حجة أصلاً ليشتري أجنحة”.

فنحن نكبر ويبقى الطفل فينا يرنو إلى أيام الطفولة وإلى اللعب، فالعمر ينتزع منا هذه البهجة بحجة النضوج، نحاول تعويضها أحياناً بألعاب نطلق عليها اسم نشاطات لننجو من النقد أو من نظرات متهكمة تأسرنا في أحكام كأن كل ما نقوم به من عمل وتقدم يهدمه توقنا إلى اللعب.

من قرر أن اللعب له سن تقاعد؟

أفكر جدياً متى تحديداً أصبحنا أكبر من أن نلعب، ونزعنا عنا هذه الفسحة التي تعيد توازننا، مع أول وظيفة وراتب أم عند أول فاتورة صارت بعنقنا نحن دون سوانا، أو عندما تحملنا تبعات قبلة ما، أو كبر أهلنا الذين كانوا يشاركوننا الألعاب.

وأفكر كيف لطفل الحق أن يقضي ساعات في اللعب من دون أن يسأله أحد عن جدوى ما يفعله، في حين يحتاج الراشد إلى عطلة أو مناسبة أو طفل يصطحبه كي يبرر وجوده في مدينة الملاهي.

الحقيقة أن الإنسان لا يتوقف بالضرورة عن اللعب بعد التقدم في العمر، ففي دراسة نشرها عالم النفس رينيه بروي عام 2014، وشملت 4100 بالغ، تبين أن الميل إلى اللعب يبقى مستقراً نسبياً عبر المراحل العمرية المختلفة، وأن المشاركين دون الـ40 سنة سجلوا درجات أقل نسبياً في مقياس الميل إلى اللعب، وأظهرت ارتباطاً إيجابياً بين هذا الميل والشعور بالسعادة.

نشتري الألعاب أحياناً بحجة الصغار لنفرح الطفل فينا (مصممة بالذكاء الاصطناعي)

ربما لم نكبر على اللعب كما نظن، لكننا أصبحنا نحتاج إلى أسماء ومناسبات أكثر جدية لممارسته، فالطفل يلعب بكل بساطة لأنه يريد ذلك، أما الراشد فعليه تبرير متعته باللعب التي يبدو أنها لا تعد كافية، فيفضل أن يقول إنه يمارس هواية أو نشاطاً اجتماعياً، أو إنه يقضي وقتاً نوعياً مع العائلة.

ففي بعض الألعاب اللوحية مثل لعبة “المونوبولي” التي يتحول فيها أفراد العائلة من كبيرهم إلى صغيرهم إلى مستثمرين يشترون العقارات والشوارع ويبنون الفنادق ويطالبون بعضهم بإيجارات قد تنتهي بإفلاس أحدهم، وربما بخصومة عائلية تستمر إلى ما بعد جمع الأوراق، وفي لعبة “الريسك” يصبح اللاعب قائداً عسكرياً يسعى إلى احتلال العالم، بينما تكفي رمية النرد في لعبة “الحية والسلم” لإعادة متسابق من أعلى السلم إلى بدايته، من دون أن يملك حق الاعتراض، كل ذلك وسط أجواء حماسية تحمل التحدي والمتعة.

وهناك ألعاب مثل الشطرنج وطاولة الزهر وألعاب الورق لم تفقد مكانتها في المقاهي والبيوت والجلسات العائلية حتى الآن، تمنح الكبار فرصة التنافس ضمن قواعد واضحة، والفوز أو الخسارة في معارك حدودها الطاولة، وقد تمتد أحياناً إلى ما بعدها.

ألعاب الحرب والملجأ

وللبنانيين مع اللعب حكاية أخرى، فمن عاش أعوام الحرب الأهلية (1975 – 1990) يتذكر كيف كانت أوراق اللعب أو أوراق الشدة تنتقل مع العائلات إلى الملاجئ، وكيف كانت ساعات الانتظار الطويلة تختصَر بجولات تتنكر وراء هذا الورق كأنه يقضي على هذا القلق الممتد، أو كأنه نكران لما يحصل في الخارج، حيث كانت تدور حرب لا يعرف أحد متى تنتهي، أما في الداخل فتدور منافسات صغيرة على وقع أصوات القذائف والفلاشات الإخبارية من الراديوهات التي بالكاد التقطت الإرسال، وبالطبع لم تكن اللعبة تلغي أصوات القصف الخارجي، وأصوات الرعب وبكاء الأطفال في الداخل، لكنها كانت تمنح الوقت الثقيل إيقاعاً آخر وإن لزمن قصير.

ألعاب أخرى لا تحتاج إلا إلى ورقة وقلم كانت أيضاً تجد نفسها تترأس سهرات الحروب بعدما كانت جزءاً من ليالي سهرات المنازل والأصحاب، مثل التسابق في “إنسان، حيوان، شيء” أو “قصف البارجات” أو XO وسواها من الألعاب البسيطة.

في حروب اليوم لم تعد الورقة والقلم والألعاب اللوحية هي المهدئ الذي يتناوله الكبار لينجوا ليلة أخرى، فلقد انتشرت الألعاب الإلكترونية بتطبيقاتها وأصواتها، وبدل الجماعات صارت الألعاب كهذا العصر تنزوي في فردية ووحدانية ملفتة، لكن يبقى غير مستغرب أن تستمر الألعاب الجماعية في استقطاب الراشدين، حتى في مراحل عمرية متقدمة، ففي دراسة تجريبية صغيرة أقيمت في جامعة شانغهاي جياو تونغ عام 2024، شملت 38 شخصاً تراوحت أعمارهم ما بين 61 و75 سنة، سُجّل انخفاض في مؤشرات القلق والوحدة لدى المشاركين في ثلاث جلسات من لعبة لوحية قائمة على استعادة الذكريات، مقارنة بمجموعة ضابطة.

استدراج مدن الملاهي

وفي حين احتفظت بعض الألعاب اللوحية بمكانها داخل البيوت، فإن مدن الملاهي نجحت في استدراج الكبار إلى عالم يفترض أنهم غادروه منذ زمن.

يكفي أن ندخل واحدة منها لنجد رجلاً خمسينياً قد يقف في طابور أو امرأة راشدة ترتدي أذني ميكي ماوس وتلتقط صورة أمام قلعة إحدى الأميرات.

أفكر أحياناً بالمبلغ الذي دفعناه أنا وزوجي لنقضي يوماً كاملاً في ديزني لاند في فرنسا، أو عندما ذهبنا أنا وصديقتي إلى مدينة “وارنر برذرز” الترفيهية في أبو ظبي، إذ جربنا ألعاباً ترفع الأدرنالين بطريقة مرعبة، والتقطنا صوراً إلى جانب مصباح علاء الدين ومنزل توم وجيري وشخصيات كثيرة.

أفكر لماذا يذهب بالغون مثلنا إلى “ديزني لاند” من دون أطفال أصلاً، ويدفعون مبالغ ليست قليلة ليصرخوا على متن لعبة تستغرق دقائق معدودة، قد يكون الحنين إلى الطفولة أحد الأجوبة، لكنه لا يفسر وحده هذه الرغبة، فمدن الملاهي تصنع عوالم متكاملة من الموسيقى والديكورات والشخصيات والألعاب والعروض، وتسمح للزائر بأن يعيش تجربة مختلفة عن يومياته، فكلنا كبالغين نعرف أن القلعة ليست حقيقية، وأن الشخصيات ترتدي أزياء ووراءها أشخاص عاديون يعتاشون من هذه المهنة، وأن الأفعوانية صممت وفق مسار محدد وبقدر كبير من الأمان، ومع ذلك يبقى الخوف حقيقياً والضحك حقيقياً والحماسة في أعلى درجاتها.

وجدت في دراسة عام 2020 عن تأثير النوستالجيا في سياحة الأفلام واستكشاف دور الحنين السينمائي وتأثيراته في نية الزيارة، أن الحنين إلى شخصيات وأجواء وأعمال المخرج الياباني هاياو ميازاكي ارتبط بقوة بالدافع إلى زيارة مدينة ملاهٍ مستوحاة من أعماله، فالخيال الذي تعرّف إليه الإنسان عبر الشاشة يمكن أن يصبح سبباً للسفر والإنفاق من أجل اختباره في مكان ملموس، وقد يكون الأمر ذاته عندما تتجسد القصص التي قرأت لنا والأفلام التي شاهدناها في مكان ما ينقلنا إلى عالم خيالي، فنجد أنفسنا ننفق فيه أموالاً لم نفكر أن ندفعها ربما لمشاهدة متحف أو مكان يُتوقع منا أن يكون وجهتنا المفضلة.

المباريات شكل مبرر جداً لألعاب الكبار (موقع بيكسلز)

الشركات تلعب

في سياق موازٍ نجد أن اللعب الذي يحتاج الكبار أحياناً إلى تبرير ممارسته في حياتهم الخاصة بات نشاطاً تدفع الشركات المال لتنظيمه لموظفيها، فتحت عنوان “بناء الفريق” يترك الموظفون مكاتبهم واجتماعاتهم للمشاركة في ألعاب البحث عن الكنز وحل الألغاز وغرف الهرب والتحديات الجماعية، وهنا قد يجد مدير تنفيذي نفسه عاجزاً عن حل لغز بسيط، فيما يكتشف موظف جديد الحل قبل الجميع، وفي لعبة أخرى لا يستطيع أي فرد إنجاز المهمة وحده، مهما كانت درجته الوظيفية، فتتحول العلاقات المهنية المعتادة برهة من الزمن إلى علاقات يحكمها التعاون والتنافس وقواعد اللعبة، ومن المعروف أن هذه الأنشطة لا تتوخى اللعب المجاني، أو اللعب للتسلية، ففي تحليل نشره كاميرون كلاين وزملاؤه عام 2009 في مجلة “البحث ضمن مجموعات صغيرة” تبين أن تدخلات بناء الفريق حققت أثراً إيجابياً متوسطاً إجمالاً، وكان أثرها أوضح في العلاقات والمشاعر وعمليات العمل الجماعي، وما قد يُنظر إليه بوصفه هدراً للوقت عندما يفعله الموظف بمبادرة شخصية، يصبح استثماراً في الموارد البشرية عندما تنظمه المؤسسة وتضعه في جدول أعمالها.

الألعاب الرقمية

لم تعد الألعاب تحتاج أصلاً إلى طاولة أو مدينة ملاهٍ، فهناك من يمضي ساعات في ألعاب الفيديو، أو يلتقي أصدقاءه في مسابقات المعلومات العامة أو غرف الهرب أو ألعاب تقمص الأدوار، إذ يبتكر المشاركون شخصيات خيالية ويتخذون قرارات تحدد مسار قصة مشتركة.

أما الألعاب الرقمية فقد نقلت المنافسة والتعاون إلى مساحات لا يشترط فيها وجود اللاعبين في البلد نفسه أو تحدثهم اللغة نفسها، أو حتى معرفتهم الشخصية بعضهم ببعض، وقد تمتد لعبة واحدة أسابيع أو أشهراً وأعواماً، وتتشكل حولها مجموعات بعضها يسمى قبائل لها مواعيدها وقواعدها ومفرداتها الخاصة، فتنتقل من نشاط نختاره وقد تتحول إلى التزام يومي يصعب التخلي عنه، خصوصاً مع انتشار ألعاب رقمية تشجع المستخدم على العودة المتكررة والبقاء متصلاً أطول وقت ممكن.

هذا إضافة إلى تلك الألعاب التي يلعبها الفرد وحده، بعضها تثقيفي وبعضها مضيعة وقت كامل، وأخرى حجتها إراحة الذهن أو تنفيس الغضب أو التركيز.

أين يذهب اللعب عندما نكبر؟

كل هذه الألعاب وتعلقنا بها يوضح أن اللعب لم يغادر حياة الراشدين كما قد نتصور، وكأنه حاجة دائمة لا يستغنى عنها بأي مرحلة عمرية كنا، مما يجعلنا نتساءل ما الذي يحدث فينا فعلاً عندما نلعب.

تقول اختصاصية العلاج باللعب مهى غزالي لـ”اندبندنت عربية” إن الكبار لا يفقدون القدرة على اللعب، وإنما يفقدون الإذن بممارسته، إذ لا يتعلق الأمر بالعمر الذي يتوقف عنده الإنسان عن اللعب، وإنما بالظروف التي تجعله يتخلى عن ممارسة نشاط يشكّل جزءاً أساساً من نموه النفسي والعصبي، ومن قدرته على التفاعل مع العالم، توضح غزالي أن “الجسم لا يتوقف عن اللعب، وإنما يتوقف الإنسان عن الاعتراف بأنه يلعب”، فالرجل الذي يتحمس أمام مباراة لكرة القدم، والمرأة التي تمضي ساعات في إعداد طبق وتزيينه، والمهندس الذي ينشغل ببناء نموذج مصغر، جميعهم يمارسون أشكالاً من اللعب، وإن لم يسموها كذلك.

وتلفت إلى أن المجتمع منح هذه الأنشطة تسميات أخرى، بعدما أصبحت كلمة اللعب مرتبطة بالطفولة، فيما يُنظر إلى ممارستها في سن الرشد على أنها علامة على عدم النضج، وترى أن هذا التصنيف ثقافي أكثر منه بيولوجياً، إذ لا يوجد ما يجعل اللعب حكراً على الأطفال.

 حين تصبح المتعة تهمة

تربط غزالي تراجع حضور اللعب في حياة الراشدين بالثقافة التي تقيس قيمة الإنسان بقدر إنتاجيته، ففي مجتمعات تُعلي من شأن العمل والإنجاز يصبح الوقت الذي لا ينتج عنه مردود ملموس وقتاً مهدوراً، وتتحول المتعة إلى نشاط يحتاج صاحبه إلى تبريره، ويزداد هذا الشعور في السياق اللبناني، إذ تتراكم على البالغين مسؤوليات مادية وعائلية وعاطفية تجعل تخصيص وقت للعب يبدو نوعاً من الرفاهية.

وتقول “نحن تربينا في مجتمع يقيس قيمة الإنسان بإنتاجيته، ولذلك ننظر إلى اللعب كأنه مضيعة للوقت، وفي لبنان تحديداً، مع كل المسؤوليات المادية والعاطفية التي يحملها الكبار قد نشعر بالذنب لمجرد الاعتراف بأننا نرغب في القيام بشيء يمكن تصنيفه لعباً”.

غير أن اللعب، بحسب غزالي، لا يختفي مع التقدم في العمر، إذ تتبدل أشكاله، فهو يبدأ عند الرضيع بالاستكشاف الحسي والحركي، ثم يتحول إلى لعب رمزي وتمثيلي في مرحلة ما قبل المدرسة، وإلى ألعاب تحكمها القواعد والمنافسة في الأعوام المدرسية.

أما لدى الراشدين فيتخذ أشكالاً تراوح ما بين الفكاهة والموسيقى والرياضة والهوايات والإبداع، وصولاً إلى النقاشات الذكية التي يتبادل خلالها المشاركون الأفكار ويتحدون وجهات النظر.

اللعب في الدماغ

لا تختزل غزالي اللعب في التسلية أو تمضية الوقت، إذ تعتبره إحدى الوسائل التي يختبر الدماغ من خلالها البيئة المحيطة به، ويتعلم التمييز بين ما ينجح وما يفشل، ويطور قدرته على التكيف، فالإنسان بطبيعته كائن فضولي، واللعب يتيح له التجربة والتكرار والتعديل وإعادة الابتكار، ومع تكرار التجارب الممتعة تتحول بعض الأفعال تدريجاً إلى مهارات مكتسبة، وتستشهد غزالي بعالم الأعصاب جاك بانكسيب الذي وضع اللعب ضمن سبعة أنظمة عاطفية أساسية في الدماغ، إلى جانب أنظمة مرتبطة بالخوف والهلع وغيرها.

أما الاختلاف بين الأطفال والبالغين فتحدده غزالي بوظيفة اللعب في كل مرحلة عمرية “عند الطفل اللعب يبني المسارات العصبية في الدماغ، أما عند الكبير فهو يساعده على الحفاظ على توازنه ومرونته، لكنه أيضاً يبني مسارات عصبية جديدة عندما نتعلم شيئاً ممتعاً وغير مألوف”

.الأمان ثم اللعب

تقول غزالي إن اللعب يحتاج إلى حد أدنى من الشعور بالأمان، فعندما يكون الجهاز العصبي في حال تأهب مستمرة نتيجة خطر مزمن، تتراجع القدرة على الانخراط في اللعب بحرية، وتستحضر تجربة الأطفال الذين يعيشون في الحروب، مشيرة إلى أنهم قد يبحثون عن لحظات قصيرة من الأمان لاستعادة اللعب، حتى وسط ظروف قاسية.

كذلك فإن الطفل يعيد ترتيب أحداثه من خلال اللعب، في محاولة للتعامل مع تجربة لم يتمكن من التعبير عنها بالكلمات، وعندما يأخذ الطفل ألعابه ويمثّل ما حدث معه، فإنه يحاول أن يسيطر على شيء لم يستطع السيطرة عليه في الواقع، اللعب يمنحه مسافة آمنة لاختبار تجربته وفهمها، على حد قولها، مضيفة أن هذا السلوك لا يقتصر على الأطفال، ففي أوقات الحرب قد يجتمع الكبار للغناء أو الاستماع إلى الموسيقى أو تبادل النكات، وهي ممارسات تصنّفها غزالي ضمن أشكال اللعب التي تساعد الإنسان على الحفاظ على قدر من التواصل والمرونة النفسية.

وتستند في تفسيرها إلى نظرية العصب المبهم المتعدد التي طورها عالم النفس ستيفن بورجيس، والتي تصف اللعب بوصفه حالاً تجمع بين الاستثارة الجسدية والشعور بالأمان الاجتماعي، فقد يركض الطفل ويصرخ ويتحمس أثناء اللعب وتظل تعابير وجهه وتواصله مع الآخرين مطمئنة، وتوضح غزالي أن هذه التجربة تساعد الجهاز العصبي على التمييز بين الإثارة المرتبطة بالمتعة والإثارة الناتجة من التهديد.

وترى غزالي أن اللعب قد يساعد على تخفيف فرط الاستثارة العصبية وتحسين المزاج وتوسيع “نافذة التحمّل”، أي المجال الذي يستطيع الإنسان ضمنه التعامل مع مشاعره وضغوطه من دون أن يفقد قدرته على التنظيم النفسي.

 اللعب لغة الطفل

تشرح غزالي أن العلاج باللعب ينطلق من مبدأ مفاده يأن “الألعاب هي كلمات الطفل، واللعب هو لغته”، فالطفل الذي يعجز عن وصف خوفه أو غضبه أو تجربته الصادمة بالكلمات، قد يتمكن من التعبير عنها عبر الدمى والرسم والرمل ولعب الأدوار.

وفي غرفة العلاج لا يسعى المعالج إلى تفسير كل حركة يقوم بها الطفل أو فرض معنى محدد على اختياراته، وتكمن مهمته في الحضور معه ومرافقته وملاحظة ما يحدث، مع مساعدته على إدراك أفعاله ومشاعره من دون استعجال، وقد يستخدم الطفل دمية تسقط مراراً، أو يعيد بناء مشهد يتكرر فيه الفشل أو العجز، فيرافقه المعالج ويصف ما يقوم به، ويتيح له اختبار التجربة ضمن علاقة يشعر فيها بالأمان والقبول.

وتضم غرفة العلاج أدوات متنوعة، لكل منها إمكاناتها التعبيرية، فالدمى والشخصيات الصغيرة تساعد على تمثيل العلاقات والمخاوف، فيما يوفر الرسم والرمل وسائل حسية للتعبير عن تجارب يصعب تحويلها إلى كلام، أما لعب الأدوار فيتيح للطفل إعادة تمثيل مواقف شعر فيها بالعجز وتجربة مواقع مختلفة داخلها.

هل كل لعب علاج؟

تميز غزالي بين اللعب التلقائي الذي يمارسه الأطفال في حياتهم اليومية، والعلاج باللعب الذي يجري ضمن علاقة مهنية مع معالج مدرب، فاللعب الحر قد يساعد الطفل بصورة طبيعية على التعامل مع تجارب صعبة، خصوصاً عندما يتوافر له محيط آمن وشخص بالغ يشاركه النشاط، وكثير من الأطفال يتمكنون من تجاوز بعض الصعوبات من دون تدخل علاجي متخصص، أما العلاج باللعب فيقوم على علاقة علاجية مقصودة، يعرف فيها الاختصاصي متى يتدخل ومتى يصمت، وكيف يستجيب للمشاعر أو المواقف التي تظهر خلال الجلسة.

وتشير غزالي إلى أن الدراسات التي تناولت هذا النوع من العلاج أظهرت نتائج إيجابية في التعامل مع عدد من الصعوبات النفسية والسلوكية لدى الأطفال، بخاصة في المرحلة العمرية الممتدة تقريباً بين الثالثة و12 سنة، وفي مجالات مثل القلق وتنظيم المشاعر وآثار الصدمات ومشكلات العلاقة مع مقدمي الرعاية، وتؤكد أهمية إشراك الأهل في العملية العلاجية، لأن ما يحدث خارج غرفة العلاج قد يكون حاسماً في نتائجها.

 علاج الكبار باللعب

لا تتوقف التطبيقات العلاجية للعب عند الأطفال، وإن اختلفت تسمياتها وأساليبها لدى البالغين، إذ توضح غزالي أن المعالجين قد يستخدمون مع الكبار تقنيات تقوم على التجربة والخيال والحركة، مثل العلاج بالرمل الذي طورته دورا كالفت، والسيكودراما التي ارتبطت بأعمال جاكوب مورينو، إضافة إلى الدراما العلاجية والفنون التعبيرية والتدخلات الجسدية، وقد يطلَب من شخص بالغ بناء مشهد باستخدام الرمل والمجسمات الصغيرة، أو تمثيل دور مختلف في موقف يزعجه، أو كتابة رسالة لن يرسلها، أو التحدث بصوت شخصية داعمة يتخيلها.

وتشرح أن هذه الأنشطة قد تتيح للشخص التعامل مع مشاعره وتجربته من زاوية مختلفة عن الحوار التقليدي، خصوصاً عندما يصعب التعبير عن بعض الخبرات بالكلمات.

وتربط غزالي أهمية هذه الأساليب بحالات القلق المزمن والحزن المعقد والصدمات المبكرة والإهمال العاطفي في الطفولة، معتبرة أن بعض الخبرات تترك آثاراً في الاستجابات الجسدية والعاطفية، ولا يكفي دائماً تناولها من خلال الحديث وحده، لذا ترى أنه من المفيد الدمج بين المقاربات العلاجية بحسب احتياجات كل شخص وحالته.

وفي سياق الحديث عن الخبرات المبكرة، تتوقف عند مفهوم “الطفل الداخلي”، موضحة أنه ليس تشخيصاً علمياً، وإنما تعبير مجازي يستخدم للإشارة إلى استمرار تأثير بعض التجارب القديمة في الحاضر، وتعطي مثالاً عن شخص عمره 40 سنة ينزعج بشدة من نبرة صوت مديره، والموقف الحالي لا يفسر وحده شدة انفعاله، ولكن لأن الصوت قد يستدعي لديه استجابة عاطفية مرتبطة بتجربة سابقة.

 الكبار يشترون الألعاب

لا تنفصل عودة الراشدين إلى الألعاب عن الدوافع النفسية التي تحركهم ولا عن السوق التي تعلم استثمار هذه الدوافع، وتوضح غزالي أن شراء الألعاب قد يرتبط بالحنين إلى الطفولة وإلى أوقات ارتبطت في الذاكرة بالبساطة والأمان، وقد يمنح إكمال لعبة أو تركيب مجسم شعوراً بالإنجاز والسيطرة، فيما يوفر الانتماء إلى مجموعات تشترك في الهواية إحساساً بالتواصل الاجتماعي، وتشير إلى أن المسوقين يدركون هذه الحاجات، ويعملون على تحويلها إلى أنماط استهلاك متكررة، مستفيدين من الرغبة في الانتماء أو الإنجاز أو استعادة ذكريات الماضي، لكنها تميز بين اللعب بوصفه نشاطاً ممتعاً ومرناً يساعد على تخفيف التوتر، وبين تحوله إلى سلوك قهري يصعب التوقف عنه، فالمسألة برأيها لا تتعلق بشراء اللعبة في حد ذاته، وإنما بطبيعة العلاقة التي يقيمها الإنسان معها ومدى احتفاظه بحرية الاختيار والتوقف.

 اللعب والمرونة

بعيداً من الوظائف العلاجية، تؤكد غزالي أهمية اللعب في بناء العلاقات الاجتماعية، إذ من خلال اللعب المشترك يتعلم الطفل التفاوض وتبادل الأدوار والاقتراب من الآخرين والابتعاد عنهم والتعامل مع الفوز والخسارة والإحباط، وعندما يفشل في تحقيق ما يريد يمكنه أن يتوقف ثم يعود إلى المحاولة، فيختبر إمكان تعديل سلوكه بدلاً من الاستسلام للفشل، وهذه القدرة على التجربة وإعادة المحاولة تظل مهمة في حياة الراشدين أيضاً.

وترى أن النضج لا يعني التخلي عن اللعب، وإنما امتلاك القدرة على الانتقال بين الجد والمتعة، وبين السيطرة والتخلي عنها عندما تقتضي التجربة ذلك.

 طفولة بلا مساحات للعب

تنتقل غزالي من البعد النفسي إلى البيئة الاجتماعية والعمرانية، متوقفة عند محدودية المساحات المتاحة للأطفال، خصوصاً في المدن اللبنانية، وتنتقد ما تصفه بطفولة أصبحت “نظيفة أكثر من اللازم”، حيث تضيق فرص الاستكشاف الحر، وتخضع المساحات المخصصة للأطفال لشروط وقيود تحدّ من قدرتهم على التجربة، وترى أن غياب المساحات الصديقة للأطفال والعائلات يحرمهم من جانب أساس من خبرات الطفولة، ويجعل الحفاظ على اللعب مسؤولية تتطلب جهداً مقصوداً من الأهل والمجتمع.

وتعتبر أن أفضل ما يمكن أن يقدمه الراشد للطفل لا يقتصر على توفير الألعاب، وإنما يشمل أن يراه يمارس اللعب والإبداع ويستمتع بالتجربة، وتقول “الكبار لم يفقدوا مهارة اللعب، لكنهم فقدوا الإذن لأنفسهم بممارسته”، وتقترح استعادة هذا الإذن من خلال أنشطة لا تُقاس بالنتائج، مثل وقت يقضى من دون هدف إنتاجي أو فكاهة من دون غاية أو صنع شيء باليد لمجرد متعة صنعه.

وفي بلد يعيش أزمات متلاحقة، وتفرض ظروفه على الناس الانشغال الدائم بتدبير شؤون الحياة، تمنح غزالي اللعب معنى يتجاوز الترفيه، فتقول “اللعب يذكّرنا بأننا ما زلنا أحياء، وأننا لسنا موجودين فقط في حال بقاء، إنه صورة من صور المرونة، ونوع من التحرر من الظروف التي نعيشها، ولو لبعض الوقت”.

فلا يعود السؤال متى ينبغي للإنسان أن يتوقف عن اللعب، وإنما لماذا أصبح عليه كلما تقدم في العمر أن يبرر رغبته في ممارسته.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: “أوديسة” إيلون ماسك تثير الشكوك في ذائقته الفنية
التالي: هواجس تجاه الوجود المسيحي السوري

قصص ذات صلة

  • أدب وفن

أحمد عبد المعطي حجازي لـ”المجلة”: لا تنافس بين الشعر والرواية وقصيدة النثر ليست شعرا

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
Web-2026rewayah
  • أدب وفن

في الأدب الصنعي: «إما ذلك أو الموت»! قراءة في السجال الفرنسي حول دور الذكاء الصنعي في كتابة رواية تيليسون أوريليان

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

“أوديسة” إيلون ماسك تثير الشكوك في ذائقته الفنية

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • موقف دفاعي عن الإعلامية نور الهدى مراد،
  • خامنئي يوسّع بنك الأهداف ويتوعد برد إيراني بلا قيود جغرافية
  • “انقلاب في وارسو”.. ما الذي يحدث في بولندا؟
  • أحمد عبد المعطي حجازي لـ”المجلة”: لا تنافس بين الشعر والرواية وقصيدة النثر ليست شعرا
  • في الأدب الصنعي: «إما ذلك أو الموت»! قراءة في السجال الفرنسي حول دور الذكاء الصنعي في كتابة رواية تيليسون أوريليان

لربما فاتك

Download (9)
  • الأخبار

موقف دفاعي عن الإعلامية نور الهدى مراد،

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
Almada-logo
  • الأخبار

خامنئي يوسّع بنك الأهداف ويتوعد برد إيراني بلا قيود جغرافية

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
10d55a72-3cb8-4bfe-88ba-eb5056cc0241_v3
  • الأخبار

“انقلاب في وارسو”.. ما الذي يحدث في بولندا؟

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

أحمد عبد المعطي حجازي لـ”المجلة”: لا تنافس بين الشعر والرواية وقصيدة النثر ليست شعرا

المحرر Editor 31 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.