تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى جاسم سلمان في روايته الأخيرة «وقوفاً على الأصابع»
  • أدب وفن

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى جاسم سلمان في روايته الأخيرة «وقوفاً على الأصابع»

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة
التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
  • شوقي بزيع…. الشرق الاوسط

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

 

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

 

 

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: ما يجري في فرنسا ربَّما له صداه في أميركا
التالي: آيزنكوت يتهم “الليكود” ونتنياهو بالقيام بـ”مذبحة بحق الديمقراطية”

قصص ذات صلة

  • أدب وفن

تعويذة التشيلية ميسترال الشعرية لـ”اليأس” و”الحنان” شعر أمومة وطفولة وشغف جعل مبدعته أول فائزة بـ”نوبل” من أميركا اللاتينية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

“مجهولة رصيف جافيل” رواية بوليسية تفوز بـ”غونكور” امرأة الرسامين في مونمارتر الباريسية تكشف أسرارا بعد قتلها

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
Gemini_Generated_Image_kzcnb2kzcnb2kzcn
  • أدب وفن

أولويات رمادِيّة

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • برلمان إقليم كوردستان ينتخب هيئة رئاسته الجديدة بعد أكثر من عامين على التعطيل
  • استقرار الليرة السورية ما الذي تحقّق، وهل يمكن أن يستمر مع التعافي الاقتصادي؟
  • الإسلاموفوبيا في الانتخابات الأميركية
  • لو كانت إسرائيل دولة شبه طبيعية
  • سورية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية

لربما فاتك

شورى
  • الأخبار

برلمان إقليم كوردستان ينتخب هيئة رئاسته الجديدة بعد أكثر من عامين على التعطيل

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-saref
  • مقالات رأي

استقرار الليرة السورية ما الذي تحقّق، وهل يمكن أن يستمر مع التعافي الاقتصادي؟

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

الإسلاموفوبيا في الانتخابات الأميركية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
55F07641-37E7-494A-AFA0-AF2CDFB302EB (4)
  • مقالات رأي

لو كانت إسرائيل دولة شبه طبيعية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.