
من عنوانه، “الطرق تعود معنا”، يستأنف عباس بيضون قدرته على جعل الكلمات تخون أصلها، تخرج من معناها الثابت والواضح إلى التباس متوتر ومتحرك. تكتسب دلالات مفاجئة وصادمة وغير نهائية. دلالات رجراجة تومض وسرعان ما تختفي في عتمة الاحتمالات. مع ذلك، سرعان ما نلتقط “ضوءها” الشعري وسحريتها المتولدة للتو. ليس هذا شبيهاً بالممارسة المعتادة في الشعر، حيث تنزاح الكلمات إلى إيحاءات جديدة، وتتجاور خارج مألوف الكلام. بل هو كسر عنيف للغة وتحطيمها إلى حد أن الشعر يمتنع عن أي تسلسل سردي، ويصير مصدره تلك الشظايا، وتلك الظلال الدائمة الاهتزاز للكلمات.
في معظم الأحيان يتراءى لنا أن الكلمات في قصائده أشبه بأشياء حسية يمكن تلمسها أو شمّها، كأنها قطع غامضة مبعثرة ولها أحجام وأوزان. كلمات- أشياء تتحرك وتتراكب في صور وأجسام: “الهتاف اسم بحت للمطرقة/ مطرقة مكان الوقت/ لعاب لا يعرف كيف يعضّ/ ولا كيف يغدو حجراً/ النوافذ لا تكفي لحراسة الشوارع”. هكذا، نتخيل العبارات كأنها تتحول إلى أنصاب صلدة وأشكال متحولة كما لو أنها من طين وحديد وخشب وأقمشة، أو روائح ومذاقات وأصوات..
على هذا النسق أيضاً، الأفكار المجردة تغدو بدورها موجودة وكائنة كأثاث البيت أو الأسنان أو الحديقة أو القش. والعكس أيضاً، إذ يمكن للحجارة مثلاً أن تتحول أسئلة وجودية مفتوحة: “كلمات صارت أكبر/ ونحن نرتجلها بسيقاننا/ لقد لحقتنا مع الأحجار/ التي دفنّاها تحتها/ لحقتنا/ وكان علينا أن نقدمها للمستقبل”.
بهذا المعنى، لا تأتي الصورة الشعرية لتجميل الفكرة، بل لتوليدها. وهذا ما يمنح النص حركة ذهنية قائمة على الاستطراد والقطع والمفاجأة.
وهذا دوماً ما كنت أحتفي به في إرث عباس بيضون الشعري، حيث اللغة المثلومة وكسور الصور، ومزيج التاريخي والشخصي، وجماليات “التشكيل” البصري، والقفزات إلى مجهول الكلام، الأشبه بالمنامات المضطربة أو الذاكرات المبتورة.
بدا كتابه الشعري الجديد (الصادر عن دار رياض الريس)، وكأنه تدبير لمختارات من قصائده الكثيرة ونتاجاته الغزيرة في السنوات الأخيرة. مختارات تتصل بنكبة جنوب لبنان وتجربة الحربين الأخيرتين اللتين عصفتا بلبنان. وهذا التدبير بالذات أخرج عباس بيضون من “مأزق” كنت أراه في قصيدته منذ سنوات، إذ بدا وكأنه يكتب القصيدة نفسها مراراً وتكراراً من غير اختراق. فمع هذه القصائد التي يضمها الكتاب، استعاد بيضون تلك النبرة التي لطالما انحزت إليها، غنائية ملجومة عن أي زخرفة لفظية، حيث التوتر الدائم بين اليومي والفلسفي، وبين المادي والمجرد، وبين وضوح العبارة ومراوغة الدلالة.
إنها الحرب إذن وقد أعادت للشاعر نبضه وصوته وعصبه، ومنحته “إدمانه” على الألم وعلى كتابة الألم. إنه العمر كذلك، الانتباه إليه في السن الثمانيني وما يحمله من صفاء المراجعة ووعورة التذكر وشغف الحياة. وليقف أيضاً أمام ضخامة كل ما كتبه على امتداد أكثر من نصف قرن. فتحت كل قصائده الجديدة ثمة حرارة منبعثة من موروثه الشعري كله.
وأبعد من ذلك، بدت قصائد “الطرق تعود معنا” وكأنها صحوة شخصية وإعادة تعريف للذات أو توكيد لسماتها وصوتها واسمها، كما لو أنها اتصال حميم بالمنبت وبالسيرة الخفية غير المكتوبة. فالجنوب المكتوب في “الطرق تعود معنا” ليس موضوعاً سياسياً وحربياً، بل أقرب إلى صلة الرحم البيولوجية. جنوب مفقود ولا شيء سوى اللغة الجريحة والمتقصّفة لتسترد بقاياه وأصداءه ونكهته. الجنوب هنا هو الذات وداخل الجسد واللهجة والغريزة: “لم نفهم أننا حملنا أنقاضاً في حناجرنا/ وأن هناك أحجاراً/ تسقط مع كل حرف”.
ومن أجل ذلك، ينادي بيضون رفاق عمره، يناجيهم ويكتب إليهم: وضاح شرارة، منذر جابر، أحمد بيضون، حازم صاغية (وآخرون). إنه يستعين بهم ليلملم وليعرّف كينونته. فالأصدقاء بأسمائهم هم امتداد لاسمه ولهويته.
جاذبية هذه المجموعة الشعرية تكمن أولاً في مقدرة عباس بيضون على جعل الأمكنة والبشر كائناً واحداً بلا فصل. الأشياء والأشخاص، الأنا والجماعة والقرية، الحجر والأهل، البيت وساكنوه، الزارع وشجرته.. هم بلا واو العطف، كيان واحد حيّ يتنفس ويبكي ويتذكر: “لقد ربّتنا في المطبخ الكوانين/ وحنفيات المياه/ جاءنا العلم من وراء الحيطان/ التي تكلمت بعيون زرقاء/ منذ خرجنا أشبهنا الدكان/ صارت لنا حياة في الحيّ/ وبالتأكيد صرنا سكاناً وأهلاً/ ولقطاء”.
إنها طرق عباس بكل مشقاتها ووعورتها.. إلى الشعر وصولاً بلا نهاية.