ملخص
العامان المقبلان قد يشهدان مرحلة حافلة بالتحركات السياسية والمناورات التشريعية التي ستقودها قيادات الحزب الديمقراطي في واشنطن
مع سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، والفوز بعدد لا بأس به من مناصب حكام الولايات، فضلاً عن تعزيز حضوره في المجالس التشريعية للولايات نفسها، بعد استعادة هذا الحزب الذي أصفه بـ”القوة العظمى” نفوذه في “الكابيتول هيل” (Capitol Hill)، فإن العامين المقبلين قد يشهدان مرحلة حافلة بالتحركات السياسية والمناورات التشريعية التي ستقودها قيادات الحزب الديمقراطي في واشنطن، ما من شأنه أن يؤثر بصورة كبيرة في سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب وأولوياتها.
في هذا المقالة، نستعرض أبرز الخطوط العريضة لما يُرجح أن تسعى إليه قيادة الكونغرس الجديدة، وما ستعمل عليه إدارة ترمب، خلال الفترة الممتدة من الآن وحتى بدء ولاية الكونغرس الجديد في يناير (كانون الثاني) عام 2027.
بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي في هذه المرحلة التي تمتد من يوم الانتخاب وإعلان الانتصار حتى بداية العمل التشريعي في أول أسبوع من يناير 2027، يركز أعضاء الحزب وأصحاب الإستراتيجيات العمل على أمرين:
الأول يتمثل في وضع خطة لأول 100 يوم من العمل داخل الكونغرس، وتحديد أبرز المشاريع والأولويات التشريعية التي يسعى الحزب إلى تنفيذها اعتباراً من يناير، ولا سيما تلك التي تتعارض مع كثير من بنود أجندة ترمب.
أما الثاني، فهو عملياً دخول مبنى “الكابيتول”، التموضع فيه، أي السيطرة على المقدرات وحسابات مكاتب الكونغرس، ولا سيما الملفات التي كانت في بحوزة اللجان التي عملت عليها خلال العامين الماضيين بموازاة أعمال ترمب في البيت الأبيض.
والديمقراطيون يعرفون الكونغرس تماماً، وجزء منهم كان موجوداً أساساً في هذا المركز الكبير ومبانيه الضخمة المنتشرة على “تلة الهيل”.
ومن أهم الملفات التي توفر السيطرة هي تلك التابعة للجان المتخصصة، وبالطبع تأتي على رأسها الاستخبارات وفيها معلومات دسمة للجنة العلاقات الخارجية واللجنة المالية ولجنة الأمن القومي إلى ما هنالك من لجان أخرى. وهذا “الكنز الكبير” الذي كان بين يدي أنصار وحلفاء ترمب، سيسلّم خلال المرحلة الانتقالية إلى أيدي أعضاء الحزب الديمقراطي.
والسؤال الذي يطرح الآن في هذه المرحلة هو من سيسيطر على هذه الملفات، لأنه وبناءً على هذا الجواب سيتمكن الأميركيون من معرفة من سيُعين وينتخب رئيساً لهذه اللجان الكبرى. ومن هنا، فالرأي العام سيعرف من هم وزراء الظل في “حكومة الكونعرس” الداخلية. ثم إن من سيترأس لجنة الاستخبارات سيكون له حق الإشراف على أجهزة الاستخبارات من الوكالة المركزية إلى جهاز الـ”أف بي آي”، وصولاً إلى الأجهزة الاستخباراتية العسكرية وغيرها. والأمر ذاته يسري على من سيسيطر على ملف الأمن الداخلي، وبعده ملف العلاقات الخارجية والتواصل ما بين أعضاء الحزب الجمهوري والكتلة الجمهورية في الحكومة مع دول عدة في أوروبا وروسيا وأفريقيا والعالم العربي وإسرائيل.
وفي الوقت ذاته، ستقوم جبهة الكتلة الديمقراطية بتعيين أركان وموظفي اللجان ويبدأون بالتواصل مع زملائهم من الحزب الجمهوري، وبعد ذلك التسلم والتسليم، ما من شأنه أن يفتح قنوات للتواصل بين القيادة الجديدة للحزب الديمقراطي في الكونغرس من جهة، ونظرائهم الجمهوريين في الإدارة والهيئات العامة للمؤسسات من جهة أخرى، بما يضمن استمرار التنسيق والتواصل المؤسسي، على رغم الخلافات والتباينات السياسية بين الطرفين.
والحزب الحاكم الجديد في الكونغرس والإدارة الجمهورية يجب أن يتوافقا على التواصل في شأن الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية لمصلحة الشعب الأميركي. هذا بالمبدأ، لكن مستوى هذا التعاون ربما يتفاوت، فيُحتمل أن يكون أكثر انفتاحاً أو أقل بحسب طبيعة العلاقة مع الطرف الثاني، مما يطرح تساؤلاً حول مدى استعداد الحزب الجمهوري للتعامل مع المنتخبين الجدد.
إلا ان الأهداف الإستراتيجية والخطط السياسية داخل حلقات أعضاء الكونغرس الجدد ليست موحدة حتى الآن، فما توحد هو “الانتفاضة” على دونالد ترمب، وبالطبع ستكون هناك تحركات متتالية في الكونغرس مع بدء العام لتطويق الرئيس وإجباره على التراجع. ولكن لكل كتلة خطابها السياسي وأهدافها، والكتلة الأكبر مكونة من ديمقراطيين من السياسيين التقليديين أي المعتدلين الذين لديهم علاقات مع الجمهوريين التقليديين منذ عقود.
هؤلاء وقواعدهم يشكلون الأكثرية في الكتلة الديمقراطية، ولكنهم لا يتكلمون كثيراً ولا يحاولون إثارة مشكلات، وعموم انتقادهم لترمب انتقادات طبيعية تقوم بها الأحزاب بين بعضها، ولكن حتى الآن لم نرَ أنهم سيحاولون بذل جهودهم القصوى لإسقاط الرئيس. ولكنهم سيضعون كل ما عندهم للسيطرة على اللجان وعلى الموازنات، مما يهم السياسيين التقليديين في الكونغرس.
وكما بدأنا نرى خلال تصريحاتهم، فإن الديمقراطيين التقليديين هم المرشحون الأوفر حظاً لرئاسة اللجان الأساسية، بما معناه “وزارات” الكونغرس الكبرى من استخبارات وعلاقات خارجية ودفاع ومالية وغيرها للجيل الأكبر الذي جمع الناخبين وعبأهم، بالتالي فانهم سيتعاطون مع المعارضة في الكونغرس كما كان الوضع دائماً بين الحزبين لعقود من الزمن. إلا أن هناك كتلة ثانية للمعارضة تتألف من مجموعتين، الأولى مكونة من مشرعين جدد ينتمون إلى التيار اليساري المتطرف ويسمى “الووك”، وهي مجموعة تشكلت أساساً من الحزب الشيوعي الأميركي القديم ومجموعة الأحزاب والتيارات والجمعيات في أقصى اليسار التي تسمى في مجالات البحث “الستالينيون”، وهي منظمة ضمن الحزب الديمقراطي تحت مسمى الديمقراطيين الاشتراكيينDemocrats Socialists .
أما المجموعة الثانية المتحالفة مع الشيوعيين، فتتألف من جمعيات ومنظمات وقيادات إسلاموية، من بينها ما هو مرتبط بحركة “الإخوان المسلمين” وما هو مرتبط بـ”الخمينيين” أي عملياً بالنظام القائم في إيران. وإن الفرق بين أولويات الديمقراطيين التقليديين الذين سيسيطرون على أكبر قدر ممكن من هذه الهيئة والكتلة الراديكالية بفرعيها “الووك” و”الإسلامويين” كبير، ولكنه لن يظهر الآن.
وجناحا الكتلة الديمقراطية في الكونغرس لهما هدف واحد وسريع من الآن وحتى نهاية العام وهو السيطرة الفعلية على كل مقدرات الكونغرس والتنسيق في ما بينهما قبل أن تبدأ الاختلافات بالظهور بعد شهر أو شهرين. فالمعتدلون في الحزب الديمقراطي سيتناوبون الضغط على الإدارة ومفاوضتها في الوقت ذاته، وهناك أمثلة عدة ومن أهمها عندما انتصر نيوت غينغريتش في انتخابات 94 والسيطرة على الكونغرس مع أكثريته الجمهورية في مواجهة بيل كلنتون، وبعد ذلك عندما انتصر أنصار أوباما عام 2008 على المرشح الجمهوري ماكين وأيضاً تكرر هذا الأمر عندما انتصرت تحالفات أنصار أوباما في 2012. وتكررت مع العهد الأول لترمب عام 2016 وأخيراً خلال المعركة الحالية.
والجناح التقليدي يريد سيطرة تقليدية على مراكز ومواقع الكونغرس، بينما الجناح الراديكالي يريد أن يصبح في الخطوط الأمامية للحزب الديمقراطي للبدء بفتح النار على الإدارة وإسقاطها خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2027. من ناحية ثانية، فإن المعسكر الجمهوري وإدارة ترمب يعيدان تنظيم صفوفهما استعداداً لمعركة الإسقاط أو العزل التي يشنها الديمقراطيون في بداية العام المقبل. وفي مرحلة أولى ستقوم الإدارة بإعادة إقامة تعيينات جديدة سريعة وتنظيف صفوفها من الذين يُعدون فاشلين أو مسؤولين عن هذه الانتكاسة الكبيرة. فلا ننسى أن هذه الإدارة لم تستكمل سوى نصف ولايتها حتى الآن. بكلام آخر فإن ترمب، وعلى رغم الهجمات السياسية المكثفة ضده، لا يزال لديه بحسب الدستور عامان كاملان وهو لن ينهمك بالتركيز على حملة إعادة انتخابه. وقد تكون هناك توصيات كثيرة عليه أن يتبعها، إذا أراد أن يحقق بعض الأهداف التي وضعها أصلاً.
ويبدو أن أهم ما بإمكانه القيام به هو أن يعيد هندسة إدارته والاستفادة من إمكاناتها المؤسسية الكبيرة، مع الأخذ في الحسبان الضغوط التي يُتوقع أن يمارسها الديمقراطيون داخل الكونغرس، وأن يترك المجال للحزب الجمهوري نفسه لإعادة تنظيم صفوفه وتقييم الخسائر وإعادة التواصل مع الكتل السياسية.
ولا يزال ترمب يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة تضم ملايين الناخبين الذين منحوه ونائبه أصواتهم، وما زالوا يحتفظون بمستوى التأييد نفسه لهما.
لذلك، فإن الحزب ربما يطهر نفسه من مسؤولين، ويعيد تنظيم الكتلة الشعبية نفسها لعام 2024 ويهيئ لمن سيكون المرشح الجديد بعد عامين من الآن. والمراحل الأدق ستكون ما بين بداية العام المقبل وآخره أي خلال الفترة الممتدة بين سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، إذ لا ننسى أن للديمقراطيين عاماً واحداً عملياً لأن العام الأخير أي 2028 سيكون مخصصاً من جانب المعسكرين لإطلاق وتنظيم ودعم الحملات الرئاسية وترمب سيكون خارجها ولن يقوم إلا بدعم المرشح المتفق عليه بين الجمهوريين.
وسيعمل الديمقراطيون على حشد جهودهم لاختيار المرشح الأنسب، إلا أن ذلك قد يفتح المجال أمام تنافس داخلي محتدم خلال عام 2028 بين تيارين داخل الحزب، يسعى كل منهما إلى إيصال مرشحه إلى السباق الرئاسي، ومن المرجح أن يستحوذ هذا التنافس على قدر كبير من الوقت والجهد داخل المعسكر الديمقراطي.
وليس من المتوقع أن يتمكن الجمهوريون من استعادة جميع المقاعد التي خسروها، ولكن المعركة أساساً لن تكون معركة الكونغرس، لأن الاستحقاق الانتخابي المقبل المتعلق بالسلطة التشريعية سيكون بعد عامين، مما يعني أن الحزب الجمهوري سيتعاون مع ترمب ليعيد تنظيم صفوف القاعدة الحزبية والشعبية وتوظيف ما بقي لديه من إمكانات وقدرات سياسية وتنظيمية، وتخصيص عشرات ملايين الدولارات لتمويل جهوده السياسية والتنظيمية، بما يدعم مساعيه للعودة للبيت الأبيض.
ولكن لا ننسى أن للمعسكر الديمقراطي الآن قيادات وطنية متمرسة وهو أمر يعرفه ترمب، فالديمقراطيون يعتمدون عادةً نهجاً يقوم على العمل المنظم والمتواصل على مدى أعوام، مع الاهتمام بالتفاصيل في مختلف المدن والدوائر الانتخابية، وإجراء حسابات دقيقة تتيح لهم تنفيذ خططهم وفقاً لمراحل الاستحقاق الانتخابي.
أما الحزب الجمهوري، فهو يطلق موجات من التعبئة الشعبية أو بكلام أدق “الشعبوية” هي موجة تأتي وتصل بالمرشح إلى المقدمة.
ونحن لا نزال في بداية العامين المقبلين، وهي مرحلة ستشهد تطورات سياسية وانتخابية متلاحقة. ولا ينبغي إغفال أهمية المتغيرات الخارجية، إذ قد تقوم التطورات الدولية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، بدور مؤثر في رسم المشهد السياسي الأميركي، قبل الوصول إلى موعد الاستحقاق الرئاسي وانتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة.
