حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
.حازم الامين
آل الأسد ليسوا كابوساً، ذاك أن خمساً وخمسين عاماً هي زمن أطول من كابوس. جدران دمشق تشهد على هذه العائلة. سوريا كلها ما زالت تئن من مخلفاتهم. لقد أورثوا دمشق قاتلاً طائراً يحلق بصاروخه في سماء العاصمة.
لو أتيح لحنة آرنت أن تعايش جزءاً من حقبة الأسدين في سوريا، لكانت ذهبت بفكرتها عن “تفاهة الشر” إلى أبعد مما أخذتها إليه جلسات محاكمة الضابط النازي أدولف آيخمان في القدس في العام 1962. فالشر في حالة آيخمان يفصح عن نفسه بوصفه أداء بيروقراطياً بارداً، أما في حالة الضابط السوري الموازي لآيخمان، ولنفترض أنه سهيل الحسن، فيظهر الشر على نحو كاريكاتوري، في نظريات عن “أعداء العالم”، هذا الشرّ وتمثّلاته الماديّة يصل إلى ذروته في القابون، عند جدار مقر الشرطة العسكريّة، حيث يقف تمثال لمظليّ يحلّق في السماء، حاملاً “صاروخه” ويطارد الأعداء.
هناك فارق بين تماثيل البعث السوري وبين نظيره العراقي. بين التفاهة القاتلة لآل الأسد، وبين عجرفة صدام حسين الظاهرة في تماثيله ونصبه. كنعان مكية تعقب في كتابه عن النصب التذكارية في العراق، مسارات وتخيلات الفنانين الذين أنجزوا النصب والتماثيل. صدام أرادها أن تصوره كما هو! اليد التي تحمل السيف أراد أن تكون يده بكل تفاصيلها. يد تحمل السيف الذي يقطع رؤوس “الأعداء الإيرانيين”.
لم يسمح صدام لصانع النصب أن يضيف إليها أي تفصيل آخر. يده كما هي، ومحاطة بخوذ الجنود الإيرانيين. أما آل الأسد فقد أطلقوا العنان لمخيلة ضبّاطهم، أحدهم يُحلّق في السماء حاملاً قاذف الصواريخ.
في دمشق اليوم، أزيلت كل نصب وتماثيل آل الأسد ورهطهم، وأُبقي على هذا النصب البسيكوباتي. الخطوة تبدو ذكية، وربما غير مقصودة. دمشق عاشت في أغرب وأبشع نظام يمكن أن يتخيله المرء. نظام وضع المدينة في حال من الحيرة حيال نفسها. اليوم بعد نحو عشرة أشهر على سقوطه، ما زالت قصصه تهيمن على حكايات الدمشقيين. فمدينة بحجم الشام ما زالت تطاردها أشباح مخيلة آل الأسد و”ضباطهم” وتمثاليهم، مخيّلة خُصص لأجلها شارع كامل “تزيّنه” عبارات من خطب “القائد المؤسس”!
آل الأسد ليسوا كابوساً، ذاك أن خمساً وخمسين عاماً هي زمن أطول من كابوس.
آل الأسد، وما أدراك ما آل الأسد؟! عليك أن تزور دمشق لتدرك ما فعله هؤلاء بالمدينة وبأهلها. صحيح أن الأشهر العشرة ليست كافية للقول إن المدينة لم تُشفَ من سهيل الحسن وأقرانه، إلا أنك ستدرك في زيارتك الثالثة بعد السقوط أن الشفاء مسار طويل، وأن أجيالاً ستحمل معها هذا الإرث الرهيب في سوريا كلها، لكن في دمشق سيتقاطع هذا الإرث مع محاولات الخروج المتعثر من الحقبة الأسدية.
تفاهة آل الأسد التي ترافقت مع دمويتهم وإجرامهم، تبدو اليوم أكثر وضوحاً. التفاهة “الشفافة” التي لا تسعى الىى أكثر من الجريمة. هي ليست أكثر من ذلك النصب البسيكوباتي الذي يحلق في سماء البعث، أو سهيل الحسن مخترع البراميل المتفجرة، أو نصب المظليّ ذي الصاروخ، كلها علامات تُهين ذكاء ما تبقى من أحياء سوريين، بعدما أبيدت على بعد مسافة ليست بعيدة من التمثال، مدن دمشق الممتدة من جوبر إلى دوما.
من يتوهم أن الشفاء قريب، عليه أن يعاود زيارة دمشق ليعاين العنف الذي أسس لعنف الساحل والسويداء. وليكتشف أن الناس غير معنية بأكثر من الخروج من النفق البعثي. فأينما وليت وجهك ستلوح ضحية، وسيلوح نصب أو فرع أمني أو جريمة.
الفرقة الرابعة وفرع فلسطين والمخابرات الجوية والأمن العسكري، عبارات لا تفارق حكايات أهل دمشق عن مدينتهم. صاحب بسطة الخضار في شارع الخطيب يشير إلى “فرع الخطيب”، ويقول لنا إنه نازح من جوبر، المنطقة التي دُمِّرت تحت أعين أهل المدينة. “كان عندي بيت ومحلات، وصْفيت هون على الرصيف… بس الأهم انهم راحوا”.
آل الأسد ليسوا كابوساً، ذاك أن خمساً وخمسين عاماً هي زمن أطول من كابوس. جدران دمشق تشهد على هذه العائلة. سوريا كلها ما زالت تئن من مخلفاتهم. لقد أورثوا دمشق قاتلاً طائراً يحلق بصاروخه في سماء العاصمة.
ربما علينا ألا نعيد الجريمة إلى أكثر من تفاهة المرتكب، وأن نبقي كثافتها في رأس الهرم. أن نتعقب التفاهة في مساراتها الاجتماعية والثقافية التي تولى البعث تأسيسها على مدار أكثر من نصف قرن. وربما علينا أيضاً أن نتعقب أثر “الفنان” الذي كُلّف بنحت تمثال المظليّ ذي الصاروخ، لا لنعاقبه، إنما لنسمع منه كيف نفّذ عمله، وماذا تخيل أثناء تنفيذه له، وهل اقترح عليه الضابط المظلي أفكاراً، ومن هم الأعداء الذين كان يطاردهم.
المصدر موقع درج