
-
-
.زينة شهلا.. كاتبة
-
بينما تُواجه سوريا موجة جديدة من الحرائق في مناطق عدة، وبعد مرور نحو شهرين من موجة حرائق سابقة التهمت أكثر من 16 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والحراجية في جبال الساحل السوري، ما زال رمضان، وهو مهندس زراعي مقيم في ريف اللاذقية الشمالي، يُحصي خسائر عائلته من الزيتون والليمون وغيرها:
«نحو 70 بالمئة من أرزاقنا احترقت، 150 شجرة زيتون من أصل 300، ونحو 400 شجرة رمان من أصل 500، والكثير من أشجار الليمون. لا يمكننا التعبير عن هذه الخسائر بالأرقام، فما كنّا نملكه سيحتاجُ إلى سنوات كي يترمم ويعود إلى ما كان عليه. الحرائق كانت فوق التصورات، والواقع على الأرض كان مرعباً»، يقول الشاب في حديث للجمهورية.نت، وقد فضّلَ استخدامَ اسمه الأول فقط. يتحدث أيضاً عن فلاحين خسروا مئات الأشجار: «تخيلوا من احترقت له سبعمائة شجرة زيتون مثلاً، وربما أكثر»، ويُشير إلى أن هذا يعني ضياع مئات ملايين الليرات، وأيضاً الحاجة إلى الملايين لشراء غراس جديدة.
يستذكر رمضان تلك الأيام بأسى واضح في صوته: «لم نرَ في حياتنا رياحاً بهذه السرعة، خاصة منذ ساعات الصباح وحتى العصر. كنا نراقب النار كيف تنتقل بسرعة هائلة وتصل إلى القرى وتلتهم الشجر والبيوت، فيما كانت تضاريس المنطقة تجعل عملية الإطفاء شبه مستحيلة. عشنا حرائق في سنوات ماضية، وكنا قادرين على إخلاء البيوت أو اتخاذ احتياطات قبل امتدادها، كإخراج النساء والأطفال وتجهيز المياه حول القرى والمنازل، لكننا لم نتوقع ما حصل. هناك قرى لم يتمكن سكانها من الهروب، ولولا جهود الهلال الأحمر في الإجلاء السريع لكانت هناك خسائر بشرية كبيرة».
ويُضيف رمضان أن المنطقة التي تتميز عادة برطوبتها، مع استقبالها ما لا يقل عن 1500 مِليمتر من الأمطار سنوياً، عانت هذا العام من جفاف غير مسبوق، فكانت الأراضي وجذوع الأشجار جافة مما ساعد على اشتعالها أكثر، فيما لم يُتِح نقصُ المياه في الآبار والسدود تجهيزَ كميات كافية كالسابق، كما أن ترك مساحات واسعة من الأراضي دون فلاحة لفترة طويلة ساهم بانتشار النار حول المنازل: «في السنوات الماضية كانت النيران تمتد ببطء نسبياً، وعندما كانت الجبال تحترق كان الأهالي مع عناصر الإطفاء مستعدين على الأطراف لإخمادها، لكننا هذه السنة كنا نتكلم عن جدار نار يمتد بسرعة مرعبة، والإمكانياتُ ضئيلة جداً مقارنة بحجم الكارثة».
من حرائق ريف اللاذقية الشمالي مازن الهدر من سكان ريف حماة الغربي، يصف بشكل مشابه للجمهورية.نت الحرائقَ الواسعة التي طالت المنطقة نهاية آب (أغسطس) الفائت: «كانت النيران قريبة جداً من المنازل، وامتدت إلى الأراضي الزراعية التي تعود ملكيتها للأهالي وكذلك لجهات حكومية. احترقت أشجار عمرها مئات السنين، وخسر المزارعون كثيراً من أرزاقهم، كما أصيبَ العديد من المدنيين أثناء محاولاتهم إطفاء النيران إلى جانب فرق الإطفاء». ويشير مازن إلى أن وعورة التضاريس صَعَّبت المهمة، فكان الناس يضيعون في الجبال دون وجود إمكانية للاتصال الهاتفي بسبب غياب التغطية.
يتخوف من تحدثنا إليهم في المناطق التي شهدت الحرائق الأخيرة، ليس فقط من حجم الخسائر والأضرار غير المسبوق، لكن من تكرار الحرائق وضعف القدرة على تجنّب اشتعالها والتصدي لها، ما يضعنا أمام تساؤلات من قبيل: هل يمكن تجنب كوارث مشابهة في المستقبل، خاصة مع ازدياد تأثّر سوريا بالتغيرات المناخية؟ وكيف؟
التحريج والسقاية وفتح الطُرُق
نسأل المهندس الزراعي رمضان عمّا يجب القيام به على المدى القريب، ويجيب بأسى: «قد لا تتكرر حرائق مشابهة في المناطق نفسها ‘لأن ما ضل شي يحترق’. لكن بالمقابل، فإن سرعة ظهور النباتات وتجددها هنا كبيرة، وفي غضون خمس سنوات قد نرى الأحراش خضراء من جديد، لكن هناك إجراءات لا بدّ منها».
يُشير رمضان إلى بعضها، كالتحريج المُنظَّم بشكل مدروس، وأن تكون الأشجار الحراجية بعيدة عن المنازل والقرى: «كنا نطالب بهذا الأمر في السنوات الماضية، لكن القوانين التي تمنع قطع الأشجار داخل القرى حالت دون ذلك. وجود الصنوبريات قرب الأراضي الزراعية أدى لاحتراقها بشكل كامل، فإطفاء الأراضي الزراعية سهلٌ لكن إطفاء الأحراج صعب جداً».
ويلفت إلى ضرورة سقاية الأشجار المحروقة: «قد نرى الشجرة متفحمة من الخارج لكنها في القلب تكون خضراء ويمكن أن تنمو فوراً، السقاية ضرورية لكن الجفاف ونقص المياه يمنعنا من ذلك بالشكل المطلوب».
ويتحدث مازن الهدر عن ضرورة دعم المجتمعات المحلية لتكون قادرة على التعامل مع أوضاع مشابهة في المستقبل: «يمكن تجهيز فرق طوارئ في كل بلدة وقرية، من مهامها المساعدة في الإطفاء وكذلك المراقبة والتبريد بعد الحرائق، وهي أمور مهمة بقدر أهمية الإطفاء، فأحياناً يمكن لبقايا نيران في شجرة ما أن تشتعل من جديد إن لم نُبرِّدها ونطفئها. فرق الإطفاء ليست كافية، فالجبال واسعة وطبيعتها صعبة، ولا بد من تأمين معدات أساسية لفرق محلية إلى جانب حقائب إسعافية، يمكن تجهيزها أيضاً بالطعام والشراب في حال الدخول إلى أماكن صعبة ولفترات طويلة». أيضاً لا بد من «صيانة وتوسيع الطرق الزراعية والحراجية لتُتيح لسيارات الإطفاء المرور، بخلاف ما حصل اليوم فقد اضطرت فرق الإطفاء لفتح الطرق أثناء الحريق، ما أخّرَ الاستجابة».
وأشار الشاب إلى ضرورة إجراء حملات تشجير مدروسة بالتعاون مع وزارة الزراعة، ويمكن اختيار أنواع ذات عوائد اقتصادية جيدة مثل الغار، لدعم المجتمع المحلي المتضرر.
تعويض المتضررين
«أصغر فلاح في منطقتنا اليوم خسر 200 شجرة زيتون و50 شجرة ليمون»، يقول رمضان. ويشير إلى أن بعض المنظمات وزّعت تعويضات مالية خاصة للمناطق الأكثر تضرراً، لكنها غير كافية، «فما الذي سيفعله مبلغ 10 مليون ليرة أمام هذه الخسائر وهي بمئات الملايين؟ أنا مثلاً سأحتاجُ إلى 7 أو 8 ملايين ليرة على أقل تقدير فقط لشراء الغراس الجديدة». كما ينوه إلى أن الوحدات الإرشادية بدأت بإحصاء المساحات والأشجار والمنازل المتضررة، فيما ينتظر الأهالي اليوم أي تعويضات حكومية تساعدهم على ترميم أحوالهم.
من حرائق ريف اللاذقية الشمالي يتحدث مازن الهدر أيضاً عن ضرورة دعم من أصيبوا بجروح وكسور أثناء المساعدة في إطفاء الحرائق، وهم اليوم بحاجة متابعة مستمرة لعلاجهم، وبعضهم ما زال في المشافي: «هؤلاء الشباب حصلوا خلال الأيام الأولى على بعض المساندة، لكنها كانت ‘فورة’ وخفتت. لا بد من أن نستمر في الاطلاع على احتياجاتهم وتلبيتها».
خطط حبيسة الأدراج
حول هذا الموضوع عقدت نقابة المهندسين في دمشق الشهر الفائت ندوة حول أسباب حرائق الساحل السوري وسُبل الحد من تكرارها والتعامل معها. تحدَّثَ خلالها يحيى عويضة، رئيس شبكة خبراء البيئة في النقابة، عن خطط وضعتها وزارة الإدارة المحلية منذ نحو 20 عاماً للتكيُّف مع التغيرات المناخية، مع توقعات بتأثيرات متصاعدة على وتيرة الحرائق وارتفاع مستوى سطح البحر.
«اليوم علينا التفاوض مع الوزارة كي تُخرِجَ هذه الخطط من الأدراج وتُطوِّرَها، ونعرض ما فيها من برامج ومشاريع على المنظمات المانحة والمستثمرين والبنوك الدولية. تتضمن هذه البرامج مثلاً التوجه نحو زراعات مقاومة للجفاف، ونباتات ليست سريعة الاشتعال، ومُكافِحة التصحر»؛ يقول عويضة في حديث مع الجمهورية.نت، ويضيف بأن الحرب عطّلت سوريا لمدة 14 عاماً ولم تكن هناك آذان صاغية لأي مخططات: «لكننا نأمل بأن الوضع اليوم تغير». ويتطلب ذلك وفق رأي الخبير تشكيلَ فريق وطني ولجان مشتركة من وزارات الإدارة المحلية والبيئة والزراعة والطاقة والطوارئ وإدارة الكوارث وإلى جانب النقابات المختصة.
يوصي عويضة بشكل أساسي بتفعيل نُظُم الإنذار المبكر، سواء المركزية أو الفرعية في مختلف المناطق، فهي تتزود بصور الأقمار الصناعية على مدار الساعة لكي ترصد أي بوادر لبؤر حرائق وتتجه للتعامل معها قبل انتشارها. ويوضح بأن مراكز الإنذار المبكر موجودة، لكنها فارغة ومنهوبة تماماً وتحتاج إلى إعادة تأهيل: «لم يعد مقبولاً أن نأتي متأخرين بعد الحرائق ونسأل عن الإجراءات المطلوبة. علينا أن نتجهَّزَ قبل الكارثة، ومن بداية أي عمود دخان صغير يجب أن تتفعل أنظمة الإنذار لنتخذ ما يلزم، لا أن ننتظر الكارثة لتقع».
المطلوب: تطوير منظومة وطنية متكاملة
«التعامل مع كارثة الحرائق، خاصة بعد سنوات من إهمال إدارة الغابات، لن يتم في موسم واحد. ما تحقَّقَ في إخماد الحرائق الأخيرة كان إنجازاً حقيقياً نظراً لحجم التحديات والإمكانات المحدودة، لكن الأهم أن يكون نقطة انطلاق نحو جاهزية أعلى، خاصة وأن اندلاع حرائق جديدة أمر محتمل مع استمرار عوامل الخطورة من ارتفاع الحرارة والجفاف والرياح والغطاء النباتي الجاف»، يتحدث وسام زيدان مدير برنامج البحث والإنقاذ في الدفاع المدني السوري، للجمهورية.نت.
يعمل الدفاع المدني ضمن الإمكانات المتاحة على مجموعة تدخلات، منها إبقاء فرق مراقبة في الميدان وتسيير دوريات رصد، والاستعانة بالطائرات المُسيَّرة المتوفرة لمتابعة البؤر الساخنة، وتجهيز نقاط مياه متقدمة للتدخل السريع، وتوريد المعدات الأساسية من خراطيم وقواذف ومواد الإطفاء الرغوي، وتوزيعها وفق طبيعة المناطق ومستوى الخطر.
وتتابع الفرق، منذ شهر تموز (يوليو) الفائت، فتح خطوط نار وعزل إضافية لتأمين وصول فرق الإطفاء، وتعزيز دور أنظمة الإنذار المبكر المتوفرة من خلال تفصيل تحديثات الخرائط حسب مواقع الخطر، واعتماد قنوات اتصال تتيح الوصول للمعلومة من قبل الفرق الميدانية بشكل لحظي. وعلى المدى البعيد سيتم إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لمكافحة الحرائق، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإدماج خطط الوقاية ضمن السياسات العامة لاستخدام الأراضي.
من حرائق ريف اللاذقية الشمالي يضيف زيدان: «نعمل اليوم بكامل طاقتنا بالتعاون مع كل الجهات المحلية والحكومية والدولية، ونسعى لتنظيم توزيع الموارد بما يضمن أقصى استفادة منها، لكننا نواجه قصوراً واضحاً في بعض الإمكانات الأساسية. الكثير من التدابير يجب أن تُنفَّذَ كجزء من مرحلة الاستعداد السابقة لموسم الحرائق، وهو ما نخطط له ابتداءً من الموسم القادم، ومنها: توفير طائرات إطفاء وسيارات دفع رباعي للمناطق صعبة الوصول، وإنشاء شبكة اتصالات طارئة لضمان التواصل عند انهيار الشبكات الخلوية، وإقامة مراكز تدريب وفق المعايير الدولية».
أمّا على مستوى المجتمعات المحلية، وهي عنصر أساسي في الاستجابة، يسعى الدفاع المدني إلى تعزيز التوعية حول السلوكيات الوقائية ومنها عدم إشعال النار وتنظيف محيط القرى، وتشكيل فرق دعم أهلية تطوّعية لتأمين المياه واللوجستيات عند الحاجة، وتدريب متطوعين محليين على الاستجابة الأولية حتى وصول الفرق المتخصصة. كما يجري التخطيط مع الجهات الزراعية المختصة، لإعادة التشجير التدريجي للأحراج المُحترقة، مع مراعاة التنوع البيئي، وتنظيف مناطق الاحتراق من الأخشاب الميتة لتقليل مخاطر اندلاع حرائق مستقبلية، ودعم المزارعين المتضررين من فقدان بساتين أو أراضٍ مثمرة.
-