رستم محمود ..كاتب
لم يكن من العبث أن تعيش السلطة الحاكمة الجديدة لسوريا هذا التناقض في مستوى الاهتمام بين شكل وجوهر ما تنتجه من سياسة. أن تعقد مثلاً احتفالية كبرى بمناسبة إعلان “الهوية البصرية” الجديدة للبلاد، وتخصص للأمر جهداً ووقتاً ومؤسسات بذاتها، وتحول الأمر إلى قضية رئيسية في البلاد؛ لكنها في الوقت عينه تقر “إعلاناً دستورياً” مستعجلاً، كان صورة مُقتضبة للدستور البعثي الذي هيمن على البلاد لقرابة ثلثي قرن. معتبرة الأمر شأناً اعتيادياً وبديهياً وغير ذي معنى.
يقول الحدث، ومثله أفعال ومناسبات كثيرة أخرى، أشياء كثيرة عن هوية النظام الحالي والإيديولوجيا الرافعة له. فهو ليس نظاماً جديداً ومغايراً عما سبقه، إلا بالشكل والصورة، لكنه في مضمون مطابق له إلى أبعد حد، بالذات في النواة، المسماة خيال السلطة عن نفسها وعما يحيطها من عالم.
فبشيء من التعمق، يُمكن القول إن التيار السياسي الذي أطرب مسامع مؤيديه بتسمية نفسه ونفسهم بـ”بني أمية”، أنما كان يسترجع الأسطورة التأسيسية التي أنبثق منها حزب البعث، وعلى قاعدتها الفكرية والروحية شيّد كل خطابه وبرنامجه وسلوكياته. فالعقيدتان، البعثية القديمة والأموية الراهنة، كانت مدينة دمشق لغير صدفة المعقل التأسيسي لكليهما، ترى كل واحدة منهما في هذه الجغرافيا خصوصية فوقية نادرة، مترفعة عن كل خصوصية أخرى. فبالنسبة للبعثيين كانت منبع إشعاع الرسالة الخالدة للأمة، التي لا يُمكن تحقيق سيادتها على غيرها من الأمم إلا عبر تشييد الدولة/الأمة، وبالنسبة للحاكمين الجدد فأنها استعادة لأمجاد الدولة التي خلقت لهذه الأمة أول إمبراطورية في تاريخها، أي الدولة الأموية.
في كلا النزعتين، ومثلهما كل عقيدة سياسية أخرى نبتت في هذه الجغرافيا، تظهر العقيدة السياسية السورية الجوهرية، كنواة كامنة ومتمركزة حول هذا المفهوم، الذي يرى المحيط الإقليمي، وربما العالم، مجرد هامش طرفي للمركز الذي تشكله بلاد الشام. ودليل جوهرانيته هو تطابق مختلف القوى السياسية في التسليم به، رغم اختلافاتهم وحتى صراعاتهم البينية. فالإخوان المسلمون السوريون، ومثلهم البعثيون والقوميون السوريين، وحتى الشيوعيون والليبراليون، كان ذلك الاعتقاد جوهر وباطن وعيهم المستتر على الدوام، الذي يقوم على قومية تبشيرية، شديدة الاعتداد بالذات والمكانة التاريخية الخاصة لهذه الجغرافيا.
في مرحل تأسيسها الأولى، قُبيل انهيار الإمبراطورية العثمانية، وعلى التضاد منها، كانت هذه النزعة القومية المصدر الإيديولوجي لما سُمي “الثورة العربية الكبرى”. فالجمعيات العربية المتمركزة في مُدن بلاد الشام، بالذات الأربعة الداخلية التاريخية، دمشق وحمص وحماة وحلب، كانت التأسيس النظري الأولي لهذه الرؤية السياسية التاريخية، للذات وللعالم من حولها.
كانت الجمعيات والتنظيمات القومية التأسيسية متمركزة حول نفس الفكرة الجوهرية، وإن كانت تملك ترسانة كلامية حول العقلانية والحداثة وضرورة التقدم العلمي والعلمنة الاجتماعية، بسبب تضادها مع الفاعل السياسي العثماني، القائم على إسلام سياسي شديد المحافظة. لكنها كانت تُشيد تناقضها السياسي مع العثمانيين من جذرية استنكارية، تستغرب إذابة الكل الكبير في الجزئي الطرفي، أمة المسلمين العرب في الحاضر العثماني.
في مرحلة لاحقة، اعتباراً من الربع الثاني من القرن العشرين، ومع زوال المسبب العثماني، فأن طابعاً من الفاشية القومية الممزوجة بالعسكرة العنيفة سيطر على تلك الذات السياسية. فالتنظيمات السياسية التي تشكلت في الفضاء الشامي تأثرت من طرف بتحول الفاشي القومية إلى لغة عالمية في الكثير من بلدان العالم، ولم يكن صدفة أن تكون تلك الفاشيات كثيرة الشعبية بين النُخب السياسية السورية، وعلى مختلف تنظيماتها. كذلك كانت نتيجة مناهضتها للحالة الاستعمارية، ولأجل ذلك تراكبت بولاء حازم للعنف والنزعة الحربية. فسوريا التي شهدها العديد من الانقلاب العسكرية، ومارست تجربة ذات ديمقراطية/انتخابية ما، كانت الانقلابيون فيها متطابقين في نزعتهم تلك، وساسة وأحزاب مرحلتها الديمقراطية لم يكونوا مختلفين إيديولوجياً قط في الولاء لتلك الروح والعقيدة السياسية.
الموجة الثانية من القومية كانت رهينة بيد واحدة من أفظع الديكتاتوريات، لكنها مع ذلك لم تفرز ما هو مناهض لها جوهرياً. فالأسدان الأب والأبن محقا مناهضيهم السياسيين على أساس عصبي وسياسي، لا إيديولوجي سياسي. إذ لم يشهد الفضاء السياسي والفكري والإيديولوجي السوري أية جدالات أو مناكفات بين قوى مختلفة فيما بينها سياسياً، ولا يكاد المرء أن يعثر على أية فروق فكرية ومعرفية بين التيارات السياسية المؤيدة للنظام الديكتاتوري الذي كان وبين مؤيديه. فأية فروقات بين الحزب الشيوعي السوري الذي كان يقوده الموالي خالد بكداش، وذاك الذي كان يقوده المعارض رياض الترك!. وبماذا كان حزب الاتحاد الاشتراكي “الناصري” الذي يقوده المعارض جمال الأتاسي مختلفاً عن حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان يقوده المؤيد “صفوان قدسية”!.
راهناً، تبدو تلك النزعة في طورها الأخير، الإسلامي، المستند إلى نفس الآليات والرؤى للذات كمصدر للإشعاع وللعالم الخارجي كذات منبوذة، مع التخلي التام عن مختلف القيم التحديثية التي كانت في الموجتين القوميتين الأولى والثانية. فالقومية الإسلامية التي تتجهز لها سوريا الراهنة، تريد أن تتطابق مع نظيرتها التركية.
المصدر موقع 963