جولان حاجي.. كاتب
1. الشعر الكردي المكتوب في سوريا يعتمد عادة اللهجة البادينية الكرمانجية (الكردية الشمالية) التي تُكْتب بالأبجدية اللاتينية.
2. انتحر الشاعر الكردي مصطفى محمد في حلب خريف 2006، وكان عمره سبعة وعشرين عاماً. كان صديق الشعراء الأكراد أوميد عبدو وريبر يوسف وأمير الحسين الذين أصدروا لاحقاً «كتاب الجحيم/نار وقودها الشعراء»، سلسلة غير دورية تعنى بالشعر وتصدر في سوريا، لم يصدر منها سوى عدد واحد في شباط (فبراير) 2009.
3.التسمية التونسية لمرآب السيارات.
مباراة ليلية
شبّان أكراد يلعبون كرة القدم في المدينة الجامعية بحلب. كان بينهم بعض شعراء هذا الكتاب، وربما لاعب من «أهل الكهف»، اللقب الذي لازمه بعدما سكن قبواً معتماً رطباً عند وصوله إلى المدينة الكبرى. الضحك والصياح والركض في تلك الفسحات بين وحدات الشباب السكنية، على البلاط أو العشب، تحت صنوبرات حلب، يتقاذفون كرةً لا يرونها، صغيرة ككرة التنس، كأنّ نبراسهم في تمارين البراعة هو مارادونا. فإذا طاشت كرتهم كادوا يسمعونها تتدحرج على أدراج المدينة الجامعية، ونزل أحدهم للبحث عنها، فإذا وجدها سدّدها من بعيد كرمية التماسّ الطويلة، واستأنفَ اللاعبون مراوغاتهم في آخر المساء. مباراة ككتابة الشعر، الكرة وهمية لكن اللعب حقيقيّ.
بعد سنين، حين تسنّى لأولئك اللاعبين أنفسهم تلبية هوسهم بالسينما، شاهدوا أربعة أفلام في يوم واحد من أيام مهرجان دمشق السينمائي. ناموا خلال الفيلم الأخير على مقاعد مسرح الحمراء. كان «انفجار» مايكل أنجلو أنطونيوني الذي عُرِض عند منتصف الليل. استيقظوا على مشهده الأخير حيث يلعب الممثّلون بكرةٍ لا يرونها. فوجئ المستيقظون على أحلام خوليو كورتاثر بعد نقلها من قصّته القصيرة إلى الشاشة، وما كانوا قد قرأوها من قبل، فدخلوا ذاكرتهم كمَن يدخل حلماً.
أمسية في مدينة الحبّ، أمسية في سفينة الحبّ
في أيّ بيت من بيوت قامشلو دارتْ تلك الأمسية السرّية للشعر الكرديّ، 1حين وثب أحد الجلساء متحمّساً للوقوف دقيقة صمت (حداداً على شهداء مصيبةٍ ما من مصائب قومه التي لا تُحصى)، فانهارتْ فوق رؤوس الجالسين على الأرض المخدّاتُ المنضّدة وراءهم وتكاد تلامس السقف، تلك المخدّات الكردية الثقيلة، الطويلة كالصواريخ؟
بعض من شعراء هذا الكتاب حضروا أمسية علنية بالعربية على مدرج كلية الآداب، المسماة «سفينة الحبّ». حين سمعوا على المنصّة: «الساعة الثامنة منتصف الجرح»، استرجعوا القول المأثور عن الدكتور نضال الصالح، مدرّس النقد الأدبيّ الحديث ونظرية الأدب في جامعة حلب: «وكما قال الشاعر عزرا قاوند ’إزرا باوند‘: ’ألا لعنةُ الله على النقد‘».
الطريق إلى الكعبة يمرّ من عفرين
كان طلبة الجامعة الأكراد جمهوراً عريضاً لمهرجانات الشعر الكردي في عفرين. مطلع هذه الألفية، استعداداً لإحدى تلك الحفلات النهارية في الهواء الطلق، كنا نلتقي في المقصف القديم لكلية الحقوق بدمشق. أطلعني جوان قادو على قصائد قصيرة، مكتوبة بخطّ مروّس وحبر أزرق على أوراق مسطّرة كأنها منتزعة من دفتر مدرسي. كانت لجوان تتر. للأسف، لا أتذكّر منها إلا عصفوراً في الفجر. لكنّي أتذكر قيلولة رائعة في أحد تلك المهرجانات، على الطريق إلى قره جرنه، حيث ابتعدنا عن الاحتفال واستلقينا على العشب. نمنا وشخرنا بين الصخور، حتى فتحنا عيوننا على عيون الماعز الذي أتى يرعى هناك. انتبهنا إلى أنّ نعال أحذيتنا كانت قد انثقبت بالجمرات الخفية بين الحشائش حول مناقل الشواء. في مهرجان آخر بعفرين، كان جوان قادو عريف الحفل. كانت الورقة في يده، والفرقة الموسيقية وراءه تتنظر. خلفية المنصة أشجار قصيرة، وأرضيتها تراب البرية، وأمامها ساقية كانت تنحني وتدور وراء كراسي الجمهور. صديق في الظل يطارد بعصا طويلة يعاسيب داكنة الزرقة. بغتة توقّف جوان عن القراءة. ظهر من وراء الأشجار كبش ملتفّ القرنين واقتحم المنصة، متبوعاً بقطيع من الغنم مرَّ بين الموسيقيين والشعراء. صاح أحدنا: «إسماعيل، أين أنت؟ اذهب إلى المنصة وأمسك قرنيه!» ربما كان المنادى هو المهندس الذي كنا نتفرج معه على دوري أبطال أوروبا، فإذا خسر الفريق الذي يشجّعه في الشوط الأول من المباراة، قال: «انتظروا تروا. الشوط الثاني شوط المدرّبين».
الطير الغريب
«الطير الغريب» كناية كردية عن المفاجأة. وفي هذا الكتاب الذي أعدّه جوان تتر سطورٌ من الشعر نزقة كالطير اليقظان، أو وادعة كالطير النائم.
في تلك السنوات، كنا نقرأ عن أنطولوجيا الشعراء السوريين في جريدة النهار، أو موقع جهة الشعر، أو جهات أخرى. كنا نتفلسف ساخرين، سخرية سمجة حقاً: هل المغاربة، الضليعين في النقد الأدبي، هم الذين عرّبوا كلمة «الأنطولوجيا»، فبلادهم تكتب، على سبيل المثال، «طاكسي» أو «رولان بارط» بدلاً من «تاكسي» أو «بارت»؟ عادة، تعتمد الأنطولوجيات مبدأ معيناً في التمثيل كعيّنات الإحصاء، أو كالعينات من جسد الإنسان ومفرزاته ترسل إلى المختبرات للفحوص الطبية، أو كالعينات المجانية التي يروّجها مندوب أدوية بين العيادات والصيدليات، لولا أنّ الشعر لا يشفي أحداً.
لاستحالة الموضوعية، ولاستحالة الإحاطة بأيّ موضوع، الأنطولوجيات كافة محاطةٌ بالنمائم والتهكّم والأحكام القاطعة المتسرّعة. هناك دوماً قرّاء يطلقون أحكامهم بالطريقة المعكوسة، فيذكّروننا بالغائبين الذين ظُلموا ويتجاهلون الحاضرين أو يطعنون في أحقيتهم، كأن كلّ اختيار ليس إلا تشكيكاً بالمستَبعدين وانتقاصاً منهم. كنا نستغرب أنّ كلمات مثل «التواطؤ» و«الانحياز» درجت في الصحافة الأدبية، ويستفزّنا أنْ تُقْرَن القصائد بصفات مثل «الناجحة» أو «الجيدة»، لا لأنّنا كنا طلبة جامعيين وقتذاك، بل لأنّ تلك معايير خبراء السوق الذين يعرضون للمستهلكين شهادات الجودة ISO. بوسعنا أنْ نتخيّل أشقاءنا الأكراد الذين كانت تغضبهم اختيارات المدراء في المجلات والصحف والمهرجانات الأدبية، فيتساءلون: هل غاب فلان عن مختاراتكم لأنه ليس محسوباً على «شلّة» المحرر، أم هو الخوف من السخرية؟ هل حضر فلان لأن أحد المعارف أوصى به، أو لأنه رفيق من أيام المدرسة؟ كيف يروّج محرّر الكتاب لنفسه بدسّ اسمه وسط الذين اختارهم؟ أين الإيثار؟ كيف أحببت لنفسك أكثر مما تحبّ لجارك أو أخيك؟ أين صالح حيدو وبيه بوهار وبافه نازه وجان بابير وبافه فاطمة…؟
لكن مختارات جوان تتر، في بساطتها وتواضعها، بعيدة عن ضوضاء تلك النقاشات القديمة، المشبعة بالكثير من روائح السجائر والشاي والكحول الرديء. ليس كتابه (مختارات الشعر السوري الحديث) التي أصدرتها في مجلدين احتفاليةُ دمشق عاصمة الثقافة العربية سنة 2008، ولا أنطولوجيا بيروت 39. في كل الأحوال، ليست الذائقة معياراً دقيقاً، لأنها قد تميل إلى الضحالة والرداءة، المدهشتين أحياناً، كما تميل إلى العمق والإتقان، المبهرين غالباً. نشاهد هذا التجاور في بعض من أمّهات الكتب في التراث العربي التي لم تكن إلا تجميعاً هائلاً لما تداوله الرواة من قبلهم. مرة أخرى، ليست هذه حالة جوان تتر الذي ترجم ما أحبّ ليس إلا. لم يتزلّف إلى أحد، هو الأعزل من أيّ سلطان داخل الثقافة وخارجها. أيُّ محرّر في مثل هذا النوع من الكتب، قد يصيب في اختيار الشاعر، ثم يخطئ في اختيار قصيدته.
لعلّ أجمل ما في أخطائنا ضحكات أصدقائنا.
أسئلة شابّة
(إلى مصطفى محمّد) 2
الظلّ أرض الشعر. سدى كلُّ الرسائل التي يوصي بها نجوم الفنّ والسياسة، آمرين: «اشتروا هذا الديوان. اسرقوه. قرصنوه. يجب أنْ تقرؤوه».
ألا يتّجه الشعر إلى الخروج من ساحة الفن ليبني حياة أخرى، لا حنيناً إلى براءة ثانية، بل شوقاً إلى عالم آخر يُبنى من تفاصيل الأحاسيس وذاكرتها، لأن الفقر الأعظم هو غياب العالم المحسوس؟ ما ألذّ تلك المتعة حين يختلّ توازنك قليلاً، ولكن ما أسهل الوقوع في أحابيل تلك اللغة المرهِقة التي جاهدتَ لتنحتها، ما أسمج تلك العواطف التي ابتذلتَها لفرط ما طاردتها ونقّحتها. ما جدوى كلُّ هذا الكدح للعثور على أسلوبك الشخصي ما دمتَ ستنتهي سجيناً فيه، فتضجر مما تكتبه قبل أنْ يضجر سواك؟
أين الذين كتبوا ولم يكن لهم أيُّ أهداف، فوهبوا بعبثِ لهوهم معنىً آخر لجمال الأيام؟ هل هذياناتهم الصغيرة أجمل ما شهدناه في سنوات الجنون التي لا نزال نعيشها؟ كل الواعدين الذين نكثوا وعودهم ولم يكملوا ما بدؤوه، فلم ينشروا كتاباً واحداً، ولم يعرفوا مكاتب الصحف ولا دور النشر ولا عناوين النقاد. الشبّان الذين ظلّوا شباناً لأنهم انتحروا…
مأوى بمقابل 3
ما أقسى الوحدة في أيّام الشباب، وما أصعب الشفاء منها. أقرب إلى اللعنة. ليس الشاعر الشابّ في أيّ برج لأنه مسبقاً في الشارع الضاجّ بالآلام، حيث يغيب الله ويغيب المكان الذي يرحّب به. ولأنه يعي جيداً ندرة المستمعين إليه، يعرض عن الآلهة الجديدة التي تتحكّم بمصير الإنسان. ليست القصيدة المنبر الذي تعلو فيه الآلهة كما في المعابد والبنوك، لأنها المكان المشاع للجميع، لأنها للإنسان في وحدته حين يتقاسمها مع سواه. الحياة قداستها الوحيدة، غير أنّ الواقع أسوأ مما يُرتجى. الحقيقة انفجرت في شرق المتوسط مثلما انفجر الواقع، والشاعر تائه بين شظاياهما، يلملم حطام قصائد ضارباً أخماس الحقيقة بأسداسها.
لا تجزي القصيدة شاعرها مالاً ولا صيتاً. لا يحصد الشعر نقوداً ولا جوائز. غالباً، لا الصحف ولا دور النشر تدفع للشاعر إذا نشرتْ له شيئاً. يقول الشرفاء والأفاضل إنّ الشاعر ليس قوّاداً ليتلقّى عمولته لقاء بيع مومساته. ثقافة الاستبداد كثقافة الديمقراطية سارت بالشعر إلى نهاية القصيدة وفقر الشاعر، ثمّ فوّضته الحديث عن الجمال والرغبة والطفولة والطبيعة والحرب، وما يتخلل هذه الأقانيم من غضب ومخاوف وكوابيس. لكن أين يقع هذا الجمال الذي يُقال إنه الحلّ الوحيد الذي سينقذ الناس؟ القصيدة أفق القلق ما دام الله عمود الطمأنينة.
راية الحرية
«الله» مذكّر «اللاهة»- أحد أسماء الأفعى في لسان العرب الذين عبدوها قبل الإسلام.
كنا نستلذّ بخرافات الطبري ونحوّرها أحياناً. إحداها أنّ للشيطان صورة في جوفِ كلّ أفعى لكنّها لا تُرى إلا إذا انعدم النور، وأنّ أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون لأنّ للأفعى مئة ضلع، والمئة رقم الكمال والشؤم.
حين أصدر جوان قادو ديوانه الأوّل الأفاعي العمياء 2003 (سرّاً في طبعة غير مرخّصة)، ذكر أنّه استوحى إحدى قصائده من قصيدة لحم الذكريات لمارك ستراند. في لحظة سُكْر، وصف جوان «صحافياً قوياً» تطاول عليه في جريدة الحزب الشيوعي قاسيون: «هذا قلمه من فولاذ». رآه أصدقاؤه غاضباً يدخّن عند درج المكتبة المركزية في المدينة الجامعية بدمشق، فلوّحوا له بـ «لفّاحياتِهم» من وراء الدفلى، وصاحوا قصيدة لرياض الصالح الحسين راجت بين الطلبة: «انظروا إليه/ما زال يحمل راية الحرية». المتهكّمون بالشعر زادوه تعلّقاً بكتابات خ. ل. بورخيس و ف. بيسوا، فهذان يمنحان اضطرابه حريةً أخرى، متعة ألا يكون أحداً، كأنهما مرآة تحقّق له حلم الاختفاء لا شهوة الظهور، إذْ يناقضان نفسيهما ويتعدّدان بالأساليب والأصوات إلى حدود قصوى، حيث تمّحي الأنا ويرقّ الحزن وتفقد المعاني الواضحة سطوتها.
نجاة اللسان
جوان قادو شغوف بالمخلوقات الخيالية في معجم خ. ل. بورخيس. تلك الحيوانات الخرافية، بأجسادها الهجينة المركّبة، المتناغمة والمشوّهة في آن واحد، الأدعى إلى الضحك منها إلى الرعب، ألا تصلح كصورة مُثلى عن لغات المنفيين؟ يترجم جوان من العربية والألمانية إلى الكردية. ترجم تأملات لفالتر بنيامين من شارع ذو اتجاه واحد، وقصائد لزكريا محمد وسكينة حبيب الله…
موسوعة الكردي السوفييتي جليلي جليل، المطبوعة في يريفان، ترافقني منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ أن دلّني جوان إليها. إنها منجم للغرابات الصغيرة التي تداولتها أجيال من أكراد سوريا شفاهاً، ونجت من التهجير والإبادات عبر ألف عام من جهنَّمات الشرق الأوسط. كان أحد أجزاء الموسوعة مع جوان حين جلسنا في موقف باص ببرلين، وقرأنا هذه الأحجية:
(Odeyek şuştî miştî
Xatûnek tê de rûniştî.)
(غرفة مغسولة ملآنة/الخاتون فيها جالسة). من بديع الجناس بالكردية هنا الشبه الصريح بين اللسان والزمان. لا أحد يجادل إزاء غرابة الأحاجي أو غموض الشعر في صورها لأنها خطوات قصيرة تردّنا بسرعة البرق إلى طفولتنا.
في ذلك الصيف 2019، كان جوان يعدُّ ديوانه العصافير أكلت لساني، وكنت أعدّ محاضرة بالإنكليزية سألقيها في لندن استلهمت عنوانها من أوسامو دازاي: حكاية يرويها عصفور مقطوع اللسان. استضأتُ بالذكرى الأولى في طفولة إلياس كانيتي، حين ينفتح باب في غرفة حمراء يخرج منه رجل مبتسم، فيتودّد إلى الطفل، ويقول له: «ارِني لسانك»، وإذ ينصاع يُخرِج الرجلُ مطواة من جيبه، ثم يفتحها ويقرّب المدية على مهل، حتى تكاد تمسّ لسان الصغير. عندئذٍ، تُسْمَعُ تلك المزحة الفظيعة: «والآن سنقطع له لسانه!».
لعلّ أسمى ما في الشعر هو وقوف الطفولة في وجه الموت. أحياناً، اللسان المقطوع وسيلة نجاة كذيل السحلية التي تُسمّى في الكردية «وسادة الأفعى». إذا أمسك الطفل بذيل السحلية حين تنتظر فريستها قرب المصباح، ثم هزّه فسيسمع رنيناً عذباً كأجراس التيوس حين تخوض الماء، وستتحقّق أمنيته. ستنهض الأفعى من نومها لتزوره في الليل، حاملةً إليه بفمها جوهرةَ الأحلام.
أين العرب في قصائد كافافيس؟
لا ينقطع جوان قادو عن الرجوع إلى الشعر الكردي الكلاسيكي، الكرمانجي أو الصوراني، من ملايه باتي إلى بابا طاهر همدان وقانع والمحويّ… الأقرب إليه هم الشعراء المجهولون في الأغنيات الفلكلورية، وشاعراه الأثيران: ملايه جزيري وفقِّهْ تيران (فقيه الطير)، لكنّ قصائده تتحاشى الكلماتِ البليغة التي تدوّي أحياناً في قصائد المناسبات القومية، يدبّجها «شعراء التوتّر العالي، خطر الموت».
حياة الكلمة تُلْمَس في صوت الإنسان وجسده لا في الكتب. يُقال إنّ كافافيس كان يختبر الكلمات اليونانية القديمة التي استخدمها في قصائده، وذلك بقراءتها على العتّالين اليونانيين-المصريين في ميناء الإسكندرية، فإذا فهموا الكلمة البائدة أبقاها في قصيدته. لكن أين العرب في قصائد هذا الغريب الذي قضى عمره في الإسكندرية؟ لا أدري أين اختفوا. كلمة pothos اليونانية التي استخدمها بمعنى «الرغبة» تشير تحديداً إلى الموجودات المختفية. غيّب الشاعر «أناه»، ذاهباً لمحادثة الموتى في أرضٍ أخرى.
الحبسة
يبقى الشاعر الكردي الذي يكتب بالعربية غريباً في لسان غريب، فأيّ حال للشعر الكردي المترجم إلى العربية؟ كانت الكردية لغة البيت والشوارع والأسواق، لا يكتب بها بين أكراد سوريا إلا قلّة احتالوا على منعها، فتعلّموها بمفردهم في السرّ، كشعراء هذا الكتاب. اللغة العربية للمدرسة والمؤسسات الرسمية وعلى الراديو والتلفزيون… إنها لغة الكتب التي حاولت بها كتابة صمتي. امتحنتُ نفسي في الفصاحة الكردية لمرة يتيمة وأخفقت. حاولتُ أنْ ألقي شعراً بالكرمانجية أمام الجمهور في مكتبة الشعر بلندن. كانت قصيدة لجوان قادو شاركتُ في ترجمتها إلى الإنكليزية. تلعثمت حتى انحبست الكلمات في فمي فلم أكملْ. كأن تلك الحبسة أكّدت لي أنّ الكردية لغتي حين أحدّث أهلي وأصحابي، حين أحلم أو أكلّم نفسي، لأنّي شريد اللغات، وما عدتُ مقيماً حقاً في أيّ لغة. إنْ كنتُ قد تأتأتُ أمام انسياب لغة جوان وصوره الآتية من الطفولة التي أعرفها، فكيف سأقوى على خوض ترجمة كاوا نمر لـ يوليسيس جيمس جويس التي تفانى في «تكريدها» سبعة وعشرين عاماً، مالئاً عشرات الدفاتر بمجازات الأكراد وتعابيرهم وأمثالهم وحتى كلماتهم الميّتة، جمعها من قراءاته ولقاءاته بالمسنّين، ناحتاً من اللاتينية واليونانية ما لا يجده في لغته الأمّ التي تنحدر، شأنها شأن الإنكليزية، من العائلة الهندو-أوروبية؟.
الحسرة لأنني لن أستطيع أبداً الكتابة بلغتي الأم، أنا الراقد في ظلّها العميق، وماء ذاكرتها يجري داخل كل كلمة أكتبها. لن أتمكن أبداً من إجادتها تلك الإجادة البديهية التي تقتضيها عادة كتابة الأدب. لن يعوضني شيء عن هذا الفقدان، لا سحر لسان العرب ولا اهتمامي المديد ببعضٍ مما يسمَّى «ألسُن الأقليات» في أوروبا.
«الأحداث»
مطلع هذه الألفية، كنتُ ألتقي جوان قادو وشيرو هندي ورفاقاً آخرين في حارة الأحداث بقدسيا غرب دمشق. كنا نتبادل الزيارات في أيّ وقت من الليل أو النهار. مرة، كنتُ عائداً مشياً من الهامة، متسكّعاً وحدي في الساعة الثانية ليلاً، فزُرتهم. كان خال شيرو يقرأ رواية لدوستويفسكي تحت مصباح ضعيف في المطبخ. في مرة أخرى، بالقرب من تلك الشقة المستأجرة، سمعت ضجة أولاد سكَتَتْ فجأة. سقطت بقربي كرة قدم هبطت من السماء، فإلى أين كنتُ سأعيدها؟ لمن؟ تلفتُّ، ثم رميتها من فوق سور متوَّج بأسلاك شائكة، مُستبشِعاً هذا التحصين بتسييج المنازل والمدارس كأنها سجون. في الواقع، كانت الكرة قد طارت من باحة سجن بالفعل. في تلك اللحظة، عرفتُ أنّ اسم «الأحداث» عائد إلى سجن المراهقين الذين رأيتهم من نافذة الشقة. كانوا يلعبون في باحة المدرسة التي تحوّلتْ صفوفها إلى زنازين. أحياناً، كانت السهرات تشتعل بنكات رشيد صوفي ثم تهدأ بعزفه أغنيات محمد عبد الوهاب على العود، أو غناء مزكين طاهر للأغنيات الكردية القديمة التي كانت عمّتها تغنّيها، فإذا وصل سهرنا الليلَ بالنهار سمعنا المساجين الصغار يهتفون بشعارات حزب البعث في تحية العلَم. قد تقسو شمس الصباح على السهارى والسكارى وتملؤهم حزناً، فما بال مَن يراها تشرق على سجن؟.
خدمة العلم، المهانون يضحكون أيضاً
أدّى شيرو هندي الخدمة الإلزامية في الحرجلة، قرب الكسوة جنوب دمشق. هناك، في الثكنات، قرأ كتاب الشعر الفرنسي الحديث (بترجمة بول شاوول). كان يروي لنا يومياته، حين يزورنا في الإجازات:
«كان العقيد المسؤول عنا، واسمه علي زهيرة، فيلماً من أفلام الله. سألني عند وصولي:
-شو ولا، أنت برزاني ولا أوجلاني؟
-لا هذا ولا ذاك. أنا سوري.
-والله، شواربك شوارب أوجلان!
المسافة بين الحرجلة والكسوة قصيرة، كان يقلّني بسيارته العسكرية لكيلا توقفني الحواجز عند ذهابي «الليلية» من دون إذن، فأسأله قبيل نزولي: «بدّك شي سيدي؟» فيجيبني بالتلميح إلى الهدية التي يجب أنْ أجلبها عند رجوعي: «سلّم لي على الكاجو!»
بصفتي رئيس القلم في القطعة العسكرية، كانت إحدى مهامي هي الـ «تطقيس»، فيرسلني العقيد لأسأل العساكر الجدد عما بحوزتهم من نقود لتحديد تسعيرة السماح لهم بالنزول في الإجازات كلّ شهر. كانت الشيفرة بيننا هي «احقنه!». مرة، اصطحبتُ إلى مكتبه مجنّداً صغير السنّ ضئيل الجسم وصل للتوّ، فخوّفه بمصاعب الجيش هنا وهوّل من العقوبات وقسوة تمارين الرياضة… إلخ. ثم أمرني: «خذه احقنه!» كنت وقتذاك رياضيّ الجسم، حليقَ الرأس عريضَ الشوارب. بعد خطوات من مغادرة المكتب، ارتمى الشابّ على الأرض، متوسّلاً بين تلك المهاجع، وقبّلَ يدي: «يا حضرة، أرجوك، حبّاً في الله لا تحقنّي!» فأنهضته لأخبره أنّ «الحقنة» هي إبرة المعلومات التي تشرح طريقة تقديم الرشوة. وفي مرة أخرى، أتى شابّ مجنّد من دير الزور. كان خياطاً في مشغل للألبسة النسائية. استدعاني العقيد، وسألني:
-هل تفهم ما يقوله هذا الخنزير؟
-سيدي، اللانجري هي الثياب الداخلية مثل السوتيان والكلسون…
-آه، أنت تشتغل للشراميط؟ لانجري… ساركوزي.
بحكم دراستي في معهد الآثار، كنت أرسم خطوط المدافع والدبّابات. رسمتُ إحدى الخرائط العسكرية مدقّقاً حتى تعبت. واقفاً عند الطاولة، فوق رأس العقيد، راقبته يفتّش عن العيوب في رسومي، وبدأ ينتقدها. ثم سألني:
-هل تفهمني؟ أنت كردي، فهل تفهمني فعلاً؟
-طبعاً سيدي. درست الجامعة بالعربية، وأفهمك جيداً.
-لكني لا أرى هذا الفهم على وجهك!
يبدو أنني كنتُ أصغي وأصمت بالكردية».
شارع السفارات
لا جبال في الجزيرة السورية. قصائد شعرائها قصائد السهول والتلال. كان شقيق صديقنا، من الأكراد أجانب الجزيرة المحرومين من الهوية السورية، مراهقاً حين «ذهب إلى الجبال» (كناية عن الالتحاق بحزب العمال الكردستاني). غاب لسنوات طويلة مقاتلاً في مرتفعات كردستان، الشاهقة الوعرة. عاد إلى أهله موجوع الظهر، ثم زار دمشق للمرة الأولى ليراجع طبيباً للأعصاب. تدبّر له الأصدقاء موعداً لعملية «الديسك» في مستشفى المواساة. كنا متوجسّين، لأنه دخل المستشفى بهوية مستعارة، مستغلاً الصورة غائمة الملامح في بطاقات الهوية القديمة. كما خشينا اختلاطات التخدير لنحوله الشديد (كأنّه عبَرَ حلق الأفعى ونجا، كما يقال بالكردية). عند صعوده من كراجات جسر الرئيس باتجاه أبو رمانة، سأل أخاه مرافقه: «ما هذا التلّ البنيّ؟» ولما عرف أنه قاسيون، جبل الحنين الذي مجّدته القصائد والأغنيات، قال: «رغم وجع ظهري، بمقدوري صعوده في نصف ساعة».
ودّعت شيرو في هذا الشارع نفسه. كان مساء دافئاً في شباط 2011. مشينا طوال العصر من ساحة العباسيين إلى شارع التحرير فشارع بغداد. صعدنا «نزلة الجسر الأبيض»، وعبرنا شارع وزارة الثقافة، للوصول إلى الاعتصام الثاني قدام السفارة الليبية في أبو رمانة. رآنا عادل، بائع الجرائد عند مقهى الروضة. لوّح لنا مشيراً بيديه كلتيهما، ولم نفهم قصده. لم نرَ متظاهرين أو معتصمين. صعدنا إلى ساحة الروضة، حيث قاسيون بوجهه الترابيّ العريض مشرف على العاصمة. حوصرنا بالدروع الشفافة لقوات حفظ النظام، حتى مثولنا قدام ضابط بلباس مدنيّ عند ناصية المركز الثقافي البريطاني القديم. أكاد أشمّ، الآن في ذاكرتي، الزنخ المحبوس تحت بريق ملابسه- طقمه السموكينغ الرصاصيّ اللمّاع، وقميصه الورديّ، وابتسامته الملساء كذقنه الحليقة. «هوياتكم»، أمرنا أحد المجنّدين. ناولت الضابط بطاقة نقابة الأطباء، واهماً أنها قد تغير شيئاً. «اختصاصك دكتور؟» فتعمّدت القول: «السرطان». قال: «الله يبعدك عنا ويبعدنا عنكم»، وأطلق سراحنا. لحسن حظ شيرو، لم يفتّشونا. كانت معه قصيدة كتبها بالكردية على ورقة من دفتر موسيقا، مطوية في جيبه الخلفي. أظنّها قصيدة ساخرة عن صور الأسود على زجاج السيارات.
بنزولنا إلى ساحة المدفع، رأينا بعض الأصدقاء هناك في اعتصام صغير يوزّعون الشعارات. الورقة التي وصلت إلينا أنا وشيرو كانت: «بلاد العرب أوطاني». تردّدتْ أيدينا حائرين ماذا سنفعل بهذا الكلام. كيف لنا أنْ نرفع نشيداً كهذا؟ اعتذرنا مُمازحين بسؤال: «أين ’سوريا يا حبيبتي اعدتِ لي كرامتي‘؟».
كان ربيع سنة 2011 بداية التحطّم الهائل الذي لا يزال مستمرّاً في سوريا، قبل أنْ تنضافَ خرائبُ الآمال إلى خرائب الأمكنة. لاحقاً، في المناطق التي يقطنها الأكراد، اجتيحت رأس العين (سري كانيه)، وجرى تدمير كوباني ثم احتلال عفرين، ولم ينسَ الذين يوجّهون مُسيّرات بيرقدار التركية أنْ يقصفوا، ضمن كل ما دمّروه في روجافا، مطبعة للكتب الكردية في قامشلو…
أتذكّر شيرو هندي وخوشمان قادو يلتحقان كمصوّرَين بالمقاتلين الأكراد الذين حاولوا الدفاع عن مدن احتلَّها الجيشُ التركي ومُوالوه من مقاتلين سوريين. ربما ليس هناك كرديّ سوريّ لم يعرفْ عن قرب شاباً أو شابة قُتلوا في المعارك ضدّ داعش. آلاف الشهداء شباناً وشابات. أحدهم هو جاري شويش الذي أتذكره طفلاً يتسلّق الجدار بين باحتينا ليقطف التوت الأبيض. إحدى الشهيدات في تفجيرات داعش كانت حلبجة، زوجة شيرو هندي وابنة الشاعر الكردي طه خليل. بأي لوعة بكيتها طويلاً حين رأيتُ صورتها تتوسّط كتفيهما على التابوت الملفوف بعلم كردستان.
الآن، ثمّ هنا
قد يسمّي الأكراد أولادهم «جوان». هكذا تلازم الابنَ صفةُ «الشباب» طوال حياته.
بوسعك أنْ تكون ماضوياً، أيها الشاعر الشابّ الذي تلقّى نصائح الكبار ورسائلهم التوجيهية عبر العصور بشتّى اللغات. وإذا كنت كردياً فاحتذِ الأساليبَ المكشوفة التي اجترحها الشعراء الموتى، من الملحمة ورباعيات المتصوّفة إلى حماسيات القضية والالتزام، من مم وزين أحمده خانه إلى من أنا (Kî me Ez) لجكر خوين (بعدما شقّ جبّته كما قال، لأنه، أي جكر خوين، انتقل من دور الملا رجل الدين في القرى الكردية إلى المناضل الشيوعي، ثم انتهى شاعراً قومياً لأكراد سوريا، قبل رحيله عن العالم في منفاه بستوكهولهم).
ما دامت الصحافة تتجاهلك، ولا أحد يلتفت إليك، فلماذا لا تكتب عن نفسك باسم مستعار لتهجو نفسك، مثلما تمنّى الحالم الأعمى بورخيس؟ القرن العشرون انطوى. لا تقدُّمَ في الشعر. لا تحليق بالكلمات. لم ينتقلْ أحد من ركوب بيغاسوس أو امتطاء البراق إلى الطيران بصاروخ إلى المريخ. لا تتقدّم الهايكو على قصائد الإسكيمو التي كتبها الصيادون القدامى، ساذجة، وجيزة كالتعاويذ المعاصرة غائمة المعالم. ألا يجدر بك كالسائر في الضباب الملوّث أنْ تصنع من مجهولك الخاصّ قصيدتك الخاصّة بنت وقتك، بعيداً عن الأوهام القتيلة لربّات الإلهام، بعيداً عن الاتّجار بالكلمات؟ أتكون المعاصرة هي الأصالة الوحيدة الممكنة، وأنت عائد إلى ماضيك الشخصي، آتياً من ماضي أمّتك التي لم تكن خير أمّة أخرِجَتْ للناس، وليس بوسعك ادّعاء تمثيلها في أيّ حال؟ كيف ستكون، في آنٍ معاً، شاعراً كردياً وابن هذه اللحظة الهائلة من فوضى العالم ويأسه وآلامه؟ لربّما «الآن» هو الأولوية، ومن ثم «هنا». أيُّ «هنا» لا تزال مزعزعة بالتهديد، كأنّ المكان دوماً هناك، والحياة كلها ذكرى. جازف واصبر حتى يفارقك الغثيان الذي يتربّص ببداية كل مغادرة، كمن يركب البحر في زورق من زوارق الموت.
هذا عصر الأنطولوجيات. تعلم أنّ هناك شعراء رائعين لا يصلحون لأنْ تقتبس منهم مقطعاً واحداً للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. إلى أين ستتجه أمام هذا الكمّ المهول من المعروضات في الواجهات وعلى الشاشات؟ ما دامتِ السوق تنطق باسم القارئ العاديّ، موفّرة له ما يشاء من الملخّصات السريعة لتيسير الفهم وتبسيط كل شيء، من الفلسفة إلى علم الفلك، فكيف ستؤلف كتاباً يلخّص الكرد وشعرهم وخجلهم وتردّدهم وطيبتهم…؟ لماذا لا تلفّق كتاباً كلّه اقتباسات من صفوة الأسماء؟ الأنطولوجيات مداخل عادة، ولهذا ستبقى معلَّقاً عند المدخل، إما لأن بيتك لم يُبْنَ أساساً أو لم يكتمل بناؤه، أو لأنّه تلاشى بعد قصفٍ ما في حربٍ ما.
القصيدة الفلتانة
«كتب توفيق الحكيم مقالة في ’أخبار اليوم‘ مهاجماً ما يُسمَّى ’أدب الحياة‘، قائلاً إنه ’فنّ نسوان والأدب الحقيقي هو الفكر‘، ومن ساعتها وكل أصدقائي ينادونني: ’يا مَرَة‘»، يكتب نجيب محفوظ في ختام واحدة من رسائل شبابه.
بورخيس، على المقلب الآخر من العالم، مثال مطروق عن حضور الفكر في الأدب. لم يعدَمْ مَن وصفوه، سرّاً وعلانية، بالعنين والمستمني.
في الحسكة، على ضفاف الخابور، النهر الذي تحتجز تركيا ينابيعَه حتى سلّمتْ روحَه إلى الغبار، كنا نجهل مقدار الرأفة في قلب الشاعر الكردي الكلاسيكيّ سيدايه تيريج (Seydayê Tîrêj) حين قال إنّ قصيدة النثر هي «القصيدة الفلتانة».
كنا في طيش فتوّتنا نلهو بالقول إنّ الشعر الكرديّ القديم يسهل ارتداؤه، إذْ أنّه بعموديه يشبهُ العباءات. الشعر الحرّ عارٍ. عُريه، المكروه والمقلق، قد يحرّض على السخرية. شعراؤه الأكراد عاديون، ولا خوارق في تجاربهم. ليس لهم أنساب عريقة تصل جذورها إلى «شرفنامه» الأمير شرف خان البدليسي. لَاحقوا طفولاتهم وأحلامهم التي وسمت مخيلتهم، تاركين وراءهم الملاحم والقوافي والأوزان، المونولوغات الدرامية والغنائيات المطوّلة. رغبوا عن هذْرِ الردود ضد الذين احتقروا لغتهم الأمّ، واصفينها بأنها أدنى وأفقر من نظيراتها في الدول الأربع التي تتوزّع أقاليم كردستان. لم يكتبوا رسائل من تحت الأرض، أو من السجون، أو عالم ما بعد الموت. طفولتهم أرض خيالهم التي ليس بمستطاع أحد أنْ يسلبها منهم. ضحكوا ممن وبّخوهم باسم الأصالة: «هل ما تكتبون قصائد حقاً؟ أيُعقل أنْ يَحتمِلَ الشعر ترّهاتكم؟». شبهةُ بعضهم، في تجريبه المنفتحِ صعبِ التأطير، أنّ نظرته إلى العالم منتحلَة من الأدب المترجَم. قلقون ينضجون ببطء في بطش الزمن بمن أحبّوا وما أحبوا. الحياة تنبض من حولهم في الأيام العادية، وعليهم الإنصات إليها، غير مستعجلين اللحاقَ بها لأنها تفوتهم. مغمورين بأحزان مسقط الرأس ومصائبه وصموده، أو محبَطين في كآبات المنافي، يبتكرون أمكنة بسيطة كشجاعة المكان الذي ولدوا فيه. ستحاول القصيدة، في هشاشة وجودها، أنْ تسترّد نصيبها من الغرابة والصدق وسط طغيان العنف والأكاذيب. وسط العبث الذي يتخبّط فيه عالمنا الآن، أنظر إلى تهوُّرِ البدايات التي عشناها، فأقول لنفسي: كنّا في المستقبل.
ضيوف الضيوف
ثمة كنزٌ من الأشياء الزائلة، كنزٌ من الرقّة لا يعرف أحد مكانه، وبعض الشعراء يحاولون العثور عليه. تحت كلِّ لغةٍ خلوةٌ، غارٌ أو غرفةٌ أو قبر، جُحرٌ أو وكر أو عشّ، هو المكان الذي تختبئ فيه قصيدة ما أو تنام، كالطير أو النحلة أو الهارب من الموت. الدليل طنين ناعم، أو لمعة العين التي تلوح وتختفي كالبرق، أو لهاث أنفاس تثير قليلاً من الغبار وبالكاد تهزّ ورقة عشب. ثمة قصائد تُكتب على الطريق إلى ذاك القلب الرقيق والمنيع الذي تخفيه اللغة، حيث تواسينا أخواتنا وإخوتنا من الزهور والحيوانات.
ليس عالم الشعر واسعاً ولا آمناً، ونحن نواصل السقوط، دون أن ندرك إلى أيّ درَكٍ سننتهي. نسقط حتى أثناء القراءة، من لحظة إلى أخرى، من سطر إلى الذي تحته. إذا تسنّى لكم الدخول إلى هذا القلب الكردي المنقول إلى جسد لغة الضادّ فتأملوا الصور المبعثرة على الجدران، ولا تطيلوا الوقوف عند هندسة المكان ولا تتحقّقوا من متانة الأثاث، لا تلوموا صاحبه لماذا رتّب عباراته على هذا النحو، وهل تقصّد حقاً أنْ يهمل الأناقة. إذا صادفتكم الفوضى فلا تستهجنوها لأنها كفوضى أصدقائكم. لن يخجلوا من تواضع المأوى إذا فاجأهم ضيف بالزيارة، لأنكم يا ضيوف الضيوف لستم غرباء هنا. لن تكونوا وحيدين في هذه البساطة. قد تتفرّجون على لعبة من ألعاب الشتاء، أو تسمعون، من وراء السطور، الدعابات والمنامات والكوابيس وذكريات الفشل في الحبّ، كتلك التي تُروى في مؤانسات الليل، بين الأهل والأصحاب المقرَّبين، بعد انصراف الوعّاظ والوُجهاء وانفضاض المعزّين عن خيمة العزاء.
*****
كتبتُ هذه الكلمات بشيء من العجالة، خلال وقت قصير مستقطع من الاستغراق في قراءة المسيحية المشرقية القديمة. روى إسحاق النيصي سيرة شقيقته في كتابه حياة كاترينا، وفيه نرى كيف أسَرَ المحاربُ قلبَ القدّيس ببضع كلمات. كان لإعجابه بالإسكندر الكبير سببٌ وحيد لا يتّصل بالبطولة والمجد، ولا بالمفارقة بين تعفُّفِ التقوى وجنونِ الطموح، وإنما لأنّ المقدونيّ الذي قتَلَتْهُ الحمّى في شبابه قد قال ذات يوم: «كنزي هو أصدقائي».
هذا النص مقدمة كتاب «نقتفي أثرَهم نخطئ طريقَ البيت»، مختارات من الشعر الكرديّ المعاصر، ترجمة: جوان تتر. يصدر قريباً لدى منشورات «مرفأ» في بيروت.
الصور المرافقة من مجموعة الفنان السوري الكردي عبد الكريم مجدل البيك، التقطها في قريته «موريك» شمال شرق سوريا، سنة 2008. تُنشر الصور بالاتفاق مع الفنّان.
المصدر الجمهورية .نت