-
بشار شيخ.. كاتب
-
-
منذ مطلع القرن العشرين، مثّلت بلاد الشام واحدة من أبرز مواقع التصدُّعات البنيوية في النظام الدولي الحديث، حيث تقاطعت مشاريع الاستعمار الاستيطاني مع إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط وفق منطق القوة ومصالح الرأسمالية العالمية. لم يكن وعد بلفور ولا اتفاقيات سايكس–بيكو مجرد محطات تاريخية، بل لحظات تأسيسية لهيمنة قانونية وسياسية اقتصادية جديدة أعادت تعريف السيادة والشعب والدولة في المنطقة، تحت وصاية القوى الاستعمارية وآخرها الاحتلال الإسرائيلي. وإذا كانت سوريا قد عانت من أشكال متعددة من الاحتلالات والتدخل الخارجي، ثم ثنائية الثورة/ الحرب المُركَّبة بعد 2011، وما رافقها من ضياع مفاهيمي بين ما هو سلطة ودولة وشعب وما ترتب على ذلك بشأن مسألة الاعتراف الدولي بسلطة الأمر الواقع، فإن فلسطين هي المثال الأكثر وضوحاً على أزمة الاعتراف الدولي: شعبٌ يملك كل مقومات الدولة وفق معايير القانون الدولي، لكنه محرومٌ من الاعتراف الكامل بسبب اختلال موازين القوى واستمرار الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.
هكذا تتبدّى فلسطين وسوريا معاً كبوابتَين لفهم كيف يُنتَجُ القانون الدولي في بنيته المادية بما هو علاقات قوة ورأسمال وهيمنة، لا كنصوص مجردة وضعية شكلية فحسب، وكيف يُستعان بهذه النصوص ويُوظَّف استخدامها في الصراعات كأحد أدوات الصراع لا كمرجع يُحتكَم إليه لإنهاء الصراع.
لا يُختبَر الاعتراف الدولي بفلسطين في قاعات الأمم المتحدة وحدها، بل في الممارسة الدبلوماسية اليومية، في الاقتصاد السياسي للحروب، وفي التناقضات البنيوية بين القانون كأداة لتبرير السيطرة وبين نضال الشعوب من أجل تقرير المصير. من هنا، فإن تحليل مسألة الاعتراف بفلسطين ليس شأناً فلسطينياً محضاً، بل مدخلاً لإعادة قراءة الشرق الأوسط برمّته، من مأساة سوريا إلى الصراع العربي–الإسرائيلي، ومن الرأسمالية النيوليبرالية إلى أزمة النظام العالمي نفسه.
بدايةً، ارتبطت نشأة مفهوم الدولة-الأمة تاريخياً بالتحولات الكبرى في أوروبا بعد معاهدة وستفاليا (1648)، حين تكرّسَ مبدأ السيادة ووحدة الإقليم. ومع إنشاء عصبة الأمم، ثم تأسيس منظمة الأمم المتحدة في 1945، أصبح الاعتراف بالدول أحد المفاتيح المركزية في منح «الشخصية القانونية الدولية»، أي تمكينها من تمثيل الشعوب أمام المجتمع الدولي والتعامل كندٍّ في المعاهدات والعلاقات الدبلوماسية. لكن هذا النظام لم يكن محايداً، لأن القانون الدولي ليس سوى انعكاس لرأسمالية عالمية تتولد عن الهيمنة. فالقانون هنا – سواء كان داخلياً أو دولياً – لا يعمل كأداة عدالة، بل كجهاز إيديولوجي يُعيد إنتاج ميزان القوى ويكرسه، وهذا يبدو شديد الوضوح في القانون الدولي، إذ يُعاد إنتاج كل شيء لصالح القوى العظمى كما نرى في حق الفيتو. ومن ثم لا يُفهَم الاعتراف بالدول كعملية قانونية فحسب، بل كآلية سياسية مرتبطة بالهيمنة والتبعية.
يضعُ القانون الدولي العام على المستوى النصي معايير تبسيطية واضحة لتعريف الدولة، وذلك وفقاً لما يُسمّى معايير مونتيفيديو (1933): «شعب دائم، إقليم محدد، حكومة، القدرة على الدخول في علاقات مع دول أخرى». وبحكم الواقع، تستوفي فلسطين هذه العناصر جزئياً، شعبٌ واضحُ المعالم والثقافة والإرادة السياسية، وأرضٌ مُعترَف بها وإن كانت محتلة، حكومة (رغم الانقسام بين غزة ورام الله)، وقدرة على العلاقات الدولية (تمثيل في الأمم المتحدة، سفارات، انضمام إلى منظمات دولية). محكمة العدل الدولية أكدت في استشاراتها (2004، الجدار العازل) على وجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، وهو ما يُرسِّخ الشخصية القانونية. أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد اعترفت باختصاصها على الأراضي الفلسطينية بعد انضمام فلسطين إلى نظام روما الأساسي، الأمر الذي يُعزِّز البُعد القانوني لصفة الدولة.
إذاً، من منظور قانوني وضعي بحت، لا شيء يمنع الاعتراف الكامل سوى إرادة سياسية دولية، أو ما يمكن تسميته بـ«ذهنية قانونية» مُهيمنة تربط الشرعية بالسيطرة الفعلية العسكرية والأمنية والإدارية.
الاحتلال الإسرائيلي، بوصفه النقيض الوجودي لفلسطين، يتعامل مع موضوعة الاعتراف في القانون الدولي بمنطق القوة والسيطرة الفعلية. ففي خطابه الرسمي يربط بين الدولة والقدرة على فرض الأمن والسيطرة على الأرض، لذلك يعتبر الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين «مكافأة للإرهاب»، ويتمسك بأن الشرعية لا تأتي إلا عبر مفاوضات مباشرة معه، مع ضمان أمن دولته واعتراف الفلسطينيين بها كدولة يهودية. هذه الذهنية ليست مجرد موقف سياسي، بل رؤية قانونية–أمنية تجعل من القانون أداة تكتيكية لا إطاراً مُلزِماً، بينما على أرض الواقع تُشرعن إسرائيل مستوطناتها بقوانين داخلية، وتعتبر أن اعتراف الخارج لا قيمة له ما لم يقترن بالرضا الإسرائيلي.
يتكشّف عن ذلك أنّ القانون الدولي لا يُنتِجُ الاعترافَ بناءً على معايير ثابتة، بل يشتغلُ كجهازٍ لإعادة إنتاج علاقات القوّة، إذ يُعترَف بالدول التي تنسجم مع البنية المهيمنة، ويُحجَب الاعتراف عمن يهدّدها. وتظل قضية الاعتراف بفلسطين سابقة قانونية وسياسية حاسمة. فهي تكشف التوتر البنيوي بين القانون الدولي كمعيار (حق تقرير المصير، مفهوم الدولة، السوابق القضائية) وكأداة قوّة (مبدأ uti possidetis وبقاء الأراضي والممتلكات مع صاحبها في نهاية النزاع، اعتراف انتقائي، مشروط وخاضع للهيمنة).
إذا تطورت الموجة الاعترافية إلى ممارسات عملية (سفارات، اتفاقيات، دفاع عن فلسطين في المحاكم)، فقد نشهد تحولاً نحو قطيعة معرفية حقيقية من قانون دولي استعماري إلى قانون دولي أكثر انفتاحاً على حقوق الشعوب، أمّا إذا بقي الاعتراف رمزياً، فسيظل القانون الدولي مُكبَّلاً بذهنية القوة، وستظل فلسطين مجرد استثناء يؤكد القاعدة.
القانون الدولي كإشكالية معرفية لا يُنتِجُ نفسه بوصفه نظاماً محايداً، بل هو جزء من علاقات قوى، يتشكّل في قلب الصراع بين الشكل الاستعماري الأقصى والشعوب. والاعتراف بالدول ليس فعلاً «طبيعياً» ولا آلية بيروقراطية، بل تجسيداً لصراع عالمي على إعادة تعريف من يستحق أن يكون «فاعلاً قانونياً» ومن يُترَك في الهامش. في هذه النقطة، تكشف فلسطين هشاشة النظام القانوني، وتضع على الطاولة هذا التوتر البنيوي للعيان.
يكشفُ الاعتراف بفلسطين أن القانون الدولي ليس نصاً نظرياً فوقيّاً خالياً من المضمون الرمزي والمفاهيمي، بل هو ساحة صراع تتقاطع فيها الإيديولوجيا والخطاب، والهيمنة على المستوى الاجتماعي الاقتصادي. لكن ما هو أخطر من ذلك أنّ هذا الخطاب يجد صداه في دوائر غربية، حيث يُربَط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بشرط «التفاوض المباشر» أو «ضمان أمن إسرائيل»، أي أنّ الخطاب الإسرائيلي نجح في تحديد شروط النقاش نفسه، فلا يُعتَرف بفلسطين إلا إذا ارتضت قواعد اللعبة الإسرائيلية. بالتالي، يتضح هنا كيف أنّ القانون الدولي ليس مجرد نصوص، بل هو شبكة خطابية–معرفية تُعيد إنتاج علاقات السيطرة.
بهذا نرى كيف يعمل الاعتراف كجهاز إيديولوجي، كخطاب سلطة، وكآليةٍ لإعادة إنتاج البُنى الفئوية العالمية. فلسطين ليست استثناءً من هذا المنطق، بل هي المثال الأوضح على أنّ القانون نفسه يمنح الشرعية عبر سلطة القوة، ويترك الشعوب معلّقة بين خطاب الحق وممارسة السيطرة.
نرى أنّ «المجتمع الدولي» نفسه يعمل كدولة مُوسَّعة (state system)، تُعيد إنتاج توازن القوى المُهيمنة. لذا يصبح الاعتراف بفلسطين اختباراً مزدوجاً: من جهة، هو مطالبة بإدخال فلسطين إلى الفضاء الإيديولوجي للقانون الدولي، أي الاعتراف بها كـ«دولة» في النظام العالمي. ومن جهة أخرى، هو مقاومة ضد استبعادها المستمر عبر «التعليق القانوني»، الذي يُبقي الحقوق الفلسطينية في حالة انتظار، كأنها مُؤجَّلة إلى مستقبل تفاوضي لا يتحقق، فيما تتبنى إسرائيل في الممارسة اليومية استراتيجية قهرية استباقية.
إنّ السلطة لا تُمارَس فقط بالعنف المادي، بل أيضاً عبر خطاب يُنتج المعرفة التي تحدد ما هو «ممكن» وما هو «شرعي». الذهنية الإسرائيلية في التعامل مع الاعتراف بفلسطين تتجسد في خطاب يُحوِّلُ السيادة إلى مسألة أمنية، ويُجرِّد الفلسطينيين من صفة «الفاعل القانوني». يُصوّرُ خطابُ إسرائيل الرسمي الاعترافَ الدولي بفلسطين كمكافأة على «الإرهاب»، ما يحوّل المطالبة بالسيادة إلى انحراف عن «النظام الأمني». هكذا يتم إنتاج معرفة تضع الفلسطيني في خانة «المُهدِّد» لا «صاحب الحق».
قدّمَ نيكولاس بولانتزاس رؤية بنيوية للدولة باعتبارها تكثيفاً مادياً لعلاقات القوة بين طبقات المجتمع، حيث أن الدولة ليست محايدة، ولا هي جهاز واحديّ، بل ساحة تتقاطع فيها التناقضات. عند إسقاط هذا المنظور على فلسطين، يصبح السؤال: هل «الدولة الفلسطينية» الموعودة ستكون فعلاً دولة ذات سيادة، أم مجرد إعادة تكثيف للهيمنة الإمبريالية–الإسرائيلية بشكل آخر؟ الاعتراف الدولي بفلسطين، حتى لو تحقّق بشكل واسع، قد يُبقي الدولة الجديدة رهينة التمويل الدولي، والرقابة الأمنية، والوصاية السياسية. أي أننا أمام إمكانية بناء دولة من دون سيادة فعلية، دولة تُكرس التبعية بدلاً من كسرها.
من هنا تأتي أهمية تحليل الاعتراف كـ«براكسيس/ ممارسة»، لا كقانون مجرد. فالاعتراف لا يُقاس فقط بعدد الدول المؤيدة، بل بكيفية إدماجه في البنية العالمية للهيمنة. إذ لم يكن الاعتراف بفلسطين يوماً مسألة تقنية، بل كان دوماً مشروطاً بالسياقات: دول الجنوب اعترفت منذ 1988، كجزء من مقاومة النظام الإمبريالي. دول الغرب استعملت الاعتراف ورقة تفاوضية، تُمنح أو تُسحب بحسب اللحظة السياسية. موجة 2025 (بريطانيا، كندا، أستراليا، البرتغال… إلخ) جاءت كردٍّ على فشل إسرائيل في فرض روايتها بعد حرب غزة، ما يُشير إلى تحوّل جزئي في توازن القوى الخطابية.
لكن هذا الاعتراف لم يُترجمَ بعد إلى تغيير جذري في ميزان القوى المادي: الاحتلال ما زال قائماً، والسيادة غائبة، والاقتصاد الفلسطيني رَهنُ التمويل الخارجي. أي أنّ الاعتراف يبقى في مستوى الخطاب أكثر مما هو في مستوى الواقع البنيوي. الاعتراف الدولي يعمل كآلية تَشييٍء (Reification) تُحوِّل الشعب الفلسطيني – بكل معاناته وتاريخه ونضاله – إلى «ملف قانوني» يُدار في أروقة الأمم المتحدة. وهكذا لا ينظر للفلسطيني كفاعل تاريخي، بل كـ«موضوع قانوني» تنتظر هويته الختم الدولي. هذا التَشييءُ يُنتج أيضاً اغتراباً، إذ يظل الشعب الفلسطيني مُغترِب عن سيادته لأنه لا يملك حق تقرير مصيره إلا بوساطة المجتمع الدولي. هكذا يصبح القانون الدولي نفسه جزءاً من منظومة الاغتراب، حيث تتحول الحرية إلى قرار خارجي مشروط. ومع ذلك، يفتح هذا الاغتراب أفقاً للمقاومة، وإمكانيةً لتحويل أدوات القانون الدولي إلى سلاح سياسي ضد الاستعمار، كما في لجوء فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية.
على النقيض، تُجسِّد إسرائيل الاستخدام البراغماتي–الأمني للقانون: داخلياً تُشرعن الاستيطان والجدار عبر تشريعاتها الخاصة، وخارجياً تتعامل مع القانون الدولي بشكل انتقائي، فتستخدمه حين يخدم مصالحها (اتفاقيات السلام، التطبيع) وتتجاهله حين يُقيّدها (قرارات مجلس الأمن، استشارات محكمة العدل الدولية). هذا يجعلها مثالاً حيّاً على ما وصفه فوكو بالسلطة التي «تمرّ عبر القانون» بدلاً من أن تكون خارجه. القانون عند إسرائيل ليس قيداً، بل أداة لإعادة إنتاج السيطرة.
القانون كسلعة ونمط للهيمنة يتجلى في التشييء والاغتراب
تضعنا فلسطين أمام سؤال جدلي جذري: هل يمكن للقانون الدولي أن يتحرر من بنيته الإمبريالية، أم أنه محكوم بالبقاء أداةً للهيمنة؟
من منظور مادي–بنيوي، القانون لا يتغيّر بذاته، بل يتغير بشكلٍ مُسايقٍ لموازين القوى العالمية. فالاعتراف بفلسطين يفتح نافذة نقدية تحمل نقيضها في ذاتها وتنفي مُسلَّمتها البديهية في الممارسة، مما يُنتج صراعاً داخلياً متناقضاً. يظل بذلك القانون محكوماً بالتشييء والاغتراب ما لم تتغير البنية السياسية–الاقتصادية، سواء عبر تفكك الهيمنة الأميركية وصعود قوى بديلة، أو عبر تحوُّلات في الرأي العام العالمي. من هنا لا يُنتظَر من القانون حيادٌ وهمي، بل يجب تحويله إلى أداة صراع، وجعل الاعتراف ذاته ساحة مواجهة. بذلك تصبح فلسطين، إلى جانب كونها قضية وطنية، نموذجاً معرفياً لفهم العلاقة بين القانون والقوة، وكاشفة لطبيعة النظام الرأسمالي الدولي الذي يُعيد إنتاج التبعية لكنه يفتح أيضاً إمكانات مقاومته وتجاوزه.
الاعتراف الدولي بفلسطين يتجاوز الدلالة الرمزية للهيمنة، فهو مُرتبط بمنطق الربح، والدَّين العام، وصناعة السلاح. فحروب المنطقة تُغذّي أرباح شركات السلاح وتُعمّق أزمة الدَّين العالمي، فيما ينهار الاقتصاد الفلسطيني تحت ضغط النزاع. ومن منظور ماركسي–بنيوي، الاعتراف ليس سوى انعكاس لعلاقات قوة، حيث يُفسِّر الميل البنيوي لانخفاض معدل الربح حاجةَ رأس المال إلى مجالات تراكم جديدة كاقتصاد الحروب. النتيجة المحتملة هي ترسيخ «سلام رأسمالي» يعيد إنتاج التبعية والربح بدلاً من تحقيق سيادة أو كرامة حقيقية للفلسطينيين. لذا، يُصبح مجال الفعل السياسي المعقول هو تحويل الاعتراف إلى ممارسات تحدّ من التشييء والاغتراب عن موضوعه وتُحيي العدالة الاجتماعية والاقتصادية، لتغدو القضية الفلسطينية مُختبَراً مركزياً لفهم التفاعل اليومي بين القانون الدولي والاقتصاد السياسي العالمي.
يقف مفهوم الاعتراف عند مفترق حاسم هنا فهو لا يُقرأ في النصوص القانونية أو في تصنيف الدول بين مؤيدة ومعارضة، بل يُفهَم عبر ربطه بمنطق الربح، الدَّين، وصناعة القهر العسكري. من زاوية إيديولوجية-خطابية-بنائية، يُصبح الاعتراف أداة تكشف دافع رأس المال إلى تحويل الحروب إلى فضاءات تراكمية جديدة. وتؤكد بياناتُ معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) هذا المنطق، حيث بلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.718 مليار دولار في 2024، في ارتفاع متواصل لعقد كامل وقفزات حادة سنوياً. هذه الطفرة تعكس تركيزاً هائلاً في صناعة الأسلحة، إذ تستحوذ قائمة المئة شركة الأولى على معظم الأرباح، وتُعيد تدويرها إلى تمويل سياسي يعزز نفوذها ويضمن دوام الحروب كسوق ثابتة.
في فلسطين والشرق الأوسط، يتجلى ذلك عبر مشاريع الطاقة والممرات والمساعدات العسكرية المباشرة ومن خلال التحكم في النزاعات وتوليدها وعبر صفقات أسلحة بمليارات الدولارات لإسرائيل، ما يُعيد إنتاج تفوقها العسكري كأداة ضغط داخل النظام الدولي. في المقابل، يدفع الفلسطينيون كلفة بشرية واقتصادية ساحقة متجسدة في انكماش الناتج المحلي وانهياره كآلية اقتلاع لأي احتمال لقيام بنية اجتماعية اقتصادية مستقبلية مستقلة في المنطقة. على المستوى العالمي، تضخّمت مستويات الدَّين العام والخاص بعد جائحة كورونا، أصبحت الحروب أداة لفرض سياسات تقشفية تحرم المجتمعات من إعادة البناء، فيما تتدفق الأرباح نحو المُقرِضين وشبكات صناعية-مالية-سياسية محدودة. يفسّر قانون القيمة والعمل المادي هذه الدينامية: الميل البنيوي لانخفاض معدل الربح (TRPF) يدفع رأس المال إلى البحث عن مجالات بديلة، مثل: تمويل الحروب، والتنمية بعقود احتكارية، وصفقات تسليح طويلة الأمد. صحيح أن الحروب ليست مُربحة لكل الأطراف، لكنها تبقى مربحة بما يكفي لتأبيد اقتصاد العنف وإعادة إنتاجه.
في التناقض بين الليبرالية القانونية والنيوليبرالية الاقتصادية، يتقاطع الميلُ البنيوي للرأسمالية مع النيوليبرالية عبر تحرير الأسواق وتخصيص خدمات الدولة، ما يجعل من الحرب فرصة لشركات خاصة للهيمنة على إعادة الإعمار، والأمن الخاص، وصناعات الاستخبارات والمعدات. وبذلك يتحوّل الألم الإنساني إلى مجال للربح، ويغدو العنف العسكري جزءاً من دائرة تراكم رأس المال، لا مجرد فشل سياسي أو انحراف أخلاقي. ففي حين تُروّج الليبرالية الكلاسيكية لسلام تجاري قائم على مؤسسات قانونية دولية وآليات تحكيم تسهّل التبادل التجاري، تدفع النيوليبرالية نحو خصخصة الخدمات ودمج القطاع الخاص في دوائر السلطة. وعند اندلاع الحرب، تتحوّل الليبرالية إلى مبرّر لبرامج إنقاذ اقتصادية تؤولُ غالباً إلى ربح خاص وديون عامة متصاعدة. يتجلى هذا التصادم بوضوح في الحالة الفلسطينية: فخطاب «السلام» غدا قالباً لبرامج تنمية وإعادة إنتاج خاضعة لشروط المانحين وسوق المقاولات، بدل أن يكون مدخلاً لتحرير الفلسطينيين من التبعيات البنيوية: انهيارُ البنية التحتية والإنتاج، تصاعدُ الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وغيابُ استثمار دولي طويل الأمد ما لم يكن مربحاً، وغالباً ضمن سياسات تقشف وديون.
بالمقابل، تتدفق عائدات الحرب على الشركات العسكرية، ومزوّدي الأمن الخاص، والبنوك الممولة للإعمار بشروط رهنية، لتتكرّس بنية رابحة تستفيد من استمرار الصراع أو إعادة تدويره في حلقات قصيرة من العنف والإنعاش الجزئي. وحين يُحوَّل الاعتراف إلى أداة تفاوض وضغط في يد الدول الإقليمية والفاعلين ما دون الدول، يُجرَّد الفلسطيني من موقعه كفاعل تاريخي ويُختزَل في وضعية قانونية مُؤَسْطَرة تُدار من الخارج. إذ لا تعمل منظومة القانون و«طبيعة الأشياء» هنا بشكل محايد، بل كسوق قانونية تُباع وتُشترى فيها الشرعيات وفق المصالح، بما يكرّسُ اغتراب الشعب عن تقرير مصيره ويمهد لـ«سلام رأسمالي» يُعيد إنتاج التبعية.
يُشرعن القانون الدولي بوصفه جهازاً إيديولوجياً، علاقات القوة، ويجعل من الاعترافات المشروطة وسيلة لإدامة الهيمنة عبر التمويل والسيطرة الخطابية. فالقول بأن فلسطين «غير جاهزة» للسيادة ليس مجرد توصيف، بل خطاب يُنتِج مبررات للهندسة السياسية واستمرار التحكم الخارجي. حتى في حال قيام دولة فلسطينية، فإنها قد تبقى حقلاً لإعادة إنتاج التبعية الهيكلية ما دامت خاضعة لوصاية الاقتصاد واشتراطاته.
إذا كانت فلسطين المُختبَر الأوضح للعلاقات الدولية، فإن الفعل السياسي التحرري يجب أن يتجه نحو تحويل الاعتراف إلى سيادة فعلية عبر بنية اقتصادية مستقلة، وسياسات إدارة موارد مُحكَمة، وبرامج توظيف عامة، وبدائل تمويلية شعبية (شبكات التضامن، تمويل بديل). مواجهة تشييء القانون للناس تتم عن طريق تحويل الأدوات القانونية إلى سلاح سياسي، واستخدامُ المحاكم الدولية لتثبيت التزامات دولية قابلة للتنفيذ، وربط المساعدات بشروط حقوقية واجتماعية محددة. وكذلك محاصرة اقتصاد الحروب عبر حملات مقاطعة مالية وسياسية، تستهدفُ شركات الأسلحة والمصارف التي تمول الصفقات، بُغية تقليص الاغتراب السياسي. وأخيراً بناء بدائل معرفية، تُقوِّضُ خطابَ الأمن كوحدة قياس للشرعية وتُعيد أولوية الحق في الحياة والكرامة، بدلاً من أولوية «الأمن» كحجة لشرعنة الاحتلال.
الاعتراف الدولي بفلسطين لا يُختصَر في توقيع دبلوماسي؛ فهو نقطة اشتعال تُبيّنُ الطبيعة المركّبة للقانون الحديث كجهاز إيديولوجي يعمل ضمن جسد اقتصاد سياسي دولي يطغى عليه مسلسل تراكمٍ ربحي لا يرحم. إذا كان هناك درس ينبغي استخلاصه، فهو أن تحويل الاعتراف إلى تحرير حقيقي يتطلب تآزُراً بين نضال أخلاقي قانوني مدروس، واستراتيجيات اقتصادية مُنتِجة وتمكينية وغير ريعية، وضغط سياسي دولي يضع الربح أمام السؤال الأخلاقي والسياسي: هل ستخدم صفقات السلاح والديون أمناً بشرياً أم مصالحَ رأس المال؟ تُجيبنا فلسطين يومياً: من دون تغييرٍ جذري في بنية القوة العالمية، سيبقى «السلام» غطاءً لإعادة إنتاج التبعية والهيمنة.
ليس الاعترافُ بدولة فلسطين مجرد واقعة اقتصادية سياسية/دبلوماسية دولية، بل هو معركة معرفية قانونية تكشف عُري القانون أمام القوة وقد تؤدي إلى قطيعة معرفية مع ما سبق من ممارسات. ويبدو أن مستقبل القانون الدولي سيتحدَّدُ بمقدار ما تستطيع فلسطين تحويل هذا الاعتراف إلى ممارسة فعلية تقاوم ذهنية إسرائيل، وتفتح أفقاً جديداً لمفهوم الشرعية الدولية وفلسفتها القانونية في النظرية والممارسة.
-